أخرج الطبراني بسند لا بأس به وأبو نعيم والضياء وحسنه عن عائشة قالت جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي وولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وأني إن دخلت خشيت أن لا أراك، فلم يرد النبي صلى الله عيه وسلم شيئا حتى نزل جبرائيل بقوله تعالى : ومن يطع الله في أداء الفرائض والرسول في اتباع سننه فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين الآية. وأخرج الطبراني عن ابن عباس نحوه، وابن أبي حاتم عن مسروق قال : قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ينبغي لنا أن نفارقك فإنك لو مت لرفعت فوقنا فلم نرك، أخرج ابن جرير عن الربيع أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم له فضل على من آمن به في درجات الجنة فمن اتبعه وصدقه كيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضا فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم فيجمعون في رياضها فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه " وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال : كنت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي سلني ؟ فقلت : يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة، قال : أو غير ذلك ؟ قلت : هو ذلك، قال :" فأعني على نفسك بكثرة السجود " ١ وأخرج عن عكرمة قال : أتى فتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله إن لنا منك نظرة في الدنيا ويوم القيامة لا نراك فإنك في الدرجات العلى فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنت معي في الجنة إن شاء الله تعالى " وأخرج ابن جرير نحوه من مرسل سعيد بن جبير ومسروق والربيع وقتادة والسدي، وذكر البغوي أنها نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه وكان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم قد تغيّر لونه يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما غير لونك ؟ فقال : يا رسول الله مالي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك كأنك ترفع مع النبيين وإني إن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدا فنزلت والصديقين والشهداء والصالحين ذكر الله سبحانه للذين أنعم عليهم أربعة أصناف على ترتيب منازلهم في القرب وحث كافة الناس أن لا يتأخروا عنهم : أول الأصناف الأنبياء عليهم السلام الذين مبادي تعيناتهم صفات الله تعالى وهم المستغرقون في التجليات الذاتية الصرفة الدائمية بلا حجاب الصفات المعبر عنها بكمالات النبوة الفائزون الراسخون في هذا المقام بالأصالة المبعثون لتكميل الخلائق وجذبهم إلى مراتب القرب على حسب استعداد أفراد الأمة وكسبهم وحسب مشيئة الله تعالى المبلغون من الله تعالى أحكامه إلى الناس ما يصلح دنياهم وآخرتهم، وثانيهم الصدّيقون وهم المبالغون في الصدق المتصفون بكمال متابعة الأنبياء ظاهرا وباطنا المستغرقون في كمالات النبوة والتجليات الذاتية الصرفة الدائمية بلا حجاب بالوراثة والتبعية، وثالثهم الشهداء الباذلون أنفسهم في سبيل الله ليفاض عليهم نوعا من التجليات الذاتية بسبب بذلهم ذواتهم في سبيل الله، ورابعهم الصالحون الذين أصلحوا أنفسهم بإزالة الرذائل وقلوبهم بشرب بحار الحب ودوام الذكر المانع عن الاشتغال بغير الله سبحانه وأبدانهم عن المعاصي فصلحوا لتجليات الظلال والأفعال بعد حصول الفناء والبقاء على الكمال وتحصلوا من التجليات الذاتية إن شاء الله تعالى ولو من وراء حجب الصفات، وهم الذين سموا بلسان القوم بالأولياء ووعد الله سبحانه سائر المؤمنين بعد دخول الجنة معيتهم وزيادتهم على قدر ما أطاعوا الله ورسوله والمراد بالصديقين هاهنا غير الأنبياء وكذا بالصالحين غير الأنبياء والصديقين ولذلك فسرنا بما ذكرنا، وإلا فالصديق أعم من النبي والصالح أعم من الجميع ولذا يطلق الصديق والصالح على الأنبياء قال الله تعالى في إبراهيم : إنه كان صديقا نبيا ٢ وقال في يحيى وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ٣ وفي عيسى ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ٤.
فائدة : لما استشهد شيخي وإمامي قدسنا الله بسره السامي توجه قلبي إلى تاريخ وفاته فوقع في قلبي بغتة هذه الآية فإذا قوله تعالى : فأولئك مع الذين أنعم الله تاريخ لوفاته أعني ألفا ومائة وخمسا وتسعين سنة سبحان من جعل للإنسان بطاعته إلى نفسه سبيلا وحسن أولئك الأصناف الأربعة المذكورون رفيقا نصب على التمييز أو الحال ولم يجمع لإطلاقه على الواحد والجمع.
وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل (١٣١٨)..
٢ سورة مريم، الآية: ٤١..
٣ سورة آل عمران، الآية: ٣٩.
٤ سورة آل عمران، الآية: ٤٦.
التفسير المظهري
المظهري