ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

ثم استَثْنى فقال :" إلا المستضعفين " : في هذا الاستثناءِ قولان :
أحدُهُما : أنه متصلٌ، والمسْتَثْنَى منه قوله : فأولئك مأواهم جهنم ، والضمير يعودُ على المُتوفَّيْن ظَالِمِي أنْفُسِهم، قال هذا القَائِل : كأنه قيل : فأولئك في جَهَنَّم إلا المُسْتَضْعَفين، فعلى هذَا يَكُون هذا استِثْنَاء مُتَّصلاً.
والثاني - وهو الصَّحيح - : أنه مُنْقَطِعٌ ؛ لأن الضَّمير في " مَأواهُم " عائدٌ على قوله : إن الذين توفاهم ، وهؤلاء المُتوفَّوْن : إمَّا كُفَّارٌ أو عُصَاة بالتَّخَلُّف، على ما قال المفَسِّرون، [ وهم ] قادرون على الهِجْرَة، فلم يندرجْ فيهم المُسْتَضْعَفُون فكان مُنْقَطِعاً، و " مِنْ الرِّجَال " حالٌ من المُسْتَضْعَفِين، أو من الضَّمِير المستتر فيهم، فيتعلَّقُ بمَحْذُوف.
قوله : لا يستطيعون حيلة في هذه الجُمْلَة أرْبَعة أوجه :
أحدها : أنَّها مستأنفةٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدَّرٍ، كأنه قيل : ما وَجْهُ استِضْعَافِهم ؟ فقيل : كذا.
والثاني : أنها حالٌ.
قال أبو البَقَاء(٢٧) :" حالٌ مبيِّنة عن مَعْنَى الاستِضْعَاف "، قال شهاب الدين : كأنَّه يُشِير إلى المَعْنَى المتقدِّم في كونها جَوَاباً لسُؤال مُقَدَّر.
الثالث : أنها مفسِّرةٌ لنفسِ المُسْتَضْعَفِين ؛ لأنَّ وجوه الاستِضْعَاف كثيرة، فبيَّن بأحد مُحْتَمَلاته، كأنه قيل : إلا الذين استُضْعِفُوا بسبب عَجْزِهم عن كذا وكذا.
الرابع : أنها صِفَة للمُسْتَضْعَفِين أو للرِّجَال ومن بَعْدَهم، ذكره الزمخشري، وعبارة البيضاوي أنه صِفَة للمُسْتَضْعَفِين ؛ إذ لا تَرْقِية فِيِهِ، أي : لا تعيُّن فيه، فكأنه نكِرةٌ، فَصَحَّ وَصْفُهُ بالجُمْلَة.
انتهى ما ذكرنا. واعتذر عن وصف ما عُرِّف بالألف واللام بالجُمَل التي في حُكم النَّكِرَات، بأن المُعَرَّف بِهِما لمَّا لم يكن مُعَيَّناً، جاز ذلك فيه، كقوله :[ الكامل ]
وَلَقَدْ أمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ***. . . (٢٨)
وقد قَدَّمْتُ تَقْرير المَسْألةِ.

فصل في معنى الآية


المعنى : لا يقدرون على حِيلَةٍ ولا نَفَقَةٍ، إذا(٢٩) كان بِهِم مَرَضٌ، أو كانوا تَحْتَ قَهْر قَاهِرٍ يَمْنَعُهم من المُهَاجَرَة.
وقوله :" [ و ](٣٠) لا يهتدون سبيلاً " أي : لا يَعْرِفُونَ طريق الحقِّ، ولا يَجِدُون من يَدُلهُم على الطَّرِيق.
قال مُجَاهد والسُّدِّي وغيرهما : المرادُ بالسَّبيل [ هنا :](٣١) سبيل المَدِينَة(٣٢).
قال القُرْطُبِيّ(٣٣) : والصَّحِيح إنَّه عامٌّ في جَمِيع السُّبُل.
روى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بهذه الآيَة [ إلى ](٣٤) مسلمي مَكَّة، فقال جندب بن ضمرة لِبنيه : احْمِلُونِي فإني لَسْت من المُسْتَضْعَفِين، ولا أنِّي لا أهْتَدِي الطَّرِيق، والله لا أبيتُ اللَّيْلَة بمكّة، فحملُوه على سَرِير مُتَوجِّهاً(٣٥) [ إلى ](٣٦) المدينة، وكان شيخاً كبيراً فَمَات في الطَّريق.
فإن قيل : كَيْف أدْخَل الوِلْدَان في جملة المسْتَثْنين من أهْل الوَعِيد، فإن الاستِثْنَاء إنَّما يَحْسُن لو كَانُوا مستحِقِّين للوَعِيد على بَعْضِ الوُجُوه.
قلنا : سُقُوط الوعيدِ إذا كان بِسَبَبِ العَجْزِ، والعَجْزُ تارة يَحْصُل بسبَبِ عَدَمِ الأهْبَةِ، وتارةً [ يَحْصُل ](٣٧) بسبَبِ الصِّبَا، فلا جرم حَسُن هذا الاستِثْنَاء، هذا إذَا أريد بالوِلْدَان الأطْفَال، ويجُوز أن يُرَاد المُرَاهِقُون منهم، الَّذيِن كَمُلَت(٣٨) عُقُولُهم، فتوجَّه التَّكْلِيف نَحْوَهُم فيما بَيْنَهُم [ وبين الله ](٣٩)، وإن أريد العَبِيدُ والإمَاءُ البَالِغُون، فلا سُؤال.

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية