يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ( ٧ ).
٣٣٦- يترتب الحكم على الفعل بفاء التعقيب والتسبيب، فهو تنبيه على تعليل الحكم بالفعل الذي رتب عليه... كقوله جل من قائل : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا فدل ذلك على أن سبب الوضوء الصلاة. [ شفاء الغليل : ٢٧-٢٨ ].
٣٣٧- فإن قال قائل : قال الله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وقد ذكرتم أن ترتيب الحكم على الفعل بفاء التعقيب مشعر بالتسبيب، وهذه الآية تدل على كون الصلاة سببا لوجوب الوضوء، والإجماع منعقد على أن الوضوء يجب بالحدث، وأن القائم إلى الصلاة - إذا كان متوضئا غير محدث- لا وضوء عليه، وهو إخراج للصلاة عن كونها سببا، وقد ذكرتم : أن أصل الإيماء في مثل ذلك صريح في أصل التعليل، وإن احتمل الإحالة إلى معنى فيتضمنه السبب، وليس هذا إحالة إلى معنى يتضمنه المذكور، بل هو قطع له عن سببه بالكلية ؟
فالجواب أن الوضوء إنما يجب للصلاة، لذلك لا يجب على المحدث أن يتوضأ قبل وجوب الصلاة عليه، فلا تخرج الصلاة عن كونها سببا، ولكنها سبب في حق المحدث لا في حق المتوضئ. ومعناه : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم.
والعلل المفهومة بالإيماء تحتمل التخصيص بالشرائط والمحال، وليس في تحصيصها بشرط دلت الدلالة عليه إبطال لها، وهذا كالتعليل بالسرقة في قوله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (١) ثم خصص ذلك بالنصاب، ولم يكن إبطالا للتعليل، وتعرف الأدلة المخصصة للعلل بالمحال والشروط بما يعرف به تخصيص الألفاظ : من إجماع، ونص وقياس جلي وغيره، فقد نقل : بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان يصلي بوضوء واحد )(٢) فعلم أن الصلاة سبب لوجوب الوضوء على المحدث.
نعم : بقي على الناظر نظر في أن الحدث سبب الوجوب عند الصلاة، أو الصلاة في حق المحدث ؟ وأن الجاري منهما مجرى العلة والجاري مجرى المحل والشرط ماذا ؟
وعلى الأحوال كيف ما كان، فلابد من اعتبار الصلاة وإبقائه معتبرا في الحكم شرطا أو سببا، وفيه الوفاء بموجب الإيماء، لأن الشرط أيضا مؤثر في الحكم ولكن بواسطة العلة، فلم يكن التخصيص والترتيب بفاء التعقيب لغوا من الكلام بكل حال.
والأولى عندي أن يقال : الصلاة سبب لوجوب الوضوء، والحدث سبب لانتقاضه ! فالأحداث نواقض، والصلوات أسباب، ثم من توضأ للقيام للصلاة فهو ممتثل، له أن يؤدي به صلوات، ولا يتكرر عليه الخطاب بعدد آحاد الصلوات، ولكن معناه : إذا أردتم الصلاة فاغسلوا، أي جنس الصلاة، فما دام المصلي بهذه الطهارة فحكم امتثاله مستمر لا يتجدد عليه الأمر إلا إذا انفضت طهارته بحدث ظاهر ناقض، فعند ذلك ينقطع حكم الامتثال السابق، فإرادة الصلاة بعده والقيام إليها يوجب الوضوء. وقد قال قائلون : من أحدث قبل دخول وقت الصلاة وجبت عليه الطهارة وجوبا موسعا إلى وقت الصلاة، وقد قال آخرون : لا، بل ابتدأ الوجوب بدخول وقت الصلاة ولكن في حق المحدث وهذا هو الأولى.
وعلى الجملة : فالمفهوم من الإيماء تأثير الصلاة في الوجوب، وكيف ما فرض فلا ينقطع تأثيره بحال. [ نفسه : ٩٧ إلى ١٠٠ ].
٣٣٨- قول بعض أصحابنا في قوله تعالى : وأرجُلِكم (٣) مكسورة اللام لقرب الجوار ردا على الشيعة إذ قالت : الواجب فيه المسح. [ المنخول من تعليقات الأصول : ٢٠٢ ]
وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا .
٣٣٩- أو لامستم النساء حملهم أبو حنيفة- رضي الله عنه- على المجامعة وحمله الشافعي على الجس باليد. [ الوسيط في المذهب : ١/٤٠٩-٤١٠ ].
٣٤٠- لفظ اللمس يحمل في نقض الطهارة على اللمس باليد والجماع. [ المنخول من تعليقات الأصول : ١٤٧ ].
٣٤١- العجز عن استعمال الماء يبيح التيمم لقوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا [ الوسيط في المذهب : ١/٤٣١-٤٣٢ ].
٢ - صحيح مسلم كتاب الطهارة ١/٢٣٢ حديث رقم ٢٧٧..
٣ - قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة..
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي