قال البغوي ( و عزاه الواحدي في أسباب النزول إلى الكلبي ) أنه قال وفد نجران : يا محمد إنك تعيب صاحبنا، قال : وأي شيء أقول ؟ قال تقول : إنه عبد الله ورسوله، قال : إنه ليس بعار لعيسى أن يكون عبد الله فنزلت لن يستنكف أي لن يأنف ولن يتعظم الاستنكاف التكبر مع الأنفة من نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك كيلا يرى أثره عليك المسيح من أن يكون عبدا لله فإن عبوديته تعالى شرف وكمال يباهي به فإنه أصل كل كمال فإن الممكن لا يوجد ولا يتصف بشيء من الكمالات ما لم ينتسب إلى الله تعالى، ولا نسبة له إليه تعالى إلا بالعبودية وإنما المذلة والاستنكاف من عبودية غيره تعالى فإنه ممكن مثله ولا الملائكة المقربين عطف على المسيح يعني ولا يستنكف الملائكة المقربون من أن يكونوا عبيدا الله تعالى. احتج بالآية من زعم بتفضيل الملائكة على البشر لأن الترقي يكون من الأدنى إلى الأعلى يقال فلان لا يستنكف من هذا ولا من هو أعلى منه ولا يقال لا يستنكف منه زيد ولا عبده وأجيب بأنه تعالى لم يقل ذلك للترقي من الأدنى إلى الأعلى رفعا لمنزلتهم بل ردا على عبدة الملائكة كما هو رد على عبدة المسيح، أو يقال لعله أراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير دون اعتبار التكبير كقولك أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرءوس، قال البيضاوي : وإن أراد به التكبير فغايته تفضيل المقربين من الملائكة وهم الكروبيون الذين حول العرش أو من هو أعلى منهم من الملائكة على المسيح من الأنبياء وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقا والنزاع فيه، وقال بعض الأفاضل : إن الأظهر في الدفع أن الترقي بنفي استنكاف الملائكة لأنهم أولى بالاستنكاف لا لفضلهم بمعنى كثرة الثواب بل لأنهم لا يرون فيما بينهم عبادا بخلاف البشر فإن في بني نوعهم كثرة العبودية وشيوع الرقية، قلت : والأولى عندي أن يقال إن الترقي ليس لفضل الملائكة على الأنبياء فضلا كليا بل لشرفهم من وجه وفضلهم فضلا جزئيا ولا نزاع فيه والمعنى أن البشر مع احتياجه لبقاء شخصه ونوعه إلى الأكل والشرب والجماع وغير ذلك وقرب زمان حدوثه وقصر عمره وقرب فنائه كيف يستنكف عن عبودية الله ومخلوقيته وكيف يدعي الألوهية لنفسه مع أن الملائكة مع تجردهم وعدم احتياجهم وطول أعمارهم وشدة بطشهم وعدم ابتلائهم بالأمراض والمصائب والشدائد لا يدعون الألوهية ولا يستنكفون عن عبادة الله والله أعلم. وأيضا إن النصارى أفرطوا في شأن عيسى عليه السلام وبرءوه من العبودية لما رأوا أنه ولد بغير أب وأنه كان يبرئ الأكمة والأبرص ويحيى الموتى، وكان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم فيقال لهم هذه الأوصاف في الملائكة أتم منها في عيسى وهم لا يستكبرون عن العبودية، وأيضا الإشارة إلى أفضلية الملائكة على عيسى ولو من وجه خرج مخرج جواب النصارى حين أفرطوا في شأن عيسى حتى أنزلوه منزلة لم تكن له، كما أن الله تعالى اعتبر فضل خضر على موسى حين سئل هل أحد أعلم منك ؟ فقال : لا، الله تعالى : بلى عبدنا الخضر حتى قال موسى لا أبرح حتى أبلغ البحرين أو مضى حقبا ١ وقال له هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا ٢ ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر الاستكبار دون الاستنكاف ولذلك عطف عليه، وإنما يستعمل الاستكبار حيث لا استحقاق بخلاف التكبر فإنه قد يكون باستحقاق فسيحشرهم إليه جميعا فيجازيهم.
٢ سورة الكهف، الآية. ٦٦.
التفسير المظهري
المظهري