ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

قال الرازي في وجه اتصال آية الوضوء بما قبلها :" اعلم أنه تعالى افتتح السورة بقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية فقوله ( أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ) طلب من عباده أن يفوا بعهد العبودية، فكأنه قيل إلى هنا : إن العهد نوعان عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا، فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذّات المطعم ولذّات المنكح، فاستقصى سبحانه في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح، ولما كانت الحاجة إلى المطعوم فوق الحاجة إلى المنكوح لا جرم قدم بيان المطعوم على المنكوح، وعند تمام البيان، كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية. ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة لا جرم بدأ الله تعالى بذكر شرائط الوضوء " ( لعل الأصل فرائض الوضوء ).
أقول : لو جعل هذا الوجه في الاتصال لهذه الآية وما بعدها معا – وقد جمعناهما- لكان أظهر فإنه في الثانية يذكرنا بعهده وميثاقه. والذي أراه أن وجه المناسبة بين آية الوضوء وما قبلها هو أن الحدثين اللذين هما سبب الطهارتين هما أثر الطعام والنكاح، فلولا الطعام لما كان الغائط الموجب للوضوء، ولولا النكاح لما كانت ملامسة النساء الموجبة للغسل، وأما المناسبة بين آية الميثاق وما قبلها فهي أن الله تعالى بعد أن بين لنا طائفة من الأحكام المتعلقة بالعبادات والعادات ذكرنا بعهده وميثاقه علينا وما التزمناه من السمع والطاعة لله ولرسوله بقبول دينه الحق، لنقوم بها مخلصين.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ قال المفسرون إن المراد بالقيام هنا إرادته أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة، على حد قوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم [ النحل : ٩٨ ] أي إذا أردت قراءته. على أن الغالب أن مريد الصلاة يقوم إليها من قعود أو نوم، وقد يطلق لفظ القيام إلى الشيء على الانصراف إليه عن غيره، ومن فسر القيام بإرادته حاول أن يدخل في عموم منطوقه صلاة من يصلي قاعدا أو نائما لعذر.
وظاهر العبارة أن المراد بالقيام إلى الصلاة عمومه في جميع الأحوال وأن هذه الطهارة لا تجب على من قام إلى الصلاة إلا إذا كان محدثا فهم يقيدون القيام الذي خوطب أهله بالطهارة بالتلبس بالحدث، فالمعنى عندهم إذا قمتم إلى الصلاة محدثين فاغسلوا وجوهكم الخ. والعمدة في مثل هذا التقييد السنة العملية في الصدر الأول، روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن من حديث بريدة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد. فقال له عمر يا رسول الله إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله فقال ( عمدا فعلته يا عمر )١ وروي بألفاظ كثيرة متفقة في المعنى.
وروى أحمد والبخاري وأصحاب السنن عن عمرو بن عامر الأنصاري سمعت أنس بن مالك يقول ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، قال قلت فأنتم كيف كنتم تصنعون ؟ قال : كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث )٢ وروى أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعا ( لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ )٣ وروى أبو داود وصححه والدارقطني – قال الحافظ في بلوغ المرام وأصله في مسلم – عن أنس بن مالك قال ( كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون )٤ ورواه الشافعي في الأم أيضا، والترمذي بلفظ ( لقد رأيت أصحاب الرسول الله صلى الله عليه وسلم يوقظون للصلاة حتى أني لأسمع لأحدهم غطيطا ثم يقومون فيصلون ولا يتوضؤون ) ٥. ورو أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعا ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ومع كل وضوء بسواك )٦ وفي البخاري نحوه تعليقا، وروى نحوه النسائي وابن خزيمة. وكذا ابن حبان في صحيحه من حديث عائشة.
فهذه الأخبار تدل على أن المسلمين لم يكونوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يتوضؤون لكل صلاة وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة غالبا، وصلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد أمام الناس لبيان الجواز. وقيل كان ذلك واجبا فنسخ يومئذ، ولو صح هذا القول لنقل أن الصحابة كلهم كانوا يتوضؤون لكل صلاة والمنقول خلافه، فعلم أن الوضوء لكل صلاة عزيمة وهو الأفضل، وإنما تجب على من أحدث، وآخر الآية يدل على ذلك، فإنه ذكر الحدثين ووجوب التيمم على من لم يجد الماء بعدهما، فعلم منه أن من وجده وجب عليه أن يتطهر به عقبهما، ولو كان الطهارة واجبة لكل صلاة لما كان لهذا معنى. وقد نقل النووي عن القاضي عياض أن أهل الفتوى أجمعوا على أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث وإنما يستحب تجديده لكل صلاة.
فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ الغسل بالفتح إرساله الماء على الشيء، والغرض منه إزالة ما على الشيء من وسخ وغيره مما يراد تنظيفه منه. والوجوه جمع وجه، وحده من أعلى تسطيح الجبهة إلى أسفل اللحيين طولا ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضا والأيدي جمع يد وهي الجارحة التي تبطش وتعمل بها، وحدها في الوضوء من رؤوس الأصابع إلى المرفق وهو ( بفتح الميم والفاء بالعكس ) أعلى الذارع وأسفل العضد.
فالفرض الأول : من أعمال الوضوء غسل الوجه، وهل يعد باطن الفم والأنف منه فيجب غسلهما بالمضمضة والاستنشاق والاستنثار أم ليسا منه فيحمل ما ورد من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها والتزامه إياها على الندب ؟ ذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن ذلك سنة، وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وبعض فقهاء أهل البيت إلى أنه واجب واستدلوا بأنها من الوجه بالأحاديث المتفق عليها في الأمر بذلك والتزامه وهو سبب التزام المسلمين ذلك من الصدر الأول إلى الآن. والمضمضة إدارة الماء وتحريكه في الفم، والاستنشاق إدخال الماء في الأنف والاستنثار إخراجه منه بالنفس. وليس للقائلين بعدم الوجوب مما ذكر دليل يعتد به في معارضة أدلة الوجوب.
قال في ( نيل الأوطار ) قال الحافظ ( ابن حجر ) في الفتح : وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا بكونه لا يعلم خلافا في أن تاركه لا يعيد، وهذا دليل فقهي فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين إلا عن عطاء. وهكذا ذكر ابن حزم في المحلى اه أقول : إن الذين يصح جعل تركهم حجة في الباب هم الصحابة ولم ينقل عنهم ترك المضمضة والاستنشاق حتى في إعادتهم، وحديث ( المضمضة والاستنشاق سنة ) الخ الذي رواه الدارقطني عن ابن عباس مرفوعا ضعيف على أن السنة في كلامهم هي الطريقة المتبعة وهو المعنى اللغوي فلو صح لكان جعله من أدلة الوجوب أظهر.
والفرض الثاني : من أعمال الوضوء غسل اليدين إلى المرفقين. وهل المرفقان مما يجب غسله أم هو مندوب ؟ الجمهور على أنه يجب غسلهما واختار ابن جرير الطبري عدم الوجوب ونقله عن زفر بن الهذيل. وقال في نيل الأوطار : اتفق العلماء على وجوب غسلهما ولم يخالف في ذلك إلا زفر وأبو بكر بن داود الظاهري، فمن قال بالوجوب جعل ( إلى ) في الآية بمعنى مع، ومن لم يقل به جعلها لانتهاء الغاية اه وقد استدل ابن جرير على ذلك بأن كل غاية حدت بإلي فقد تحتمل في كلام العرب دخول الغاية في الحد وخروجها منه. قال : وإذا احتمل الكلام ذلك لم يجز لأحد القضاء بأنها داخلة فيه إلا لمن لا يجوز خلافه فيما بيَّنَ وحكم، ولا حكم بأن المرافق داخلة فيما يجب غسله عندنا ممن يجب التسليم بحكمه )اه.
ولكن بعض علماء اللغة ومنهم سيبويه حققوا أن ما بعد ( إلى ) إن كان من نوع ما قبلها دخل في الحد وإلا فلا يدخل، فعلى هذا تدخل المرافق فيما يجب غسله لأنها من اليد، ولا يدخل الليل فيما يجب صومه بقوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل [ البقرة : ١٨٧ ] لأن الليل ليس من نوع النهار الذي يجب صومه. واستدل بعضهم على الوجوب بفعل النبي صلى الله عليه وسلم من حيث إنه بيان لما في الآية من الإجمال، ونازع آخرون في هذا الاستدلال، ولكن لا نزاع في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل المرفقين فقد ورد صريحا ولم يرد أنه ترك غسلهما، والالتزام المضطرد آية الوجوب. وإنما المستحب إطالة الغرة والتحجيل فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ. وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنتم الغر المحجلون من إسباغ الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله ) ٧ والمراد بإطالة الغرة ما ذكر، وقيل غسل جزء من الرأس مع الوجه وجزء من العضدين مع اليدين وجزء من الساقين مع الرجلين، شبه ذلك بغرة الفرس وتحجيله وهو البياض في جبهته وقوائمه، أو التشبيه للنور الذي يكون في هذه المواضع يوم القيامة، وقال ابن القيم إن هذا اجتهاد من أبي هريرة ولم يزد صلى الله عليه وسلم على غسل المرفقين والكعبين.
الفرض الثالث : المسح بالرأس في قوله وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ الرأس معروف ويمسح ما عدا الوجه منه لأن الوجه شرع غسله لسهولته، وكيفية المسح المبينة في السنة أن يمسحه كله بيديه إذا كان مكشوفا وإذا كان عليه عمامة ونحوها يمسح ما ظهر منه ويتم المسح على العمامة. روى أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه )٨ وروى مسلم والترمذي عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين )٩ وروى أحمد والبخاري وابن ماجه عن عمرو بن أمية الضمري قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على عمامته وخفيه١٠. وروى أحمد ومسلم وأصحاب السنن ما عدا أبا داود عن بلال قال : مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين والخمار١١. والخمار الثوب الذي يوضع على الرأس وهو النصيف وكل ما ستر شيئا فهو خماره، وفسره النووي هنا بالعمامة أي للرجال لأنها تستر الرأس. وخمر النساء معروفة. وروي المسح على العمامة أو الخمار او العصابة عن كثير من الصحابة يعرفونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم منهم سلمان الفارسي وثوبان وأبو أمامة وأبو موسى وأبو خزيمة. وظاهر الروايات أن المسح كان يكون على العمامة وما في معناها من ساتر وحده. والأخذ به مروي عن بعض الصحابة والتابعين منهم أبو بكر وعمر وأنس وأبو أمامة وسعد بن مالك وعمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة وقال بجوازه جماعة من علماء الأمصار منهم الاوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود، وقال الشافعي إن صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبه أقول. وقد صح كما علمت، ولكن الشافعية لا يقولون به. ولم يشترط أحد من هؤلاء للمسح عليها لبسها على طهر ولا التوقيت إذ لم يرو فيه شيء يحتج به إلا أن أبا ثور قاس المسح عليها على المسح على الخف فاشترط الطهارة والوقت. والجمهور الذين لم يجيزوا المسح على العمامة وحدها قال من بلغته الأحبار منهم إن المراد المسح عليها مع جزء من الرأس كالرواية التي فيها ذكر الناصية.
ومن مانعي الاقتصار عليها سفيان وأبو حنيفة ومالك والشافعي ولكنه قال إذا صح الحديث بها قال به كما تقدم آنفا. وظاهر الروايات الإطلاق. وقد ورد في كثير من تلك الأخبار ذكر المسح على العمامة مع المسح على الخف، وقد كان نزع كل منهما حرجا وعسرا ففي مسحه نفي الحرج المنصوص عليه في الآية مع عدم منافاته لحكمة الوضوء وعلته المنصوصة أيضا وهي الطهارة والنظافة فإن العضو المستور يبقى نظيفا، ولا حرج الآن في رفع العمائم في الحجاز ومصر والشام وبلاد الترك عن الرأس لأجل مسحه من تحتها في الجملة لأنها توضع على قلانس ترفع معها بسهولة ولكن يعسر مسحه كله باليدين كلتيهما على الوجه الذي رواه الجماعة.
وأما أهل الهند وأهل المغرب الذين يحتنكون بالعمامة كما كان يفعل السلف فيعسر عليهم رفع عمائمهم عند الوضوء. والاحتياط أن يظهروا ناصيتهم كلها أو بعضها فيمسحوا بها ويتمموا المسح على العمامة ليكون وضوءهم صحيحا على جميع الروايات. ومن مسح شيئا أو بشيء عليه ساتر قد يقال إنه مسح ذلك الشيء أو به كما إذا قلت وضعت يدي على رأسي أو على صدري، لا يشترط في كون ذلك حقيقة أن لا يكون عليه سائر، وإنما نقول هنا إن الأصح المسح بالرأس بدون ساتر لأن الغرض من فرضيته تنظيفه من نحو الغبار وهو المتيسر فإذا كان عليه ساتر لا يصيبه الغبار.
وقد اختلف فقهاء الأمصار في أقل ما يحصل به فرض مسح الرأس فقال الشافعي في الأم : إذا مسح الرجل بأي رأسه شاء إن كان لا شعر عليه، وبأي

١ أخرجه مسلم في الطهارة حديث ٨٦، وأبو داود في الطهارة باب ٦٥، والترمذي في الطهارة باب ٤٥، والنسائي في الطهارة باب ١٠٠، وأحمد في المسند ٥/٣٥٠، ٣٥١، ٣٥٨..
٢ أخرجه البخاري في التوحيد باب ٤٦، وأبو داود في الصلاة باب ١٦٦، والنسائي في السهو باب ٢٠، والكسوف باب ١٦، وأحمد في المسند ١/٣٧٧، ٤٠٩، ٤١٥، ٤٣٥، ٤٦٣..
٣ أخرجه البخاري في الحيل باب ٢، والوضوء باب ٢، ومسلم في الطهارة حديث ٢، وأبو داود في الطهارة باب ٣١، والترمذي في الطهارة باب ٥٦، وأحمد في المسند ٢/٣٠٨، ٣١٨..
٤ أخرجه أبو داود في الطهارة باب ٨٩، وأحمد في المسند ٣/٢٣٩..
٥ أخرجه الترمذي في الطهارة باب ٥٧..
٦ أخرجه أحمد في المسند ٢/٢٥٩..
٧ أخرجه مسلم في الطهارة حديث ٣٤..
٨ أخرجه البخاري في الوضوء باب ٣٨، ومسلم في الطهارة حديث ١٨، وأبو داود في الطهارة باب ٥١، والترمذي في الطهارة باب ٢٤، والنسائي في الطهارة باب ٧٩، ٨٠، وابن ماجه في الطهارة باب ٥١، ومالك في الطهارة حديث ١، وأحمد في المسند ٤/٣٨، ٣٩..
٩ أخرجه مسلم في الطهارة حديث ٨١، ٨٣..
١٠ أخرجه البخاري في الوضوء باب ٤٨، وابن ماجه في الطهارة باب ٨٩..
١١ أخرجه مسلم في الطهارة حديث ٨٤، والترمذي في الطهارة باب ٧٥، والنسائي في الطهارة باب ٨٥، وابن ماجه في الطهارة باب ٨٩، وأحمد في المسند ٤/١٣٥، ٥/٢٨١، ٢٨٨، ٤٣٩، ٤٤٠، ٦/١٢، ١٣، ١٤، ١٥..

قال الرازي في وجه اتصال آية الوضوء بما قبلها :" اعلم أنه تعالى افتتح السورة بقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية فقوله ( أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ) طلب من عباده أن يفوا بعهد العبودية، فكأنه قيل إلى هنا : إن العهد نوعان عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا، فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذّات المطعم ولذّات المنكح، فاستقصى سبحانه في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح، ولما كانت الحاجة إلى المطعوم فوق الحاجة إلى المنكوح لا جرم قدم بيان المطعوم على المنكوح، وعند تمام البيان، كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية. ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة لا جرم بدأ الله تعالى بذكر شرائط الوضوء " ( لعل الأصل فرائض الوضوء ).
أقول : لو جعل هذا الوجه في الاتصال لهذه الآية وما بعدها معا – وقد جمعناهما- لكان أظهر فإنه في الثانية يذكرنا بعهده وميثاقه. والذي أراه أن وجه المناسبة بين آية الوضوء وما قبلها هو أن الحدثين اللذين هما سبب الطهارتين هما أثر الطعام والنكاح، فلولا الطعام لما كان الغائط الموجب للوضوء، ولولا النكاح لما كانت ملامسة النساء الموجبة للغسل، وأما المناسبة بين آية الميثاق وما قبلها فهي أن الله تعالى بعد أن بين لنا طائفة من الأحكام المتعلقة بالعبادات والعادات ذكرنا بعهده وميثاقه علينا وما التزمناه من السمع والطاعة لله ولرسوله بقبول دينه الحق، لنقوم بها مخلصين.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير