ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

قال كثيرون من السلف في قوله تعالى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة يعني وأنتم محدثون، وقال آخرون إذا قمتم من النوم إلى الصلاة وكلاهما قريب. وقال آخرون : بل المعنى أعم من ذلك، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة ولكن هو في حق المحدث واجب، وفي حق المتطهر ندب، وكان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر : يا رسول الله إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله، قال :« إني عمداً فعلته يا عمر » رواه مسلم وأهل السنن.
وقال ابن جرير عن الفضل بن المبشر قال : رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإذا بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين، فقلت : أبا عبد الله أشيء تصنعه برأيك؟ قال : بل رأيت النبي ﷺ يصنعه فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله يصنعه، وفي فعل ابن عمر ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة دلالة على استحباب ذلك كما هو مذهب الجمهور.
وكان علي رضي الله عنه يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ هذه الآية : يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة الآية.
وقال ابن جرير عن أنس قال : توضأ عمر بن الخطاب وضوءاً فيه تجوز خفيفاً فقال : هذا وضوء من لم يحدث، وهذا إسناد صحيح. وقال محمد بن سيرين : كان الخلفاء يتوضأون لكل صلاة، أما مشروعيته استحباباً فقد دلت السنّة على ذلك، فعن أنس بن مالك قال : كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قال : قلت : فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال : كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث. وقد رواه البخاري وأهل السنن. وقال ابن جرير عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ :« من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات ».
وقال ابن جرير، وقد قال قوم : إن هذه الآية نزلت إعلاماً من الله أن الوضوء لا يجب إلاّ عند القيام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال، وذلك لأنه عليه السلام كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ، وعن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال : كان رسول الله ﷺ إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يرد علينا، حتى نزلت آية الرخصة : يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة الآية، وقال أبو داود عن عبد الله بن عباس :« أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا : ألا نأتيك بوضوء؟ فقال :» إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة «

صفحة رقم 618

وقوله : فاغسلوا وُجُوهَكُمْ قد استدل طائفة من العلماء بقوله تعالى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ على وجوب النية في الوضوء، لأن تقدير الكلام : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها، كما تقول العرب إذا رأيت الأمير فقم، . أي له. وقد ثبت في الصحيحين حديث :« الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى »، ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه، لما ورد في الحديث من طرق جيدة عن جماعة من الصحابة، عن النبي ﷺ أنه قال :« لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه »، ويستحب أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء، ويتأكد ذلك عند القيام من النوم، لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال :« إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده » وحد الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس، ولا اعتبار بالصلع ولا بالغمم إلى منتهى اللحيين والذقن طولاً، ومن الإذن إلى الإذن عرضاً، ويستحب للمتوضىء أن يخلل لحيته إذا كانت كثيفة.
قال أبو داود عن أنس بن مالك :« أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال :» هكذا أمرني به ربي عزَّ وجلَّ « قال البيهقي : وروينا في تخليل اللحية عن عمار وعائشة وأم سلمة عن النبي ﷺ، وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر والحسن بن علي، وقد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه في الصحاح وغيرها أنه كان إذا توضأ تمضمض واستنشق، فاختلف الأئمة في ذلك، هل هما واجبان في الوضوء والغسل كما هو مذهب أحمد بن حنبل رحمه الله، أو مستحبان فيهما كما هو مذهب الشافعي ومالك، أو يجبان في الغسل دون الوضوء، كما هو مذهب أي حنيفة، أو يجب الاستنشاق دون المضمضة كما هو رواية عن الإمام أحمد، لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال :» من توضأ فليستنشق «، وفي رواية :» إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينثر « والانتثار هو المبالغة في الاستنشاق.
وقال الإمام أحمد عن ابن عباس : أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر، ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا، يعني أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح رأسه ثم أخذ غرفة من ماء ثم رش على رجله اليمنى حتى غسلها ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها رجله اليسرى ثم قال : هكذا رأيت رسول الله يعني يتوضأ.

صفحة رقم 619

ورواه البخاري. وقوله : وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق أي مع المرافق كما قال تعالى : وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً [ النساء : ٢ ] ويستحب للمتوضىء أن يشرع في العضد فيغسله مع ذراعيه لما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ :« إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل » وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : سمعت خليلي يقول :« تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ».
وقوله تعالى : وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ اختلفوا في هذه الباء هل هي للإلصاق وهو الأظهر أو للتبعيض؟ وفيه نظر على قولين ومن الأصوليين من قال : هذا مجمل فليرجع في بيانه إلى السنة. وقد ثبت في الصحيحين عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو جد عمرو بن يحيى وكان من أصحاب النبي ﷺ - : هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد : نعم فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين مرتين ثم مضمض واستنشق ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه.
وروى أبو داود عن معاوية والمقداد بن معد يكرب في صفة وضوء رسول الله ﷺ مثله ففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن. وقد ذهب الحنفية إلى وجوب ربع الرأس وهو مقدار الناصية وذهب أصحابنا إلى أنه إنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح ولا يتقدر ذلك بحد بل لو مسح بعض شعرة من راسه أجزأه لحديث المغيرة بن شعبة قال : تخلف النبي فتخلفت معه فلما قضى حاجته قال : هل معك ماء؟ فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة فأخرج يديه من تحت الجبة وألقى الجبة على منكبيه فغسل ذراعيه ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه. وذكر باقي الحديث وهو في صحيح مسلم وغيره ثم اختلفوا في أنه هل يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثاً كما هو المشهور من مذهب الشافعي أو إنما يستحب مسحة واحدة كما هو مذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه لحديث حمران بن أبان قال : رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً فغسلهما ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا ثم غسل اليسرى مثل ذلك ثم مسح براسه ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثاً ثم اليسرى ثلاثاً مثل ذلك ثم قال : رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال :

صفحة رقم 620

« من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه » وفي سنن أبي داود عن عثمان في صفة الوضوء ومسح برأسه مرة واحدة واحتج من استحب تكرار مسح الرأس بعموم الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وقال أبو داود عن حمران قال : رأيت عثمان بن عفان توضأ فذكر نحوه ولم يذكر المضمضة والاستنشاق قال فيه : ثم مسح رأسه ثلاثاً ثم غسل رجليه ثلاثاً ثم قال رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا، وقال :« من توضأ هكذا كفاه » تفرد به أبو داود، ثم قال : وأحاديث عثمان في الصحاح تدل على أنه مسح الرأس مرة واحدة.
وقوله تعالى : وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين قرىء وَأَرْجُلَكُمْ بالنصب عطفاً على فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ رجعت إلى الغسل وهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل، كما قاله السلف. ومن هاهنا ذهب من ذهب إلى وجوب الترتيب في الوضوء كما هو مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة حيث لم يشترط الترتيب، بل لو غسل قدميه ثم مسح رأسه وغسل يديه ووجهه أجزأه ذلك؛ لأن الآية أمرت بغسل هذه الأعضاء، والواو لا تدل على الترتيب قال بعضهم : لما ذكر الله تعالى هذه الصفة في هذه الآية على هذا الترتيب، فقطع النظير عن النظير، وأدخل الممسوح بين المغسولين دل ذلك على إرادة الترتيب، وأما القراءة الأخرى، وهي قراءة من قرأ وأرجلِكم بالخفض، فقد احتج بها الشيعة في قولهم بوجوب مسح الرجلين لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس. وإنما جاءت هذه القراءة بالخفض إما على المجاورة وتناسب الكلام، كما في قول العرب : جحر ضب خرب، وكقوله تعالى : عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ [ الإنسان : ٢١ ] وهذا ذائع شائع في لغة العرب سائغ، ومنهم من قال : هي محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان، قال الشافعي رحمه الله، ومنهم من قال : هي دالة على مسح الرجلين. ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف كما وردت به السنّة. وعلى كل تقدير فالواجب غسل الرجلين فرضاً لا بد منه للآية والأحاديث التي سنوردها، ومن أحسن ما يستدل به على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف ما رواه الحافظ البيهقي عن علي ابن أبي طالب أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتى بكوز من ماء، فأخذ منه حفنة واحدة فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضلته وهو قائم، ثم قال : إن ناساً يكرهون الشرب قائماً وإن رسول الله ﷺ صنع كما صنعت، وقال :

صفحة رقم 621

« هذا وضوء من لم يحدث »، رواه البخاري في الصحيح ببعض معناه. ومن أوجب من الشيعة مسحهما كما يمسح الخف فقد ضل وأضل، وكذا من جوز مسحهما وجوز غسلهما فقد أخطأ أيضاً، ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير أنه أوجب غسلهما للأحاديث وأوجب مسحهما للآية فلم يحقق مذهبه في ذلك، فإن كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد أنه يجب دلك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء لأنهما يليان الأرض والطين وغير ذلك، فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من لم يتأمل كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما فحكاه من حكاه كذلك؛ ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء وهو معذور، فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندارجه فيه، وإنما أراد الرجل ما ذكرته والله أعلم، ثم تأملت كلامه أيضاً فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله : وأرجلكم خفضاً على المسح وهو الدلك، ونصباً على الغسل فأوجبهما أخذاً بالجمع بين هذه وهذه.
( ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بد منه )
قد تقدم في حديث أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه : أن رسول الله ﷺ غسل الرجلين في وضوئه إما مرة وإما مرتين أو ثلاثاً على اختلاف رواياتهم، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ توضأ فغسل قدميه ثم قال :« هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به » وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو قال :« تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها فأدركنا، وقد أرهقتنا الصلاة : صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته :» أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار «، وفي رواية :» ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار «، رواه البيهقي والحاكم. وقال الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال :» رأى النبي ﷺ في رِجل رجلٍ مثل الدرهم لم يغسله فقال :« ويل للأعقاب من النار » وقال ابن جرير عن أبي أمامة : أن رسول الله ﷺ أبصر قوماً يصلون وفي عقب أحدهم أو كعب أحدهم مثل موضع الدرهم أو موضع الظفر لم يمسه الماء فقال :

صفحة رقم 622

« ويل للأعقاب من النار »، قال : فجعل الرجل إذا رأى في عقبه شيئاً لم يصبه الماء أعاد وضوءه. ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهر، وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما أو أنه يجوز ذلك فيهما لما توعد على تركه، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف، وهكذا وجه هذه الدلالة على الشيعة الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى، وقد روى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب :« أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي ﷺ وقال :» ارجع فأحسن وضوءك « وقال الإمام أحمد عن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي ﷺ أنه رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء. ورواه أبو داود وزاد » والصلاة « وهذا إسناد جيد قوي صحيح، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد، قال أبو أمامة : حدثنا عمرو بن عبسة، قال، قلت : يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال :»
ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر، إلاّ خرت خطايه من فمه وخياشيمه مع الماء حين ينتثر، ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلاّ خرت خطايا يديه من أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه إلاّ خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلاّ خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين إلاّ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه « قال أبو أمامة : يا عمرو انظر ما تقول، سمعت هذا من رسول الله ﷺ، أيعطي هذا الرجل كله في مقامه؟ فقال عمرو بن عبسة : يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله وعلى رسول الله ﷺ، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلاّ مرة أو مرتين أو ثلاثاً لقد سمعته سبع مرات أو أكثر من ذلك، وهذا إسناد صحيح، وهو في صحيح مسلم من وجه آخر، وفيه : ثم يغسل قدميه كما أمره الله فدل على أن القرآن يأمر بالغسل، وهكذا روي عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه أنه قال : اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم، وقد روى أبو داود عن أوس بن ابي أوس، قال : رأيت رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه.

صفحة رقم 623

وقد رواه ابن جرير من طريق شعبة ثم قال : وهذا محمول على أنه توضأ كذلك وهو غير محدث، إذ كان غير جائز أن تكون فرائض الله وسنن رسوله متنافية متعارضة، وقد صح عنه ﷺ الأمر بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء بالنقل المستفيض القاطع عذر من انتهى إليه وبلغه، ولما كان القرآن آمراً بغسل الرجلين كما في قراءة النصب، وكما هو الواجب في حمل قراءة الخفض عليها توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن لم يصح إسناده، ثم الثابت عنه خلافه وليس كما زعموه، فإنه قد ثبت أن النبي ﷺ مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة. وقال الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي قال : أنا أسلمت بعد نزول المائدة، وأنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح بعدما أسلمت، وفي الصحيحين عن همام قال : بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل : تفعل هذا؟ فقال : نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه. قال الأعمش، قال إبراهيم : فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، لفظ مسلم. وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ مشروعية المسح على الخفين قولاً منه وفعلاً، وقد خالفت الروافض في ذلك بلا مستند بل بجهل وضلال، مع أنه ثابت في صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، كما ثبت في الصحيحين عنه عن النبي ﷺ النهي عن نكاح المتعة وهم يستبيحونها، وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله ﷺ على وفق ما دلت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كله وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر ولله الحمد، وهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في القدمين، فعندهم أنهما في ظهر القدم فعندهم في كل رجل كعب، وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. قال الربيع، قال الشافعي : لم أعلم مخالفاً في أن الكعبين اللذين ذكرهما الله في كتابه في الوضوء هما الناتئان وهما مجمع مفصل الساق والقدم هذا لفظه.
قوله تعالى : وَإِن كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الغائط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ كل ذلك قد تقدم الكلام عليه في تفسير آية النساء، فلا حاجة بنا إلى إعادته لئلا يطول الكلام، وقد ذكرنا سبب نزول آية التيمم هناك، ولكن البخاري روى هاهنا حديثاً خاصاً بهذه الآية الكريمة، فقال عن عائشة قالت : سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة فأناخ رسول الله ﷺ ونزل فثنى رأسه في حجري راقداً، فأقبل ابو بكر فلكزني لكزة شديدة، وقال : حبست الناس في قلادة فتمنيت الموت لمكان رسول الله مني؛ وقد أوجعني، ثم إن النبي استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت : يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ إلى آخر الآية، فقال أسيد بن الحضير : لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ما أنتم إلا بركة لهم.

صفحة رقم 624

وقوله تعالى : مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ أي فلهذا سهل عليكم ويسر ولم يعسر بل أباح التيمم عند المرض وعند فقد الماء توسعة عليكم ورحمة بكم، وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء إلاّ من بعض الوجوه كما تقدم بيانه.
وقوله تعالى : ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة، وقد وردت السنّة بالحث على الدعاء عقب الوضوء بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة، كما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن عقبة بن عامر قال :« كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائماً يحدث الناس، فأدركت من قوله :» ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه إلاّ وجبت له الجنة « قال، قلت : ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول : التي قبلها أجود منها، فنظرت فإذا عمر رضي الله عنه فقال : إني قد رأيتك جئت آنفاً، قال :» ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء يقول أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء « لفظ مسلم. وروي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال :» إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب «

صفحة رقم 625

رواه مسلم. وروى ابن جرير عن أبي أمامة قال، قال رسول الله ﷺ :« من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه » وروى مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال :« الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض، والصوم جنة، والصبر ضياء، والصدقة برهان، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدوا فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها » وفي صحيح مسلم عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ :« لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور ».

صفحة رقم 626

تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية