ومن يكفر بالإيمان وفروعه وأصوله، وأحكامه وقوانينه، فقد حبط عمله وبطل أجره وهو في الآخرة من الخاسرين.
وعلى العموم: للصيد والذبائح باب واسع في كتب الفقه والحديث يحسن الرجوع إليه لمن أراد المزيد.
الوضوء والغسل والتيمم [سورة المائدة (٥) : الآيات ٦ الى ٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)
المفردات:
وُجُوهَكُمْ: جمع وجه، وهو ما تقع به المواجهة، وحدّه طولا ما بين منبت
شعر الرأس إلى منتهى اللحيين، وعرضا ما بين الأذنين. الْمَرافِقِ: جمع مرفق، وهو أعلى الذراع وأسفل العضد. الْكَعْبَيْنِ: العظمين الناتئين عند اتصال الساق بالقدم من الجانبيين. جُنُباً أى: أصابتكم جنابة بمجامعة النساء، أو إنزال المنى.
بِذاتِ الصُّدُورِ: بصاحبة الصدور، والمراد بها: السر الذي لم يبارح الصدور.
المناسبة:
بعد أن بين الله- سبحانه وتعالى- عهوده الخاصة بالحلال والحرام في الطعام والنكاح، أخذ يبين ما يقتضيه هذا من الشكر لله والصلاة، ومفتاحها الوضوء والغسل والتيمم، وختم الآية ببيان الحكمة في الطهارة وتذكيرنا بالعهود والمواثيق التي التزمناها،
روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور».
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون وهذا التقيد بالحدث أتى من السنة الشريفة، فعليكم بالوضوء، فالوضوء واجب عند كل صلاة على المحدث حدثنا أصغر، وإنما يستحب على غير المحدث عند كل صلاة.
فقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»
وروى البخاري عن عمر ابن عامر الأنصارى: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف تصنعون؟ قال: كنا نصلى الصلوات بوضوء واحد ولم نحدث».
فرائض الوضوء:
إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم، واغسلوا أيديكم إلى المرافق، فالمرافق تغسل من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وامسحوا برءوسكم، امسحوا ولو شعرة واحدة عند الشافعى- رضى الله عنه- وربع الرأس عند الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان، وعلى كل الرأس عند مالك للاحتياط وقد فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم
هذا كله، والآية تحتمل كل هذا. إذ الباء في قوله تعالى: بِرُؤُسِكُمْ هل هي للإلصاق أو للتبعيض أو زائدة صلة؟؟ ولا تنس أن خلافهم رحمة، ومن هنا كانت دراسة الأزهر للغة دراسة حرفية أمرا واجبا حتى يتسنى استخلاص الأحكام أو فهمها فهما صحيحا! وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ أى: واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، وهما داخلان كالمرفقين. ومن فرائض الوضوء النية عند الشافعى، واستدل بقوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ
وبحديث «إنما الأعمال بالنيات»
والترتيب كذلك
لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أبدأ بما بدأ الله به»
وتوسط مسح الرأس بين غسل اليدين والرجلين يدل على الترتيب، وعلى ذلك فتكون فروض الوضوء: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين، والترتيب، وله سنن كثيرة مذكورة في كتب الفقه.
روى الترمذي وغيره عن بعض الصحابة قال: رأيت عليا توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وذراعه ثلاثا، ومسح رأسه مرة ثم غسل قدميه إلى الكعبين ثم قال: «أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» أى: وضوءه.
وفي هذا الحديث فروض الوضوء وبعض السنن، وصح أن النبي صلّى الله عليه وسلّم توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وأما التثليث فهو السنة التي جرى عليها العمل في الكثير.
نواقض الوضوء:
ما خرج من السبيلين، النوم على غير هيئة المتمكن، وتلاقى بشرتي ذكر وأنثى، وعند الأحناف: اللمس لا ينقض مطلقا، وقيل: بالشهوة ينقض فقط، وعند الإمام مالك: اللمس ينقض إذا كان بشهوة مقصودة أو وجدها بدون قصد، فإن لم يقصد اللذة ولم يجدها، فلا ينتقض وضوؤه، ومس فرج الآدمي بباطن الكف، وخالف بعضهم في هذا، وليست نواقض الوضوء في الآية ولكن تعميما للفائدة ذكرت، وعلى العموم فللوضوء أحكام كثيرة في كتب الفقه.
الغسل:
هو تعميم البدن بالماء الطاهر، وله أسباب منها: الجنابة وتكون بإيلاج الحشفة أو قدرها من الذكر في فرج، أو بنزول المنى، وكذا الولادة، وكذا الحيض والنفاس، فمن كان جنبا أو عنده سبب من أسباب الغسل المتقدمة وأراد الصلاة فعليه الغسل مع النية وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا.
التيمم:
هو ضربتان للوجه واليدين بنية من تراب طاهر له غبار، وقيل: لا يشترط، وله أسباب: وهي تعذر استعمال الماء لمرض أو سفر أو أحدث الشخص حدثا أصغر أو حدثا أكبر (كما تقدم في الغسل) وطلب الماء فلم يجده أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ جامعتم فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً.
حكمة مشروعية الوضوء والغسل:
غسل البدن كله أو أطرافه مما يبعث النشاط والهمة فيقف العبد بين يدي ربه نشيطا حاضر القلب صافى الروح، وعند حصول سبب من أسباب الغسل كالجنابة أو الجماع مثلا وهو ما يسمى بالحدث الأكبر يعترى الجسم استرخاء وفتور يزولان بالغسل، على أن النظافة من الإيمان (وهي أمر لازم للمسلم من حيث كونه مسلما. ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج حيث أوجب الغسل والوضوء للصلاة وعند فقد الماء أوجب التيمم، ولكن يريد ليطهركم ماديا من الدنس والرجس، ومعنويا من الكسل والفتور ويبعث النفس صافية مشرقة لتناجى ربها، وليتم نعمته برسمه طريق العبادة لكم، بهذا تقومون بالشكر الواجب عليكم.
واذكروا نعمة الله عليكم الذي وفقكم للإسلام وهداكم للقرآن، واذكروا ميثاقه الذي أخذه عليكم وأنتم في عالم الذرة، وحين الإيمان بالرسول والشهادة لله (إذ قلتم بلسان الحال: سمعنا وأطعنا).
واتقوا الله في كل شيء ولا تنقضوا الميثاق إن الله عليم بذات الصدور.
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي