أخرج أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الفرائض من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ولا الصغار من الذكور حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن ثابت وترك ابنتين وابنا صغيرا، فجاء ابنا عمه خالد وعرفطة وهما عصبتاه فأخذا ميراثه كله فأتت امرأته رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال ما أدري ما أقول ؟ فنزلت للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون أي المتوارثون بالقرابة ولم يقل للنساء نصيب منه اهتماما لشأنهن مما قل منه أو كثر بدل من قوله مما ترك بإعادة العامل، وفائدته التوبيخ على عدم مبالاتهم في القليل نصيبا مقروضا نصب على أنه مصدر مؤكد كقوله : فريضة من الله ١ أو حال من فاعل الظرف إذ المعنى ثبت لهم نصيب حال كونه مفروضا أي مقطوعا، والحال في الحقيقة قوله مفروضا لكن بحسب الظاهرة جعل الحال نصيبا ومفروضا صفة له، ويسمى الحال موطئة لأنه مقدمة لذكر ما هو الحال حقيقة أو على اختصاص بمعنى أعني نصيبا مقطوعا واجبا لهم لا يجوز لأحد التبديل فيه، وفيه دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه أو أبرأ عنه لا يسقط حقه. وفي الآية إجمال من وجهين : أحدهما في تعيين النصيب، وثانيهما في المراد بالأقرب وكلا الأمرين ورد بيانهما من الشرع، وذكر الوالدين مع دخولهما في الأقربين اهتماما لشأنهما ولأن سبب النزول ميراث الوالد. وذكر البغوي أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كحة وثلاث بنات له منها فقام رجلان هما أبناء عم الميت وأوصياه سويد وعرفجة، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغار وإن كان الصغير ذكرا إنما كانوا يورثون الرجال ويقولون لا نعطي إلا من قاتل وحاز الغنيمة، فجاءت أم كحة فقالت يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات وترك علي بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفقه عليهن وقد ترك أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناتي شيئا وهن في حجري لا يطعمن ولا يسقين، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا : يا رسول ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا فأنزل الله هذه الآية، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سويد وعرفجة : لا تفرقا من مال أوس بن ثابت شيئا فإن الله جعل لبناته نصيبا مما ترك ولم يبيّن كم هو حتى أنظر ما ينزل فيهن فأنزل الله تعالى يوصيكم الله في أولادكم فلما نزلت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة : أن ادفعا إلى أم كحة الثمن وإلى بناته الثلثين ولكما باقي المال. قلت : ولما نزل عقيبه يوصيكم الله لم يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة والله أعلم، قال سعد : وقع في الكتب المعتبرة والروايات الصحيحة أوس بن ثابت هو أخو حسان بن ثابت استشهد بأحد، قال الشيخ جلال الدين السيوطي : وفيه نظر كأنه كان أخ حسان ولم يكن لبني العم مع الأخ سبيل، ونقله ابن حجر في الإصابة عن ابن مندة وخطّأه بأنه ليس أحد من إخوته أوس ولا من بني أعمامه عرفطة ولا خالدا، ثم ذكر الشيخ السيوطي أن جماعة من الصحابة يسمى أوسا مع اختلاف أسماء آبائهم فلعل الذي نزل فيه الآية أحد هؤلاء والله أعلم.
التفسير المظهري
المظهري