للحياة الدنيوية.
وقيل: انتهوا خيرا لكم.
قيل: فيه الوجهان المقدمان، وقيل: انتهوا انتهاءاً خيرا لكم، بقوله:
(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)
على غناه عن الأولاد، وبقوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) أنه القائم
بحفظ الأشياء، والولد يحتاج إليه، ليكون وكيلا لأبيه، وهو تعالى مستغن
لأنه هو الحافظ لكل شيء.
قوله عز وجل: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)
الاستنكاف: الأنفة من قوله نكفت الدم أي نحيته بالإصبع حتى قيل للدم
نكف، وقيل: بحر منكوف لا ينزح.
قيل: هو من النكف أي نحيته قطيف بالعنق، وقيل: من النكفين، وهما لحمتان متدليتان من العنق، واستعمالها
في التكبر كالصعر ميل العنق والعزم بالأنف، وعلى ذلك قال الشاعر:
| إن الكَريمَ مَنْ بَلَغَتْ قُواهُ | وإن اللئيمَ دَائِمَ الطرْف أَقْوَدُ |
إذا اعتبرت به تعالى، فلهذا الاستنكاف منها.
والاستكبار: طلب التكبر لغير استحقاق، التكبر قد يكون باستحقاق، وذلك إذا كان طلبا لعزة النفس والتلطف عن الأغراض الدنيوية.
نبه تعالى أن لا استنكاف لأحد في عبادته وأن
المستنكف عنها لا ينجو منه، بل يفتقر إليه فيجازي به.
والضمير في قوله تعالى: (فَسَيَحشرُهُم) راجع إلى كل من تقدم فلهذا فصل من بعد.
واستدل بعض المتكلمين بالآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء، وقال: مثل
هذا الكلام إذا ذكر على طريق التحمد مؤخرا الأشرف فالأشرف، فيقال:
لا يستنكف الحاجب من خدمة فلان ولا الوزير ولا الأمير، ولا يقال على
عكس ذلك، فاعترض على ذلك بأشياء أحدهما: أنه قد يذكر في مثل هذا
الموضع في مرتبة واحدة، فيقال: الرشيد لا يستنكف من ذلك ولا المأمون صفحة رقم 240
أيضا، فقد خص الله تعالى عيسى من دون غيره من الأنبياء، فلا دلالة أنه
أفضل من كلهم، وأيضا فقد قال: (وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)
ولا دلالة أن غير القربين أفضل من الأنبياء، فأجاب هذا المجيب أن المسلمين
اختلفوا على وجهين: فمن قائل قال: الأنبياء أفضل، وقائل قال: الملائكة
أفضل ولم يقل أنهما سواء وكذا قالوا: لا فرق بين عيسى وغيره، في كونهم
فوق الملائكة، أو دونهم، وكذا لم يفرقوا بين المقربين، وغير المقربين في هذا المعنى.
وهذا الجواب كما ترى، وقد اعترض على ذلك أيضا فقيل: إنما ذكرت من
قولك لن يستنكف الحاجب من خدمتي، ولا الوزير، إنما يكون في اسمين مفردين كما مثلت به، فأما إذا ذكرت مفردا أو جملة فليس يقتضي ما ذكرت، كقولك: لن يسنكف الحاجب أن يخدمني، ولا الصغير، والكبير من أصحاب
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار