أفلا يتدبرون القرآن التدبر هو النظر في أدبار الأمور وعواقبها، وتدبر الكلام هو النظر والتفكر في غاياته ومقاصده التي يرمي إليها وعاقبة العامل به والمخالف له، والمعنى جهل هؤلاء حقيقة الرسالة، وكنه هذه الهداية، أفلا يتدبرون القرآن الذي يدل على حقيقتها، وعاقبة المؤمنين بها والجاحدين لها، فيعرفوا أنه الحق من ربهم، وأن ما أنذر به الكافرين والمنافقين واقع بهم، لأنه كما صدق فيما أخبر به عما يبيتون في أنفسهم، وما يثنون عليه صدورهم، ويطوون عليه سرائرهم، يصدق كذلك فيما يخبر به من سوء مصيرهم، وكون العاقبة للمتقين الصادقين، والخزي والسوء على الكافرين والمنافقين، بل لو تدبروه حق التدبر لعلموا أنه يهدي إلى الحق، ويأمر بالخير والرشد، وأن عاقبة ذلك لا تكون إلا الفوز والفلاح، والصلاح والإصلاح، فإذا كانوا لاستحواذ الباطل والغي عليهم، لا يدركون كنه هداية هذا القرآن في ذاتها، أفلم يأن لهم أن يدركوا من خصائصه ومزاياه، أنه لا يمكن أن يكون إلا من عند الله ؟.
ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا أي لو كان من عند محمد بن عبد الله القرشي لا من عند الله الذي أرسله به لوجدوا فيه اختلافا كثيرا لعدم استطاعته واستطاعة أي مخلوق أن يأتي بمثل هذا القرآن في تصوير الحق بصورته كما هي لا يختلف ولا يتفاوت في شيء منها، لا في حكايته عن الماضي الذي لم يشاهده محمد صلى الله عليه وسلم ولم يقف على تاريخه، ولا في إخباره عن الآتي في مسائل كثيرة وقعت كما أنبأ بها، ولا في بيانه لخفايا الحاضر، حتى حديث الأنفس ومخبآت الضمائر، كبيان ما تبيت هذه الطائفة مخالفا لما تقول للرسول صلى الله عليه وسلم أو ما يقوله لها فتقبله في حضرته.
ولعدم استطاعته واستطاعة غيره أن يأتي بمثله في بيان أصول العقائد، وقواعد الشرائع، وفلسفة الآداب والأخلاق، وسياسة الشعوب والأقوام، مع اتفاق جميع الأصول، وعدم الاختلاف والتفاوت في شيء من الفروع.
ولعدم استطاعته واستطاعة غيره أن يأتي بمثله فيما جاء به من فنون القول وألوان العبر في أنواع المخلوقات، في الأرض والسماوات، وفيها الكلام على الخلق والتكوين ووصف الكائنات بأنواعها، كالكواكب وبروجها ونظامها، والرياح والبحار والنبات والحيوان والجماد، وما فيها من الحكم والآيات. وكلامه في ذلك كله يؤيد بعضه بعضا لا شيء فيه، ولا اختلاف بين معانيه.
ولعدم استطاعته واستطاعة غيره أن يأتي بمثله في بيان سنن الاجتماع، ونواميس العمران، وطبائع الملل والأقوام، وإيراد الشواهد وضروب الأمثال، وتكرار القصة الواحدة، بالعبارات البليغة المتشابهة، تنويعا للعبرة، وتلوينا للموعظة، مع تجاوب ذلك كله على الحق، وتواطئه على الصدق، وبراءته من الاختلاف والتناقض، وتعاليه عن التفاوت والتباين.
وفوق ذلك كله ما فيه من العلم الإلهي والخبر عن عالم الغيب والدار الآخرة وما فيها من الحساب على الأعمال، والجزاء الوفاق، وكون ذلك موافقا لفطرة الإنسان، وجاريا على سنة الله تعالى في تأثير الأعمال الاختيارية في الأرواح، فالاتفاق والالتئام بين الآيات الكثيرة في هذا الباب، هو غاية الغايات عند من أوتي الحكمة وفصل الخطاب.
كان هذا القرآن ينزل منجما بحسب الوقائع والأحوال فيأمر النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية أو الطائفة من الآيات أن توضع في محلها من سورة كذا وهو لا يقرأ في الصحف ما كتب أولا ولا ما كتب آخرا، وإنما يحفظه حفظا، ولم تجر العادة بأن الذي يأتي من عند نفسه بالكلام الكثير في المناسبات والوقائع المختلفة يتذكر عند كل قول جميع ما سبق له في السنين الخالية ويستحضره ليجعل الآخر موافقا للأول، وإذا تذكرت أن بعض الآيات كان ينزل في أيام الحرب وشدة الكرب، وبعضها كان ينزل عند الخصام، وتنازع الأفراد أو الأقوام، جزمت بأن من المحال عادة أن يتذكر الإنسان في هذه الأحوال جميع ما كان قاله من قبل ليأتي بكلام يتفق معه ولا يختلف، وكان إذا تلا عليهم الآيات يحفظونها عنه في صدورهم ويكتبونها في صحفهم، فلم يكن ثم مجال للتنقيح والتحرير لو فرض. وإن تعجب فعجب أن تمر السنون والأحقاب، وتكر القرون والأجيال، وتتسع دوائر العلوم والمعارف، وتتغير أحوال العمران، ولا تنقض كلمة من كلمات القرآن، لا في أحكام الشرع، ولا في أحوال الناس وشؤون الكون، ولا في غير ذلك من فنون القول.
كتب ابن خلدون مقدمته في فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع والعمران فكانت أفضل الكتب وأحكامها في عصر مؤلفها وبعد عصره بعدة عصور، ثم ارتقت العلوم وتغيرت أصول العمران فظهر الاختلاف والخطأ في كثير مما فيها، بل نرى العالم النابغ في علم معين من علماء هذا العصر يؤلف الكتاب فيه ويستعين عليه بمعارف أقرانه من العلماء الباحثين ثم يطيل التأمل فيه وينقحه ويطبعه فلا تمر سنوات قليلة إلا ويظهر له الخطأ والاختلاف فيه فلا يعيد طبعه إلا بعد أن يغير منه ويصحح ما شاء، فما بالك بما يظهر للإنسان من الاختلاف والتفاوت في الكتب التي يؤلفها غيره من أول وهلة لا بعد مرور السنين، واتساع دائرة العلوم. وقد ظهر هذا القرآن في أمة أمية لا مدارس فيها ولا كتب، على لسان أمي لم يتعلم قراءة ولا كتابة، فكيف يمر عليه ثلاثة عشر قرنا يتغير فيها العمران البشري كما قلنا ولا يظهر فيه اختلاف ولا تفاوت حقيقي يعتد به، ويصلح أن يكون مطعنا فيه، أليس هذا برهانا ناصعا على كونه من عند الله أوحاه إلى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ؟.
هذا ما جرى به القلم جريا في تفسير هذه الآية بدون استعانة ولا اقتباس من كلام أحد من المفسرين لأنه هو المتبادر عندي، وسلكت فيه طريق الاختصار الذي يدل على التفصيل، وتركت مسألة الفصاحة والبلاغة واتفاق أسلوبه فيهما إلى مراجعة كلامهم فيها، ثم راجعت بعض التفاسير فإذا أنا بابن جرير يختصر القول في الآية فيقول : أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم لاتساق معانيه وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه وأبان بعضه عن فساد بعض. اه.
وبين الرازي أن هذه الآية احتجاج بالقرآن على المنافقين تثبت لهم ما كانوا يمترون فيه من نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر أن العلماء قالوا : إن دلالة القران على صدق محمد صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجه : فصاحته واشتماله على أخبار الغيوب وسلامته عن الاختلاف. ( قال ) : وهذا هو المذكور في هذه الآية. وذكر فيه أي الأخير ثلاثة أوجه :
الأول : قول أبي بكر الأصم وحاصله : إن المنافقين كانوا يتواطؤن سرا على أنواع من المكر والكيد فيبينها الله في القرآن، ولما كان كل ما حكاه الله عنهم صدقا على خفائه علم أنه لو كان من غيره لم يطرد فيه هذا الصدق.
الثاني : قول أكثر المتكلمين : إن المراد منه أن القرآن كتاب كبير مشتمل على كثير من العلوم فلو كان من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة لأن الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك.
الثالث : قول أبي مسلم : إن المراد الاختلاف في مرتبة الفصاحة حتى لا يكون في جملة ما يعد في الكلام الركيك بل بقية الفصاحة فيه من أوله إلى آخره على نهج واحد. ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني الكثيرة فلا بد وأن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قويا متينا وبعضه سخيفا نازلا ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه المعجز من عند الله تعالى.
نقل الرازي ما نقل في هذا المقام عن مفسري المعتزلة وهم الذين بينوا من بلاغة القرآن ومزاياه العجب العجاب، وقد سبق إلى تحقيق القول في هذه المسألة وتفصيله القاضي أبو بكر الباقلاني إمام الأشعرية ورافع لوائهم المتوفى ٤٠٣ فإنه بين في كتابه :" إعجاز القرآن " وجه إعجازه بإخباره عن المغيبات وباشتماله على العلوم والأخبار التي لا تعرف إلا بالتلقي والتعليم مع كون من جاء به أميا ثم قال :
" والوجه الثالث : أنه بديع النظم عجيب التأليف متناه إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه والذي أطلقه العلماء هو على هذه الجملة، ونحن نفصل ذلك بعض التفصيل ونكشف الجملة التي أطلقوها، فالذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه :
منها : ما يرجع إلى الجملة وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه واختلاف مذاهبه خارج عن المعهود من جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد، وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام المنظوم تنقسم إلى أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع، ثم إلى معدل موزون غير مسجع، ثم إلى ما يرسل إرسالا فتطلب فيه الإصابة والإفادة وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع، وترتيب لطيف، وإن لم يكن معتدلا في وزنه، وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل ولا يتصنع له، وقد علمنا أن القرآن مخالف لهذه الوجوه ومباين لهذه الطرق، ويبقى علينا أن نبين أنه ليس من باب السجع ولا فيه شيء منه، وكذلك ليس من قبيل الشعر لأن من الناس من زعم أنه كلام مسجع، ومنهم من يدعي أن فيه شعرا كثيرا، والكلام يذكر بعد هذا الموضع، فهذا إذا تأمله المتأمل تبين بخروجه عن أصناف كلامهم، وأساليب خطابهم، أنه خارج عن العادة وأنه معجز، وهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن، وتميز حاصل في جمعه.
ومنها : أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة، على هذا الطول وعلى هذا القدر، وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة، وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة، يقع فيها ما نبينه بعد هذا الاختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويقع فيها ما نبديه من التعمل والتكلف، والتجوز والتعسف، وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسبا في الفصاحة على ما وصفه الله تعالى به فقال عز من قائل : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله [ الزمر : ٢٣ ] ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [ النساء : ٨٢ ] فأخبر أن كلام الآدمي إذا امتد وقع فيه التفاوت، وبان عليه الاختلاف، وهذا المعنى هو غير المعنى الأول الذي بدأنا بذكره، فتأمله تعرف الفضل.
وفي ذلك معنى ثالث هو أن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص ومواعظ، واحتجاج، وحكم وأحكام، وأعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف وتعليم، وأخلاق كريمة، وشيم رفيعة، وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها، ونجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع، يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور، فمن الشعراء من يجود في المدح
تفسير المنار
رشيد رضا