المعنى الجملي : بعد أن انتهى من محاجة اليهود وإقامة الحجة عليهم وهم قد غلوا في تحقير عيسى وإهانته وكفروا به- ذكر هنا محاجة النصارى خاصة ودحض شبهاتهم وهم قد غلوا في تعظيم عيسى وتقديسه كما دحض شبهات اليهود فيما سلف.
تفسير المفردات :
الاستنكاف : الامتناع عن الشيء أنفة وكبرا والاستكبار أن يجعل الإنسان نفسه كبيرة فوق ما هي عليه غرورا وإعجابا بها.
الإيضاح :
لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون أي لن يأنف المسيح ولن يترفع عن أن يكون عبدا لله لعلمه بعظمة الله وما يجب له من العبودية والشكر ولا الملائكة المقربون يستنكف أحد منهم أن يكون عبدا له.
و من هذه الآية يفهم أن الملائكة أعظم من المسيح خلقا وأفعالا ومنهم روح القدوس الذي بنفخة منه خلق المسيح ومن ثم استدل بها الكثير من العلماء على تفصيل الملائكة المقربين على الأنبياء. إذ السياق في رد غلو النصارى في المسيح باتخاذه إلها ورفعه عن مقام العبودية فالرد عليهم يقتضي الترقي من الرفيع إلى الأرفع كما تقول إن فلانا التقي لا يستنكف من تقبيل يد الوزير ولا الأمير فإذا بدأت بذكر الأمير لم يعد لذكر الوزير فائدة بل يكون لغوا لأنه يندمج في الأول بالطريق الأولى.
و قال آخرون : إن الآية لا تدل على ذلك لأن في معرض تفضيل هؤلاء الملائكة في عظم الخلق والقدرة على الأعمال العظيمة وهو المناسب للرد على من استكبروا خلق المسيح من غير أب وصدور بعض الآيات عنه فجعلوه إلها مع أن الملائكة خلقوا من غير أب ولا أم ويعملون ما هو أعظم من آيات المسيح فهم بهذا أفضل منه وأعظم.
و أيا كان فالتفاضل في هذا من الرجم بالغيب إذ لا يعلم إلا بنص مع أنه ليس له فائدة في إيمان ولا عمل.
ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا أي ومن يترفع عن عبادته تعالى أنفة وكبرا فيرى انه لا يليق به ذلك فسيجزيه أشد الجزاء إذ يحشر الناس جميعا للجزاء المستنكفين منهم والمستكبرين مع غيرهم في صعيد واحد كما ورد في الحديث ثم يحاسبهم ويجزيهم على أعمالهم.
تفسير المراغي
المراغي