ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

وقوله تعالى: وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة: ٥].
قال ابن عباس: يريد الثواب (١).
٦ - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ.
قال الزجاج: المعنى: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وإنما جاز ذلك لأن (في (٢)) الكلام والاستعمال دليلًا على معنى الإرادة، ومثل ذلك قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨]، المعنى: إذا أردت أن تقرأ (٣).
قال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: إذا اتجرت فاتجر في البزّ، وإذا آخيت فآخ أهل الحسب. تريد إذا أردت التجارة، وإذا أردت مؤاخاة الناس.
قال: ويجوز أن يكون المعنى: إذا قمتم إلى الطهور، فذكر الصلاة وهو يريد الطهور؛ لأن الصلاة لا تكون إلا بطهور وهو مقدمتها التي لا تكون صلاة مُجازَةً إلا بها. قال: والأول هو المختار (٤).
وقال أبو الفتح الموصلي (٥): معنى قوله: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ: إذا عزمتم الصلاة (٦) وأردتموها، وليس الغرض والله أعلم في (قمتم) النهوض والانتصاب؛ لأنهم قد أجمعوا على أنه لو غسل أعضاءه قبل

(١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ١٠٨.
(٢) ليست في (ج).
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٥٢، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ٢٦٨، و"بحر العلوم" ١/ ٤١٨، و"رصف المباني" ص ٤٤١.
(٤) انظر: "زاد المسير" ٢/ ٢٩٨.
(٥) هو ابن جني كما في "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٦٣٣.
(٦) في "سر صناعة الإعراب": (عزمتم على الصلاة).

صفحة رقم 276

الصلاة قاعدًا أو نائمًا (١) لكان قد أدى فرض هذه الآية (٢).
ونظير قمتم في هذا الموضع قوله سبحانه: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء: ٣٤] وليس يراد هنا -والله أعلم- القيام الذي هو المثول، وإنما هو من: قمت (بأمرك (٣))، وعليّ القيام بهذا الأمر، فكأنه (٤) قال: الرجال متكلِّفون لأمر النساء ومعنيون بشؤونهن، فكذلك قوله: إِذَا قُمْتُم (أي (٥)) إذا هممتم بأمر الصلاة، وتوجهتم إليها بالعناية، وكنتم غير متطهرين فافعلوا كذا، فقوله: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا يريد: إذا قمتم إلى الصلاة ولستم على طهارة، فحذفُ ذلك للدلالة عليه، وهذا أحد الاختصارات التي في القرآن، وهو كثير جدًّا.
ومثل ذلك قول طَرَفَة:

فإن مُتُّ فانعِيني بما أنا أهلُه وشُقِّي عليَّ الجَيبَ يابنة مَعْبَدِ (٦)
تأويله: فإن مُتُّ قبلك. لابد من أن يكون الكلام معقودًا على هذا؛ لأنه معلوم أنه لا يكلفها نعيه والبكاء عليه بعد موتها (٧).
(١) في "سر صناعة الإعراب": (قائمًا أو قاعدًا)، وهو أولى.
(٢) "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٦٣٣.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ش).
(٤) في (ج): (وكأنه).
(٥) ساقط من (ج).
(٦) "ديوانه" ص ٢٩، والبيت من معلقته كما في "شرح القصائد المشهورات" ص ٩٢ و"شرح المعلقات السبع" ص ٦٨، ومعنى انعيني: أشيعي خبر موتي، ويقصد بابنة معبد ابنة أخيه معبد بن العبد.
(٧) "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٦٣٤، ٦٣٥.

صفحة رقم 277

وقوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ.
قال أبو الفتح: كان أبو سهل بن زياد القطان (١) يحتج بهذه الآية على وجوب الترتيب في الطهارة. قال: لأن الفاء للترتيب، وقد قال: فَاغْسِلُوا فوجب أن يُرتب الغَسل على القيام، يبدأ به دون غيره.
فقال أبو الفتح: قد بينا أن المراد بالقيام ههنا: العزم والإرادة، فالفاء إذًا إنما (رتب (٢)) الغسل والمسح عَقِيب الإرادة والعزم، ولم يجعل للغسل مزية في المتقدم على المسح؛ لأن المسح معطوف على الغسل بالواو (٣).
والواو لا توجب الترتيب، وليس فيها دليل على (المبدوء به (٤)) في المعنى؛ لأنها ليست مرتبة، ألا ترى إلى قول لبيد:

أُغْلي السِّباءَ بكُلِّ أدكنَ عاتقٍ أو جَونةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها (٥)
قوله قدحت (أي غُرِفَت (٦))، وإنما يُفَضّ الخَتم قبل الغرف، فقد
(١) هو أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان البغدادي، الإِمام المحدث الثقة مسند العراق، وكان كثير التلاوة حسن الانتزاع لمعانيه، توفي رحمه الله سنة ٣٥٠ هـ. انظر: "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٥٢١، و"البداية والنهاية" ١١/ ٢٣٨، و"شذرات الذهب" ٣/ ٢.
(٢) في "سر صناعة الإعراب": (رتبت)، وهو أصوب.
(٣) "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٦٣٣ بتصرف.
(٤) في (ش): (البدء به)، وما أثبته هو الموافق لـ"سر صناعة الإعراب".
(٥) "ديوانه" ص ٣١٤، والبيت من معلقته كما في "شرح القصائد المشهورات" ١/ ١٦٢، و"شرح المعلقات السبع" ص ٩٤.
ومعنى: أغلي: أشتري غاليًا، والسباء: اشتراء الخمر، والأدكن: الذي فيه دكنة كالخز الأدكن، والعاتق: الخالصة، والجونة: الخابية السوداء، وقدحت. غرفت، والفض: الكسر.
(٦) بياض في (ش).

صفحة رقم 278

علمت أن قُدِحَت مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، وعلى هذا يتوجه قوله تعالى: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ الآية [آل عمران: ٤٣] فبدأ بالسجود قبل الركع لفظًا وهو مؤخر عني (١).
وإذا كان كذلك جرى قوله: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وَامْسَحُوا مجرى قولك: فاضرب زيدًا واشتم جعفرًا، فلو بدأ بالشتم قبل الضرب كان جائزًا، فالفاء لم ترتب الغَسل قبل المَسح، ولا الضرب قبل الشتم، ولم ترتب أيضًا نفس المغسول؛ لأن المغسول معطوف بعضه على بعض بحرفٍ لا يوجب الترتيب وهو الواو.
وقوله تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ.
المِرفق مكسور من اليد والمتكأ، ومن الأمر كقوله تعالى: وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا [الكهف: ١٦]، والارتقاء التوكؤ بمِرفقك على مَرفَق (٢).
(فأما قوله: إِلَى فإن أبا العباس (٣)) (٤) وجماعة من النحويين جعلوا (إلى) ههنا بمعنى: مع، وأوجبوا غسل المرافق (٥)، وهو مذهب الشافعي وأكثر العلماء (٦).

(١) "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٦٣٢، ٦٣٣ بتصرف.
(٢) "العين" ٥/ ١٤٩، و"تهذيب اللغة" ٢/ ١٤٤٤ (رفق).
(٣) لعله المبرد.
(٤) في (ج): (فأما قوله فإن العباس).
(٥) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ١٥٣، و"بحر العلوم" ١/ ٤١٨، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ٢١، وابن كثير في "تفسيره" ٢/ ٢٧، و"الدر المصون" ٤/ ٢٠٨.
(٦) انظر: "الأم" ١/ ٢٥، والطبري ٦/ ١٢٣، و"معاني الزجاج" ٢/ ١٥٣، و"بحر العلوم" ١/ ٤١٨، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ٢١، و"زاد المسير" ٢/ ٣٠٠، =

صفحة رقم 279

وقال المبرد: وهو قول الزجاج: اليد من أطراف الأصابع إلى الكتف، والرجل من الأصابع إلى أصل الفخذين، فلما كانت المرافق والكعبان داخلة في تحديد اليد والرجل كانت داخلة فيما يغسل وخارجة مما لا يغسل، ولو كان: مع المرافق، لم يكن في ذكر المرافق فائدة، وكانت اليد كلها يجب أن تغسل، ولكن لما قيل: إِلَى الْمَرَافِقِ اقتطعت في الغسل من حد المرفق (١).
قال الزجاج: والمرفق في الحقيقة في اللغة ما جاوز الإبرة (٢). وهو المكان الذي يرتفق به، أي يتكَّأ عليه، فالمرافق هي في الحقيقة حد ما ينتهي إليه في الغسل، وليس يحتاج إلى تأويل (مع). انتهى كلامه (٣).
وقد حصل من قوليهما أن الحد إذا كان من جنس المحدود كان داخلًا في جملة المحدود، وهو قولهما: لما كانت المرافق والكعبان داخلة في تحديد اليد والرجل كانت داخلة فيما يغسل، ومثل هذا قولك: بعتك الثوب من هذا الطرف إلى ذاك الطرف، دخل الطرفان في البيع إذا كان من جنس المبيع.
وحصل من قول الزجاج: أن المِرفق ما جاوز الإبرة، وأنه حد ما ينتهي إليه الغسل. وما جاوز الإبرة لا يجب غسله بالإجماع.

= و"المغني" لابن قدامة ١/ ١٧٢، والقرطبي في "تفسيره" ٦/ ٨٦، وابن كثير في "تفسيره" ٢/ ٢٧.
(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٥٣.
(٢) الإبرة بالكسر: عظم وترة العرقب، وطرف الذراع من اليد، وما انحدّ من عرقوب الفرس. "مختار القاموس" ص ١١.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٥٣.

صفحة رقم 280

وقوله تعالي: وَامْسَحُوا (١) بِرُءُوسِكُمْ.
المسح مسحك شيئًا بيدك كمسحك الرشح عن جبينك، وكمسحك رأسك في وضوئك. قاله الليث (٢).
والظاهر (٣) من مقتضى الآية أن التعميم لا يجب في مسح الرأس، وأنه غير محدود أيضًا، وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه؛ لأنه إذا مسح البعض وإن قل، فقد حصل من طريق اللسان ماسحًا (٤)، ولا يلتفت إلى قول من قال: إن الباء توجب التعميم؛ لأن ذلك لا يعرفه أهل النحو، بل الباء للإلصاق، كما بينا في أول الكتاب عند قوله: بِسْمِ اللهِ.
وقوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.
في الأرجل قراءتان: النصب والخفض (٥).
أما النصب فهو ظاهر؛ لأنه عطف على المغسول، لوجوب غسل الرجلين بإجماع، لا يقدح فيه قول من خالف.
وأما الكسر فقد اختلفوا في وجهه: فقال أبو حاتم وابن الأنباري

(١) في (ش): (فامسحوا).
(٢) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٨٨، وانظر: "اللسان" ٧/ ٤١٩٦ (مسح).
(٣) في (ش): (فالظاهر).
(٤) انظر: "الأم" ١/ ٢٥، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ٢٢، وقد قال بقول الشافعي الحسن والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وهو رواية عن الإمام أحمد، والرواية الأخرى عن أحمد أنه يجب مسح جميعه، وهو مذهب مالك.
انظر: الطبري في "تفسيره" ٦/ ١٢٤ - ١٢٥، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ٢٢، و"المغني" ١/ ١٧٥.
(٥) قراءة النصب لنافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص، وقرأ الباقون بالخفض، انظر: "الحجة" ٣/ ٢١٤، و"النشر" ٢/ ٢٥٤.

صفحة رقم 281

وأبو علي: الكسر بالعطف على الممسوح، غير أن المراد بالمسح في الأرجل الغسل (١). روي ذلك عن أبي زيد أنه قال: المسح خفيف الغسل. قالوا: تمسّحت للصلاة، وهات ما أتمسّح به للصلاة في معنى: أتوضأ (٢).
قال أبو حاتم: وذلك أن المتوضئ لا يرضى بصبّ الماء على أعضائه حتى يمسحها مع الغسل، فسمي الغسل مسحًا (٣).
فعلى هذا الرأس والرجل ممسوحان؛ لأن المسح في أحدهما وهو الرأس، دون المسح في الرجل.
والذي يدل على أن المراد بالمسح في الرجل الغسل: ذكر التحديد وهو قوله تعالى: إِلَى الْكَعْبَيْنِ والتحديد إنما جاء في المغسول، ولم يجيء في الممسوح، فلما وقع التحديد مع المسح علم أنه في حكم الغسل لموافقته الغسل في التحديد. ذكره الزجاج (٤) وابن الأنباري (٥) (وأبو (٦) علي) (٧).
فإن قيل: إن كان المراد بالمسح الغَسل فهلا عطفت على المغسول فيكون أظهر في إيجاب الغسل؟

(١) انظر: "الحجة" ٣/ ٢١٥، و"معانى القراءات" ١/ ٣٢٧.
(٢) من "الحجة" ٣/ ٢١٥ بتصرف، وانظر: "معاني القراءات" ١/ ٣٢٧، و"زاد المسير" ٢/ ٣٠١.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) في "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٥٤ بنحوه.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) ما بين القوسين ساقط من (ج).
(٧) "الحجة" ٣/ ٢١٥.

صفحة رقم 282

قيل: إن من قرأ بالكسر وجد في الكلام عاملين، أحدهما: الغسل والآخر الباء الجارة، ووجد العاملين إذا اجتمعا في التنزيل أن يحمل على الأقرب منهما دون الأبعد، وذلك نحو قوله تعالى: وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا [الجن: ٧]، ونحو قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ [النساء: ١٧٦]، (١)، ونحو قوله تعالى: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [الحاقة: ١٩]، وقوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا [الكهف: ٩٦]، فلما رأى العاملين إذا اجتمعا حُمِل الكلام على أقربهما إلى المعمول حمل في هذه الآية أيضاً على أقربهما وهو الباء، ولم يُخَف الالتباس لشيوع الغسل في الآثار، وقيام الدلالة على أن المراد بالمسح في الرجل الغسل (٢). وهو ما قدمنا ذكره.
وقال الجماعة من أهل المعاني: إن الأرجل معطوفة على الرؤوس في الظاهر، والمراد فيها الغسل، وقد ينسق بالشيء على غيره والحكم فيهما مختلف، كما قال الشاعر:

يا ليتَ بَعلَك قد غَدا مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمحًا (٣)
المعنى: وحاملًا رمحًا، وكذلك قول الآخر:
(١) لعل الشاهد في الآية الأولى أن يكون التقدير: وأنهم ظنوا أن لن يبعث الله أحدًا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدًا وفي الآية الثانية: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ، وهكذا في بقية الآيات.
(٢) "الحجة" ٣/ ٢١٤، ٢١٥.
(٣) البيت لعبد الله بن الزبعري كما في "الكامل" ١/ ٣٣٤، وبلا نسبة في "معاني الفراء" ١/ ١٢١، و"معاني الأخفش" ٢/ ٤٦٦، و"معاني الزجاج" ٢/ ١٥٤.

صفحة رقم 283

علّفتُها تِبنًا وماءً باردًا (١)
المعنى: وسقيتُها ماءً باردًا. ذكره الزجاج (٢).
قال أبو بكر: وكما قالوا: أكلت خبزًا وماء، وهم يريدون: وشربت ماء، فحذفوا شربت، كذلك المعنى في الآية: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ واغسلوا أَرْجُلَكُمْ، فلما لم يذكر الغسل عطفت الأرجل على الرؤوس في الظاهر، واكتفى بقيام الدليل أن الأرجل تغسل من الآية والخبر (٣).
وهذا الذي ذكرنا مذهب أبي عبيدة (٤) والأخفش (٥) في هذه الآية.
وقوله تعالى: إِلَى الْكَعْبَيْنِ قد مضى الكلام في كيفية التحديد.
وأما تفسير الكعبين فقال الليث: كعب الإنسان ما أشرف فوق رُسْغِه عند قدمه (٦).
وقال أبو عبيد عن الأصمعي: الكعبان الناشزان من جانبي القدم. وأنكر قول الناس أنه في ظهر القدم (٧).

(١) عجز هذا البيت:
حتى شتت همالة عيناها
وفي رواية: غدت همالة، ومعنى شتت: أي أقامت في الشتاء والمراد: صارت. والبيت من شواهد "تأويل مشكل القرآن" ص ٢١٣، و"الخصائص" ٢/ ٤٣١، و"الإنصاف" ص ٤٨٨، و"شذور الذهب" ص ٢٤٠.
(٢) في "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٥٤، وانظر: "معاني الأخفش" ٢/ ٤٦٦، و"تأويل مشكل القرآن" ص ٢١٣، و"زاد المسير" ٢/ ٣٠١.
(٣) لم أقف على قول ابن الأنباري.
(٤) انظر: "مجاز القرآن" ١/ ١٥٥.
(٥) انظر: "معاني القرآن" ٢/ ٤٦٥، ٤٦٦.
(٦) "العين" ١/ ٢٠٧، و"تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٥٢ (كعب)
(٧) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٥٢ (كعب).

صفحة رقم 284

وروى الأزهري أن واحداً (١) سأل أحمد بن يحيى عن الكتب، فأومأ إلى المَنْجَمَين (٢). وقال: هذا قول أبي عمرو بن العلاء والأصمعي (٣).
ولا يعرج على قول من يقول: إن الكتب في ظهر القدم، فإنه خارج من اللغة والأخبار وإجماع الناس (٤).
وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا.
قال الزجاج: معناه فتطهروا، إلا أن التاء تدغم في الطاء؛ لأنهما من مكان واحد، فإذا أدغمت التاء في الطاء (سكن (٥)) أول الكلمة، فتزيد فيها ألف الوصل فابتدأت فقلت: اطهروا (٦).
قال مقاتل: يقول: فاغتسلوا (٧).
ومضى الكلام في هذا الحرف عند قوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة: ٢٢٢] في الآية مشروح في سورة النساء إلى قوله تعالى:

(١) في "تهذيب اللغة" أنه: ابن جابر.
(٢) في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٥٢ (كعب): فأومأ ثعلب إلى رجله إلى المفصل منها بسبابته فوضع السبابة عليه... قال: ثم أومأ إلى المنجمين.
قال ابن منظور: والمَنْجِمَان والمِنْجَمَان: عظمان شاخصان في بواطن الكعبين يقبل أحدهما على الآخر إذا صفت القدمان. ومنجما الرجَّل: كعباها. "اللسان" ٧/ ٤٣٥٨ (نجم)، وانظر: الطبري في "تفسيره" ٦/ ١٣٦.
(٣) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٥٢٥ (نجم).
(٤) أخرج الطبري في "تفسيره" عن الإِمام مالك -رحمه الله- أنه قال: (الكعب) الذي يجب الوضوء إليه هو الكعب الملتصق بالساق المحاذي العقب، وليس بالظاهر في ظهر القدم. "جامع البيان" ٦/ ١٣٦.
(٥) في "معاني الزجاج" ٢/ ١٥٥: سقط.
(٦) انتهى من "معاني الزجاج" ٢/ ١٥٥، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٣٠٤.
(٧) "تفسيره" ١/ ٤٥٥.

صفحة رقم 285

فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (١).
ومعنى (منه) ههنا استعمال بعض تراب الصعيد في التيمم، خلافًا لمن جوز في التيمم ضرب اليد على موضع لا يعلق بيده منه غبار؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يمسح بوجهه من الصعيد، وإنما مسح بوجهه كفًّا فارغة من الصعيد وترابه، وذلك عبث (٢).
وقوله تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ.
يعني: من ضيق في الدين (٣)، ولكن جعله واسعًا حين رخص في التيمم.
وقوله تعالى: وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ.
قال الزجاج: دخلت اللام لتبيين الإرادة، المعنى: إرادته (لتطهيركم (٤)) (٥).
قال المفسرون: يريد ليطهركم من الأحداث والجنابات والذنوب والخطيئات؛ لأن الوضوء يكفر الذنوب (٦).

(١) الظاهر أنه عند تفسير الآية (٤٣) من سورة النساء، وهو ضمن القسم المفقود.
(٢) هذا على القول بأن الصعيد لا يقع إلا على التراب ذي غبار، وهو قول الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة ومالك يجوز بكل ما كان من جنس الأرض.
انظر: "الأم" ١/ ٥٠، والطبري في "تفسيره" ٥/ ١٠٨ - ١٠٩، و"المغني" ١/ ٣٢٤، والقرطبي في "تفسيره" ٥/ ٢٣٦، و"زاد المسير" ٢/ ٩٤.
(٣) انظر: "تفسير مجاهد" ١/ ١٨٧، و"معاني النحاس" ٢/ ٢٧٦، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ٢٥.
(٤) في "معاني الزجاج": ليطهركم.
(٥) "معاني الزجاج" ٢/ ١٥٥، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٣٠٤.
(٦) انظر البغوي في "تفسيره" ٣/ ٢٥، و"زاد المسير" ٢/ ٣٠٤

صفحة رقم 286

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية