ﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

ويقول الحق بعد ذلك :
أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا٨٢ .
وإذا سمعت كلمة " أفلا " فأعلم أن الأسلوب يقرع من لا يستعمل المادة التي بعده. أفلا يتدبرون القرآن أي كان الواجب عليهم أن يتدبروا القرآن، فهناك شيء اسمه " التدبر "، وشيء اسمه " التفكر "، وثالث اسمه " التذكر "، ورابع اسمه " العلم "، وخامس اسمه " التعقل "، ووردت كل هذه الأساليب في القرآن، أفلا يعلمون ، أفلا يعقلون ، أفلا يتذكرون ، أفلا تتفكرون . هي إذن تدبر، تفكر، تذكر، تعقل، وعلم.
وحين يأتي مخاطبك ليطلب منك أن تستحضر كلمة " تدبر " ؛ فمعنى هذا أنه واثق من أنك لو أعملت عقلك إعمالا قويا لوصلت إلى الحقيقة المطلوبة، لكن الذي يريد أن يغشك لا ينبه فيك وسائل التفتيش، مثل التاجر الذي تدخل عنده لتشتري قماشا، فيعرض قماشه، ويريد أن يثبت لك أنه قماش طبيعي وقوي وليس صناعيا، فيبله لك ويحاول أن يمزقه فلا يتمزق، إنه ينبه فيك الحواس الناقدة، فإذا نبه فيك الحواس الناقدة فمعنى ذلك : أنه واثق من أن إعمال الحواس الناقدة في صالح ما ادعاه، ولو كان قماشه ليس في صالح ما ادعاه لحاول خداعك، لكنه يقول لك : انظر جيدا وجرب.
والحق يقول : أفلا يتدبرون القرآن والتدبر هو كل أمر يعرض على العقل له فيه عمل فتفكر فيه لتنظر في دليل صدقه، هذه أول مرحلة، فإذا ما علمت دليل صدقه فانظر النتيجة التي تعود عليك لو لم تعملها ؛ و " تتدبر " تعني أن تنظر إلى أدبار الأشياء وأعقابها، فالرسول يبلغك : الإله واحد، ابحث في الأدلة بفكرك، فإذا ما انتهيت إليها آمنت بأن هناك إلها واحدا. وإياك أن تقول إنها مسألة رفاهية أو سفسطة ؛ لأنك عندما تنظر العاقبة ماذا ستكون لو لم تؤمن بالإله الواحد. سيكون جزاؤك النار.
إذن فتدبرت تعني : نظرت في أدبار الأشياء وحاولت أن ترى العواقب التي تحدث منها، وهذه مرحلة بعد التفكر. فالتفكر مطلوب أن تتذكر ما عرفته من قبل إن طرأ عليك نسيان. فالتفكر يأتي أولا وبعد ذلك يأتي التدبر. وأنت تقول مثلا لابنك : لكي يكون مستقبلك عاليا وتكون مهندسا أو طبيبا عليك أن تذاكر وتجتهد، فيفكر الولد في أن يكون ذا مكانة مثل المتفوقين في المهن المختلفة في المجتمع، ويبذل الجهد.
إذن فأول مرحلة هي : التفكر، والثانية هي : التدبر، فإذا غفلت نقول لك : تذكر ما فكرت فيه وانتهيت إليه وتدبر العاقبة، هذه كلها عمليات عقلية : فالتفكير يبدأ بالعقل، والعقل ينظر أيضا في العاقبة ثم تعمل الحافظة لتذكرك بما فات وبما كان في بؤرة الشعور ثم انتقل إلى حاشية الشعور، فإذا كنت قد تعقلت الأمر لذاتك يقال : عقلته. فإن فهمت ما عقله غيرك فقد علمت ما عقله فلان.
إذن فليس ضروريا أن تكون قد انتهيت إلى العلم بعقلك، بل أنت أخذت حصيلة تعقل غيرك، ولذلك عندما ينفي ربنا عن واحد العلم فإنه قد نفى عنه التعقل من باب أولى ؛ ذلك أن العلم يعني قدرته على تعقل قدرات غيره، دون الوصول إلى قوانينها وقواعدها وأصولها، إنه فحسب يعلم كيف يستفيد وينتفع بها، وفي حياتنا اليومية نجد أن الأمي ينتفع بالتليفزيون وينتفع بالكهرباء، أي انتفع بعلم غيره. لكنه لا يتعقل قدرات ذلك العالم. إذن فدائرة العلم أوسع ؛ لأنك تعرف بعقلك أنت. أما في دائرة العلم فإنك تعلم وتفهم ما عقله سواك.
ولذلك فعندما يأتي ربنا ليعرض هذه القضية يقول : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ١٧٠ ( سورة البقرة ).
وفي المعنى نفسه يأتي في آية أخرى عندما يقول لهم : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ١٠٤ ( سورة المائدة ).
في الآية الأولى قال سبحانه : لا يعقلون لأنهم قالوا : بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا بدون طرد لغيره، وفي الثانية قالوا : حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا بإصرار على رفض غيره والخضوع لسواه، فقال : أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ، وسبحانه هنا نفى عن آبائهم العلم الذي هو أوسع من نفي التعقل ؛ لأن نفي التعقل يعني نفي القدرة على الاستنباط. لكنه لا ينفي أن ينتفع الإنسان بما استنبطه غيره.
أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .. والحق سبحانه وتعالى حينما يحث المستمعين للاستماع الى كلامه وخاصة المخالفين لمنهجه أن يتدبروا القرآن، معناه أنه يحب منهم أن يعملوا عقولهم فيما يسمعون ؛ لأن الحق يعلم انهم لو اعملوا عقولهم فيما يسمعون لانتهوا الى قضية الحق بدون جدال ولكن الذي يجعلهم في مواقف يعلنون الطاعة }فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول }، إن هذا دليل على أنهم لم يتدبروا القرآن، وقوله الحق : أفلا يتدبرون تأتي بعد تلك الآية، كأنها جاءت ودليلها يسبقها، فهم لو تدبروا القرآن لعلموا أن الرسول صادق في البلاغ عن الله وأن هذا كلام حق.
وبالله حين يبيتون في نفوسهم أو يبيتون بليل غير الذي قالوه لرسول الله، فمن الذي قال لرسول الله : إنهم بيتوا هذا ؟ !.
إذن فلو تدبروا مثل هذه لعلموا إن الذي أخبر رسول الله بسرائرهم وتبييتهم ومكرهم إنما هو الله، إذن فرسول الله صادق في التبليغ عن الله، ومادام رسول الله صادقا في التبليغ عن الله، فتعود للآية الأولى من يطع الرسول فقد أطاع الله ، وكل الآيات يخدم بعضها بعضا، فالقرآن حين نزل باللسان العربي شاء الله ألا يجعل كل مستمع له من العرب يؤمن به أولا ؛ لأنهم لو آمنوا به جميعا أولا لقالوا : إيمانهم بالقرآن جعلهم يتغاضون عن تحدي القرآن لهم. لكن يظل قوم من المواجهين بالقرآن على كفرهم، والكافر في حاجة إلى أن يعارض ويعارض. فإذا ما وجد القرآن قد تحداه أن يأتي بمثله، وتحداه مرة أن يأتي بعشر سور من مثله، وتحداه بأن يأتي بأقصر سورة من مثله، هذا هو التحدي للكافر.. ألا يهيج فيه هذا التحدي غريزة العناد ؟ ولم يقل منهم احد كلمة، فما معنى ذلك ؟ معناه : إنهم مقتنعون بأنه لا يمكن أن يصلوا لذلك واستمروا على كفرهم وكانوا يجترئون ويقولون ما يقولون. ومع ذلك فالقرآن يمر عليهم ولا يجدون فيه استدراكا.
كان من الممكن أن يقولوا : إن محمدا يقول القرآن معجز وبليغ وقد أخطأ في كذا وكذا. ولو كانوا مؤمنين لأخفوا ذلك، لكنهم كافرون والكافر يهمه أن يشيع أي خطأ عن القرآن، وبعد ذلك يأتي قوم ليست لهم ملكة العربية ولا فصاحة العربية، ليقولوا إن القرآن فيه مخالفات ! فكيف يتأتى لهم ذلك وليس عندهم ملكة العربية، ولغتهم لغة مصنوعة، وليس لهم ملكة فصاحة، فكيف يقولون : إن القرآن فيه مخالفات ؟ لقد كان العرب الكافرون أولى بذلك، فقد كانت عندهم ملكة وفصاحة وكانوا معاصرين لنزول القرآن، وهم كافرون بما جاء به محمد ولم يقولوا : إن في القرآن اختلافا ! ! هذا دليل على أن المستشرقين الذين ادعوا ذلك يعانون من نقص في اللغة.
ونقول لهم : لقد تعرض القرآن لأشياء ليثبت فصاحته وبلاغته عند القوم الذين نزل لهم أولا. فمنهم من سيحملون منهج الدعوة، ثم حمل القرآن معجزات أخرى لغير الأمم العربية، فمعجزة القرآن ليست فصاحة فقط، وإلا لقال واحد : هو أعجز العرب، فما شأن العجم والرومان ؟ ونقول له : أكل الإعجاز كان في أسلوبه ؟ لا، الإعجاز في أشياء تتفق فيها جميع الألسنة في الدنيا ؛ لأنه يأتي ليثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهادة خصومه لم يبارح الجزيرة إلا في رحلة التجارة للشام، ولم يثبت أنه جلس إلى معلم، وكلهم يعرف هذا، حتى الغلطة التي أخطئوا فيها، جاء ربنا بها ضدهم فقال : ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ١٠٣ ( سورة النحل ).
يقصدون ب :" بشر " هذا غلاما كان لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه، أو غلاما آخر روميا أو سلمان الفارسي، فأوضح الحق : تعقلوا جيدا، فمحمد لم يجلس إلى معلم، ولم يذهب في رحلات. وبعد ذلك جاء القرآن تحديا لا بالمنطق ولا باللغة ولا بالفصاحة ولا بالبيان فحسب، بل بالأمر الشامل لكل العقول وهو كتاب الكون. ووقائعه وأحداثه التي يشترك فيه كل الناس.
والكون كما نعرفه له حجب، فالأمر الماضي حجابه الزمن الماضي والذي كان يعيش أيامه يعرفه، والذي لم يكن في أيامه لا يعرفه، إذن فأحداث الماضي حجبها الزمن الماضي، وأحداث المستقبل حجزها المستقبل ؛ لأنها لم تقع بعد. والحاضر أمامنا، فيجعل له حاجزا هو المكان، فيأتي القرآن في أساليبه يخرق كل هذه الحجب، ثم يتحدى على سبيل المثال ويقول : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ٤٤ ( سورة القصص ).
وسبحانه يقول : وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ( من الآية٤٥ سورة القصص ).
وسبحانه يقول : وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون٤٨ ( سورة العنكبوت ).
وكل " ما كنت " في القرآن تأتي بأخبار عن أشياء حدثت في الماضي. بالله لو كانوا يعلمون أنه علم أو جلس إلى معلم، أكانوا يسكتون ؟ طبعا لا، لأن هناك كفارا أرادوا أي ثغرة لينفذوا منها، وبعد ذلك يأتي القرآن لحجاب الزمن المستقبل ويخرقه، يحدث ذلك والمسلمون لا يقدرون أن يحموا أنفسهم فيقول الحق : سيهزم الجمع ويولون الدبر٤٥ ( سورة القمر ).
حتى أن عمر بن الخطاب يقول : أي جمع هذا ؟ وينزل القرآن بآيات تتلى وتسجل وتحفظ.. وتأتي غزوة " بدر " ويهزم الجمع فعلا. وتنزل آية أخرى في الوليد ابن المغيرة الجبار المفترى : سنسمه على الخرطوم١٦ ( سورة القلم ).
ويتساءل بعضهم : هل نحن قادرون أن نصل إليه ؟ وبعد ذلك تأتي غزوة " بدر " فينظرون أنفه فيجدون السيف قد خرطه وترك سمة وعلامة عليه، فمن الذي خرق حجاب الزمن المستقبل ؟ إنه الله. وليس محمدا، فإذا تدبرتم المسائل حق التدبر لعلمتم أن محمدا ما هو إلا مبلغ للقرآن، وأن الذي قال القرآن هو الإله الذي ليس عنده ماض ولا حاضر ولا مستقبل، بل كل الزمن له، ويأتي القرآن فيقول : ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ( من الآية٨ سورة المجادلة ).
هم قالوا في أنفسهم ولم يسمع لهم أحد، ثم ينزل القرآن فيخبر بما قالوه في أنفسهم.. فماذا يقولون إذن ؟ وهم لو تدبروا القرآن لعلموا أن الحق سبحانه وتعالى هو الذي أخبر رسول الله بما قالوا في أنفسهم.. فهذه الآية أفلا يتدبرون القرآن جاءت بعد فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ، إذن فقد فضحوا، فلو كانوا يتدبرون لعلموا أن الله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق هو الذي أخبره بما بيتوا، والذين لا يفهمون اللغة يطيرون فرحا باختلاف توهموا أنه موجود بالقرآن، يقولون : إن الحدث الواحد المنسوب إلى فاعل واحد لا ينفي مرة ويثبت مرة أخرى، فإن نفيته لا تثبته، وإن أثبته لا تنفه، لكن القرآن فيه هذا.
وهيئ لهم ذلك في قول الحق : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ( من الآية١٧ سورة الأنفال ).
و وما رميت هو ن

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير