ويقول الحق بعد ذلك :
لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا( ١٧٢ ) :
مصدر الشرف للإنسان أن يحس ويشعر بتجلي الله عليه بعبوديته له، وسبحانه عندما أراد أن يتجلى على نبينا الخاتم صلى الله عليه وسلم ويسري به إلى المسجد الأقصى قال :
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ( من الآية١سورة الإسراء )، ولم يقل : " سبحان الذي أسرى برسوله " ولكنه قال : سبحان الذي أسرى بعبده " لأن " العبودية " عطاء علوي من الله، فكأن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم عندما تناهى في العبودية لله نال تناهي الخير، فمن إذن يستنكف أن يكون عبدا لله ؟ لا يستنكف المسيح ذلك، وكذلك الملائكة لا تستنكف أن تكون عبيدا لله " ولا الملائكة المقربون " ويسمون ذلك ارتقاء في النفي مثلما يقول فلاح : لا يستطيع شيخ الخفر أن يقف أمامي ولا العمدة.
إذن فالملائكة في الخلق أحسن من البشر، ولذلك قال الحق : " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون " وقال بعض العلماء : إن خواص البشر أفضل من خواص الملائكة المقربون " وقال بعض العلماء : إن خواص البشر أفضل من خواص الملائكة، وعوام الملائكة أفضل من عوام البشر والأصل في اللغات أن توضع الألفاظ أولا لمحسات، ثم تنتقل من المحسات إلى المعنويات لأن إلف الإنسان في أول تكوين المدركات له إنما يكون بالحس، كما قال الحق :
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون٧٨ ( سورة النحل ).
إذن مادام سبحانه قد قال : " لا تعلمون شيئا " فالذي يأتي من بعدها إنما يأتي كوسيلة للعلم، وهي حواس السمع والإبصار والقدرة على تكوين الخبرة ومثال ذلك عندما ندرس في الفقه موضوع الغصب والغصب هو أن يأخذ أحد حق غيره قهرا وعلانية وهو غير السرقة التي يأخذها السارق خفية وغير الخطف لأن الخطف هو أن تمتد يد لتشد شيئا من أمام صاحبه ويجري الخاطف بعيدا أما الغصب فهو الأخذ عنوة.
وكلها -الغصب، والسرقة والخطف- هي أخذ لغير الحق، والغصب مأخوذ من أمر حسي هو سلخ الجلد عن الشاة وسمي اخذ الحق من صاحبه غصبا كأنه أخذ للجلد ونقل المعنى من المحسات إلى المعنويات وفي الآية التي نحن بصددها يقول الحق : " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون " و " يستنكف " مثلها مثل " يستفهم "، ومثل " يستخرج ".
إذن فهناك مادة اسمها " نكف "، و " النكف " عملية حسية تتمثل في أن يزيل الإنسان دمعة العين بأصبعه ولنفرض أن إنسانا يعلم أن له كرامة في البيت وجاء له ظرف نفسي جعله يبكي، فدخل عليه ابنه أو زوجته فهو يحاول إزالة الدمع بأصبعه و " استنكف " معناها أزال " النكف "، والنكف معناه أن يزيل الدمع بأصبعه، وإزالة الدمع بالأصبع تعني أن صاحب الدمع يستكبر أن يراه أحد باكيا لأنه مقهور على أمر قد كان، وهذه العملية لا تحدث إلا عندما يريد الإنسان أن يستر بكاءه عن أحد.
وانتقلت هذه الكلمة من المعنى الحسي إلى أي مجال فيه استعلاء مثلما يستنكف إنسان أن يسير في طريق آخر، أو أن يجلس مع آخر أو يجلس في مقعد أقل من مقعد آخر.
ويشرح ذلك المعنى الدارج بأن المسيح لا يجد غضاضة أن كان عبدا لله، ولا يستكبر على ذلك بل هو يشرف به والملائكة المقربون أيضا تشرف بهذا الأمر، والملائكة المقربون هم الذين لا يعلمون شيئا عن هذا العالم وليس لهم عمل إلا التسبيح لله، لأنهم عرفوا العبودية لله، وهي عبودية ليست لمن يستذل لكنها لمن يعز وليست عبودية للذي يأخذ ولكنها للذي يعطي والذي يستنكف من ذلك لا يعرف قيمة العبودية لله لذلك لا يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله، ولا الملائكة المقربون.
ويضيف الحق :" ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا " المستنكفون، أو الذين على طريقة الاستنكاف ومن يشجعهم على ذلك كل هؤلاء يصيرون إلى جهنم.
تفسير الشعراوي
الشعراوي