قوله تعالى : يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون .
يأمر الله عباده المؤمنين إذا قاموا إلى الصلاة أن يتوضأوا. وذلك في قوله : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم... أي إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون فعليكم أن تتوضأوا لاستباحة الصلاة. ويستدل من الآية على أن الوضوء شرط لصحة الصلاة.
وقوله : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين يتضمن أربعة أركان للوضوء فلا تصح الصلاة إلا بأدائها على التمام، وأيما انخرام في واحد من هذه الأركان، لا تصح معه الصلاة. وتفصيل ذلك في البيان الآتي :
الركن الأول : غسل الوجه. والوجه في اللغة من المواجهة. فحده من حيث الطول من أول الجبهة عند منابت الشعر إلى منتهى اللحيين. وحده من حيث العرض، من الأذن إلى الأذن. ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه وهو يعني الإسالة وإمرار اليد عليه بمعنى الدلك وهو قول مالك. وقيل : إنما يجب إمرار الماء على الوجه ولا يجب دلكه باليد.
أما شعر اللحية فإن كان خفيفا بحيث تظهر منه البشرة فلا بد من إيصال الماء إليه، وإن كان كثيفا فقد انتقل الفرض إليه. أي يجب إيصال الماء إلى ظاهر اللحية كشعر الرأس، لأن ظاهر اللحية يقوم مقام جلدة الوجه. وعلى هذا لا يجب إيصال الماء إلى منابت الشعر وهي الجلد وذلك عندما تكون اللحية خفيفة. وقيل : يجب تخليلها كتخليل أصابع اليد.
الركن الثاني : غسل اليدين إلى المرفقين. والمفرد بكسر الميم. والمرفق هو موصل الذراع بالعضد(١)، وهو المكان الذي يرتفق به أي يتكأ عليه من اليد. وهو داخل في وجوب الغسل مع اليد. وقالوا إلى بمعنى مع. أي اغسلوا أيديكم مع المرافق. وقيل : المرفق جزء من اليد، لأن ما بعد إلى من نوع ما قبلها فدخل المرفق في اليد.
الركن الثالث : مسح الرأس. وذلك من قوله تعالى : وامسحوا برءوسكم وثمة تفصيل في القدر المجزئ من مسح الرأس. فيجب مسح الرأس كله عند الإمام مالك وكذلك أحمد في أظهر الروايات عنه. ويحتج لذلك بأن الباء في قوله : برءوسكم مؤكدة زائدة وهي ليست للإلصاق. فوجب بذلك استيعاب الرأس كله في المسح.
وذهب الإمام أبو حنيفة وكذا الشافعية إلى أن مسح بعض الرأس مجزئ وهو الفرض دون غيره. أما المجزئ من بعض الرأس عند أبي حنيفة وأصحابه فهو الربع وحجتهم في ذلك ما رواه مسلم عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم " توضأ فمسح بناصيته " وقدروا الناصية بربع الرأس.
وعند الشافعية، يسقط الفرض بأدنى ما يطلق عليه اسم المسح، لأن النص هنا مطلق فيجب فيه أقل ما يقع عليه اسم المسح. وقالوا أيضا : إن الباء في الآية للتبعيض فيجزئ من المسح ما كان في قدر بعض الرأس قل الممسوح أو أكثر. أو أنها تفيد الإلصاق. فالمراد إلصاق اليد بالرأس من أجل المسح. فيتحقق الواجب بكل ما يكون مسحا.
الركن الرابع : غسل الرجلين إلى الكعبين. وهو مقتضى قوله تعالى : وأرجلكم إلى الكعبين أرجلكم منصوب لفعل تقديره، اغسلوا. والكعبان هما العظمان الناتئتان من الجانبين عند مفصل الساق والقدم. ومنه الكاعب، وهي الجارية إذا بدا ثديها للنهود.
على أن الفرض في الرجلين الغسل وليس المسح، وهو قول عامة العلماء واحتجوا بما ثبت في الصحيحين عند عبد الله بن عمرو قال : تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته : " أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار ".
وقيل : الواجب في الرجلين المسح وليس الغسل وهو مذهب الشيعة الإمامية وغيرهم. وحجتهم في ذلك القراءة بالجر. وهي تقتضي كون الرجلين معطوفتين على الرؤوس. وهو ضعيف. وقال داود الظاهري : يجب الجمع بينهما.
ويدخل الكعبان في الغسل، لأن ما بعد إلى من نوع ما قبلها فدخل فيه، أي أن الكعبين جزءان من القدمين فوجب غسلهما. وهو قول أكثر العلماء(٢).
أما جملة الوضوء على وجه العموم فيمكن إيجازها فيما رواه البخاري عن عبد الله بن زيد أنه سئل عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بتور(٣) من ماء فتوضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم " فأكفأ على يده من التور فغسل يديه ثلاثا ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات. ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يديه فغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين "
هذه هي فروض الوضوء، وهي أركانه الأربعة، وهي غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين، مرة واحدة لكل عضو. ذلك أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ الماء. وأن الاثنين أو الثلاث مندوب إليها، لما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وتوضأ مرتين مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا، ولأن الأمر بالوضوء لا يقتضي إلا الفعل مرة مرة. يضاف إلى ذلك من السنن غسل الكفين والمضمضة والاستنثار ثلاثا لكل عضو. ثم مسح الأذنين مرة، وذلك من السنة وهو قول الشافعية وبعض المالكية، خلافا للحنفية، إذ قالوا مسح الأذنين فرض إلا أنهما يمسحان مع الرأس بماء واحد. وقيل : يجدد لهما الماء.
أما النية فهي شرط من شروط الوضوء. وهو قول الشافعية والمالكية والحنابلة وأهل الظاهر. وحجتهم أن الوضوء عبادة محضة وهي غير معقولة المعنى فلا تصح إلا بالنية لقوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ولقوله صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات ".
وذهبت الحنفية إلى أن النية ليست شرطا لصحة الوضوء. ووجه ذلك أن الوضوء عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسة فهو بذلك عبادة ونظافة فلا يفتقر إلى النية.
أما ترتيب أفعال الوضوء فقد قيل : إنه سنة. وهو قول الحنفية والمالكية وأهل الظاهر. وقال آخرون إنه فرض، وهو قول الشافعية والحنابلة. ومثار الخلاف هو وضع الواو العاطفة في الآية. فمن قال : إن واو العطف في الآية تقتضي الترتيب قال بإيجاب الترتيب. ومن رأى أنها لا تقتضي الترتيب لم يقل بإيجابه وثمة سبب آخر في اختلافهم وهو اختلاف في أفعاله صلى الله عليه وسلم، هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب ؟ فمن حملها على الوجوب قال : بوجوب الترتيب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرو عنه أنه توضأ قط إلا مرتبا. وحملها على الندب قال : إن الترتيب سنة وليس فرضا.
أما الموالاة في أفعال الوضوء فهي عند الإمام مالك ما لم يكن ناسيا أو غير قادر. بخلاف الحنفية والشافعية قالوا : الموالاة ليست فرضا. وسبب الخلاف فهمهم لواو العطف في آية الوضوء. فمن قال : إنها يعطف بها الأشياء المتتابعة المتلاحقة المتراخية بعضها عن بعض قال : بعدم وجوب الموالاة.
أما التسمية في الوضوء فهي سنة وهو قول أكثر العلماء. وقال أحمد وإسحاق : التسمية فرض حتى لو تركها متعمدا بطلت الطهارة. والصحيح كونها سنة، لأن التسمية غير مذكورة في الآية وقد حكم بحصول الطهارة من دونها.
أما الاستنجاء فليس واجبا عند الحنفية استنادا إلى هذه الآية، لأنه ذكر الوضوء في الآية ولم يذكر الاستنجاء. ولو كان واجبا لكان أول ما بدأ به في الآية، وقالوا إنما تجب إزالة النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البغلي وهو الذي على هيأة المثقال قياسا على فم المخرج.
وقالت الشافعية وآخرون من أهل العلم : بوجوب الاستنجاء، استنادا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في صاحبي القبرين : " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله " ولا يعذب إلا على ترك الواجب(٤).
وثمة مسألة وهي المسح على الخفين. وهو جائز عند جمهور الفقهاء ولم ينكره غير الشيعة والخوارج، ورواية عن مالك في إنكاره مطلقا. والصحيح جواز المسح على الخفين لمن لبسهما ورجلاه طاهرتان بطهارة الوضوء. وحجتهم في الجواز ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم " مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية ".
وأخرج الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي قال : أنا أسلمت بعد نزول المائدة وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بعد ما أسلمت.
وفي الصحيحين عن همام قال : بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل : تفعل هذا ؟ فقال : " نعم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه ".
أما شرط المسح على الخفين فهو أن تكون الرجلان طاهرتين بطهر الوضوء، وذلك لما ثبت في حديث المغيرة، إذ أراد أن ينزع الخف عنه فقال عليه الصلاة والسلام : " دعهما فإني أدخلتهما وهما طاهرتان ".
أما صفة الخف، فهو أن يكون صحيحا غير مخرق تخريقا فاحشا. فإن كان الخرق يسيرا فلا بأس في المسح عليه. وهو قول مالك وأصحابه.
أما الحنفية فقد حددوا اليسير والفاحش في الخرق بما كان الظاهر منه أقل من ثلاثة أصابع. فإن كان دون ثلاثة أصابع فهو يسير. وما زاد فهو فاحش لا يجوز المسح عليه. وكذا لو كان بمقدار ثلاثة أصابع.
وقال آخرون : يجوز المسح على الخف المنخرق ما دام يسمى خفا وإن تفاحش خرقه. وهو قول الثوري.
أما توقيت المسح، ففيه خلاف بين أهل العلم. فقد ذهبت الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن المقيم يمسح يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن. واستدلوا بحديث مسلم عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم ".
وذهب الإمام إلى أن المسح غير مؤقت، وعلى هذا فإن لابس الخفين يمسح عليهما دائما ما لم ينزعهما أو تصبه جنابة. وهو قول الليث ابن سعد(٥).
قوله : وإن كنتم جنبا فاطهروا أي فتطهروا، أدغمت التاء في الطاء لأنهما من مكان واحد. وهذه هي الطهارة الكبرى بعد أن بين الطهارة الصغرى. والكبرى هنا الغسل من الجنابة.
وتحصل الجنابة لسببين. أولهما : نزول المني، لقوله عليه الصلاة والسلام : " إنما الماء من الماء " وبذلك فإن مجرد نزول المني يوجب الغسل من أجل الجنابة.
وثانيهما : التقاء الختانين، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا التقى الختانان وجب الغسل " والغسل معناه إسباغ الماء على أعضاء البدن كله. أما المضمضة والاستنشاق فهما غير واجبين في الغسل وهو قول الشافعية، خلافا للحنفية إذ قالوا بوجوبهما، لأنهما من البدن وهما مما يمكن إيصال الماء إليهما من غير حرج. واحتج الشافعية بالخبر " أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت ".
ويحرم على الجنب جملة أمور منها مس المصحف وقراءة القرآن ودخول المسجد. وتفصيل ذلك في مظانه من كتب الفقه.
قوله : وإن منتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا أبيح للمسلم
٢ - تفسير القرطبي ج ٦ ص ٩٠-٩٧ وبداية المجتهد ج ١ ص ١٥ والكشاف ج ١ ص ٥٩٧-٥٩٩..
٣ - التور: إناء يشرب فيه. انظر القاموس المحيط ص ٤٥٦..
٤ - تفسير القرطبي ج ٦ ص ٩٦-١٠٠ ورح المعاني ج ٦ ٧٥-٨٠ وتفسير الرازي ج ١١ ص ١٥٦-١٦٣ وبداية المجتهد ج ١ ص٨-١٨..
٥ - تفسير القرطبي ج ٦ ص ١٠٠، ١٠١ وبداية المجتهد ج ١ ص١٩-٢١ وتفسير الرازي ج ١١ ص ١٦٦-١٦٧..
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز