ﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

المعنى الجملي : بعد أن أمر سبحانه فيما تقدم بطاعة الله وطاعة الرسول وبين جزاء المطيع وأحوال الناس في هذه الطاعة بحسب قوة الإيمان وضعفه ثم أمر بالقتال وبين مراتب الناس في الامتثال له أعاد هنا أمر بالطاعة وبين أنها أولا وبالذات لله ولغيره بالتبع وبين ضروب مراوغة الضعفاء والمنافقين.
أفلا يتدبرون القرآن أصل التدبير التأمل في أدبار الأمور وعواقبها ثم استعمل في كل تأمل سواء كان نظرا في حقيقة الشيء وأجزائه أو سوابقه وأسبابه أو لواحقه وأعقابه وتدبر الكلام هو النظر والتفكير في غاياته ومقاصده التي يرمي إليها وعاقبة من يعمل به ومن يخالفه.
أي أجهل هؤلاء القوم حقيقة الرسالة وكنه هذه الهداية فلا يتدبرون القرآن الذي يدل على حقيقتها. ولو تدبروه لعرفوا أنه الحق من ربهم وأن ما وعد به المتقين الصادقين وما أنذر به الكافرين والمنافقين واقع لا محالة فهو إذ صدق في الإخبار عما يبيتون في أنفسهم من القول يصدق كذلك فيما أخبر عن سوء مصيرهم والوبال والنكال في عاقبتهم.
ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا أي ولو كان من عندك لا من عند الله الذي أرسله به لوجدوا فيه اختلافا كثيرا لأسباب كثيرة :
أن أي مخلوق لا يستطيع تصوير الحقائق كما صورها القرآن بلا اختلاف ولا تفاوت في شيء منها.
أنه حكى عن الماضي الذي لم يشاهده محمد صلى الله عليه وسلم ولم يقف على تاريخه وعن الآتي فوقع كما أنبأ به وعن الحاضر فأخبر عن خبايا الأنفس ومكنونات الضمائر كما أخبر عما بيتته هذه الطائفة مخالفا لما تقول للرسول أو ما يقوله لها فتقبله في حضرته وترفضه في غيبته.
أن أحدا لا يستطيع أن يأتي بمثله في بيان أصول العقائد وقواعد ااشرائع وسياسة الشعوب والقبائل مع عدم الاختلاف والتفاوت في شيء من ذلك
أن أحدا لا يستطيع أن يأتي بمثله في سنن الاجتماع ونواميس العمران وطبائع الملل والأقوام مع إيراد الشواهد وضرب الأمثال وتكرار القصة الواحدة بالعبارات لبليغة تنويعا للعبرة وتلوينا للموعظة واتفاق كل ذلك وتواطئه على الصدق وبراءته من الاختلاف والتناقض
أن أحدا لا يستطيع أن يأتي بمثله فيما جاء به من فنون القول وألوان العبر في أنواع المخلوقات في الأرض أو في السماوات فقد تكلم على الخلق والتكوين ووصف جميع الكائنات كالكواكب ونظامها والرياح والبحار والحيوان والنبات وما فيها من الحكم والآيات وكان في كل ذلك يؤيد بعضه بعضا لا تفاوت فيه ولا اختلاف بين معانيه.
أنه أخبر عن عالم الغيب والدار الآخرة وما فيها من الحساب على الاعمال والجزاء العادل وكان في كل ذلك جاريا على سنة الله تعالى في تأثير الأعمال الاختيارية في الأرواح مع الالتئام بين الآيات الكثيرة وهو غاية الغايات في ذلك عند من أوتي الحكمة وفصل الخطاب.
هذا إلى أنه نزل منجما بحسب الوقائع والأحوال وكان النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية أو الآيات يأمر بأن توضع في محلها من سورة كذا وهو يحفظه حفظا وقد جرت العادة بأن من يأتي بكلام من عنده في مناسبات مختلفة لا يتذكر جميع ما سبق له في السنين الطوال ولا يستحضره حتى يجعل الآخر موافقا للأول مع أن بعض الآيات كان ينزل في أيام المحن والكروب وبعضها عند تنازع الأقوام حين الخصام.
إلى أن كر الغداة ومر العشي لا يزيده إلا جدة ولا يزيد أحكامه إلا ثباتا ورسوخا وكلما اتسعت دائرة العلوم والمعارف ونمت أحوال العمران زاد إيمان الناس به إذ تتوثق روابط الصلة بين الدين والعلم وتتظاهر أحكامه مع نواميس الاجتماع وشؤون الكون.
و الخلاصة : إن تدبر القرآن وتأمل ما امتاز به هو طريق الهداية القويم وصراط الحق المستقيم فإنه يرشد إلى كونه من عند الله وإلى وجوب الاهتداء به وإلى أنه معقول في نفسه موافق للفطرة ملائم للمصلحة وفيه سعادة الخلق في الدنيا والآخرة.
و لو تدبر المسلمون القرآن واهتدوا به في كل زمان لما فسدت أخلاقهم وآدابهم ولما ظلم واستبد حكامهم ولما زال ملكهم وسلطانهم ولما صاروا عالة في معايشهم على سواهم.
و هذا التدبر لا يمنع أن يستنبط أولو الأمر الأحكام العامة في السياسة والقضاء والإدارة وتتبعهم فيها سائر الأمة.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير