أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وصى الله العباد أن يتأملوا الذكر الحكيم وبيناته، ويعملوا العقل في برهانه ودلالاته، ليستيقنوا بصدقه ويستقيموا على هداياته، يقول مولانا في محكم التنزيل :( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب( (١) )، ويحض على التبصر والاعتبار :( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) ( (٢) )، ويثني على الصفوة الأبرار بأنهم يصحبون الفرقان صحبة تفهم وتقديس وإذعان، ( والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ) ( (٣) ). ولكنهم يقاظ القلوب، فهام العقول، يفهمون عن الله ما يذكرهم به، ويفهمون عنه ما ينبههم عليه، فيوعون مواعظه آذانا سمعته، وقلوبا وعته-( (٤) ) ؛ وهكذا لا يدعون آياته سبحانه إلى غيرها ؛ وليسوا كالمنافقين الذين يظهرون الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم والعميان، لا يعونها ولا يبصرون ما فيها، فهم متساقطون عليها، غير منتفعين بها ؛ مما نقل صاحب تفسير غرائب القرآن : وظاهر الآية يدل على أنه احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإلا انقطع النظم، ودلالة القرآن على صدق النبي من ثلاثة أوجه : الفصاحة، والاشتمال على الغيوب، والسلامة من الاختلاف( (٥) ) – وهو المقصود من الآية-، ... ، المراد : صحة نظمه، وكون كله بل كل جزء من أجزائه وأبعاضه بالغا حد الإعجاز، ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتابا مشتملا على المعاني الكثيرة فلا بد أن يظهر التفاوت في كلامه، .... ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه معجز من عند الله تعالى ؛ وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال ؛ وأضاف بعضهم : ودلت هذه الآية وقوله تعالى :( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) ( (٦) )، على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه ؛ فكان في هذا رد على فساد قول من قال : لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنع أن يُتأول على ما يسوغه لسان العرب، وفيه دليل على الأمر بالنظر والاستدلال وإبطال التقليد، وفيه دليل على إثبات القياس.
٢ سورة القمر. الآية ١٧..
٣ سورة الفرقان. الآية ٧٣..
٤ من جامع البيان..
٥ ثم تابع يقول: واختلف المفسرون في المراد من سلامته من الاختلاف، فقال أبو بكر الأصم: معناه أن المنافقين كانوا يتواطؤون في السر على أنواع كثيرة من المكايد، والرسول كان يخبرهم عنها حالا فحالا، فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل بإخبار الله تعالى لم يطرد صدقه، ولظهر أنواع الاختلاف والتفاوت؛ وقال أكثر المتكلمين: المراد: تجاوب معانيه وتلاؤم مقاصده، مع أنه مشتمل على علوم كثيرة وفنون غزيرة ولو كان من عند غير الله لم يخل من تناقض واضطراب، والذي تظن به التناقض كقوله:(لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) مع قوله:( لنسألنهم أجمعين) أو كقوله:(.. فإذا هي ثعبان مبين) مع قوله:( كأنها جان..) ليس بذاك عند التدبر وملاحظة شروط التناقض: من اتحاد الزمان والمكان وغيرهما..
٦ سورة محمد. الآية ٢٤..
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب