يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( ٦ ) وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( ٧ ) ( ٦ – ٧ ).
تعليق على الآية
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ................. الخ
والآية التالية لها وما فيها من أحكام وتلقين ومسألة المسح على الخفين وما ورد في كل ذلك من أحاديث.
عبارة الآيتين واضحة. وقد احتوتا :
( ١ ) خطابا موجها للمؤمنين يأمرهم عند قيامهم للصلاة أن يغسلوا أيديهم ووجوههم وأرجلهم ويمسحوا برؤوسهم، ويغتسلوا إذا كانوا جنبا. وإذا لم يجدوا ماء في سفر أو حضر أو كانوا مرضى يؤذيهم الماء ووجب عليهم الوضوء أو الاغتسال من الجنابة بسبب قضاء حاجتهم في الغائط للأول وملامسة النساء للثاني فيجزيهم أن يمسحوا أيديهم ووجوههم من صعيد طيب.
( ٢ ) وتنبيها تعليليا بأن الله تعالى لم يرد بأمره إعناتا وإحراجا، وإنما يريد تطهيرهم وإتمام نعمته عليهم.
( ٣ ) وتذكيرا بما ارتبطوا به من ميثاق مع الله تعالى حينما آمنوا به وبرسالة رسوله وقالوا : سمعنا وأطعنا ؛ لتوكيد القيام بما يؤمرون به وبوجوب تقوى الله الذي يعرف ما في الصدور كما يعرف الظواهر.
ولقد روى الطبري حديثا موصولا إلى سعد بن أبي وقاص قال :( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى يأتي منزله فيتوضأ كوضوئه للصلاة فقلنا : يا رسول الله نكلمك فلا تكلمنا ونسلم عليك فلا ترد علينا حتى نزلت آية الرخصة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ.................. الخ.
وروى البخاري ومسلم والترمذي حديثا عن عائشة جاء فيه :( سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونزل فثنى رأسه في حجري راقدا، وأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال : حبست الناس في قلادة، فأحسست بالموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أوجعني. ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ.................. الخ. فقال أسيد بن حضير : لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ما أنتم إلا بركة لهم ) ( ١ )١
وقد أورد الطبري وغيره من المفسرين هذا الحديث كسبب لنزول آية سورة النساء ( ٤٣ ) التي فيها رخصة التيمم. وقد روى البخاري حديثا عن عائشة في صدد هذه الآية جاء فيه :( هلكت قلادة لأسماء فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طلبها رجالا فحضرت الصلاة، وليسوا على وضوء، ولم يجدوا ماء فصلوا على غير وضوء، فأنزل الله تعالى آية التيمم ) ( ١ )٢.
والحادث متشابه في الحديثين مما قد يسوغ القول : إنه واحد، وإن من المستبعد أن تكون الآيتان نزلتا فيه مع بعد ما بين نزولهما.
وحديث سعد بن أبي وقاص لم يرد في كتب الصحاح، وليس فيه على احتمال صحته قرينة، على أن الآية نزلت بسبب ما ذكر فيه. وكل ما يمكن أن يفيده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ظل على عادته بعدم رد السلام على أصحابه، وهو على غير وضوء إلى أن نزلت الآية.
ولما كان من المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين كانوا يتوضئون للصلاة في مكة واستمروا على ذلك في المدينة على ما شرحناه وأوردنا الآثار الواردة في صدده في سياق آية النساء المذكورة. ولما كان من الأرجح أن يكون الحادث المذكور في حديث عائشة قد وقع في ظروف نزول آية النساء على ما ذكرناه أيضا في سياق تفسيرها وشرحها. ولا سيما أن الطبري والبغوي، وهما من أقدم المفسرين الذين وصل إلينا كتب تفسيرهم لم يورداه ولم يوردا رواية ما من بابه في سياق آية المائدة التي نحن في صددها. ثم لما كان من الملحوظ أن هذه الآية وحدة تامة منسجمة. فالذي يتبادر لنا أن فريقا من المسلمين أخذوا يتهاونون في أمر الوضوء والطهارة أو في أشكالهما وأركانهما أو لا يرون ذلك واجبا، فاقتضت حكمة التنزيل تنزيل الآية للتوكيد ولبيان الأشكال والأركان مع ذكر رخصة التيمم لإتمام الموضوع.
ويلحظ أن الآية الثانية منسجمة مع الآية الأولى ومعطوفة عليها ؛ حيث يتبادر أنها جاءت بمثابة تعقيب وتدعيم لما أمرت به الآية الأولى. وقد يكون منها تأييد لما قلناه من أن بعض المسلمين تهاونوا في أمر الوضوء والاغتسال من الجنابة، فاقتضت حكمة التنزيل تذكيرهم بنعمة الله عليهم. وميثاقه الذي أخذه منهم على السمع لما يأمرهم به وطاعته.
والتوكيد عليهم بتقواه وتنبيههم إلى أنه عليم بكل ما في نفوسهم بالإضافة إلى أعمالهم الظاهرة.
والتناسب قائم بين الآيتين وما سبقهما من حيث القصد التشريعي. فإما أن تكونا نزلتا بعد الآيات السابقة مباشرة، فوضعتا بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدها للتناسب التشريعي والظرفي. أو وضعت بعدها للتناسب التشريعي وحسب. ونرجح على كل حال أنها نزلت بعد الآيات التي سبقتها، إما فورا وإما بعد مدة ما. والله تعالى أعلم.
ولقد صرف بعض المؤولين جملة : مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ في الآية الأولى إلى قصد تعليل إيجاب التيمم إذا فقد الماء أو آذى. ومنهم من صرفها إلى قصد تعليل إيجاب الوضوء. والجملة تتحمل المعنيين. وإن كان صرفها إلى تعليل التيمم أقوى ؛ لأنه الأقرب إليها تتضمن قصد إشعار المسلمين دائما بشعور الطهارة ووجوبها وليس للإحراج.
ومهما يكن من أمر ففي الجملة معنى يصح أن يكون نبراسا يستمد منه المسلمون نورا وهدى في مختلف أمورهم، وهو كون الله تعالى إنما يتوخى في تكاليفه ورخصه نفع المسلمين وطهارتهم ماديا وروحيا دون قصد الإحراج. وفي هذا من الجلال ما فيه.
وأسلوب الآية الثانية قوي نافذ، ومع أنها موجهة إلى المؤمنين في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صدد ما أمروا به في الآية الأولى، فإن إطلاق عبارتها يجعل ما احتوته من هتاف وتذكير وتنبيه مستمر المدى شاملا لكل ما أمر الله به ورسمه ونهى عنه.
ولقد قلنا : إن الآثار تؤيد أن الوضوء كان ممارسا منذ وقت مبكر من العهد المكي. وفي نزول الآية الأولى متأخرة مع ممارسة الوضوء قبلها بمدة طويلة مشهد من المشاهد الكثيرة التي احتوت ممارسة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتشريعاته لفروض وأمور وأعمال دينية وسياسية واجتماعية وحربية بدون وحي قرآني، ثم ينزل الوحي القرآني مؤيدا لتلك الممارسة والتشريعات والأعمال.
ولقد تعددت الأقوال التي يرويها الطبري وغيره عن أهل التأويل في مدى جملة : وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا . منها أنه الميثاق الذي أخذه الله من بني آدم على ما جاء في آية سورة الأعراف ( ١٦٩ ) ومنها أنها البيعة التي روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذها من وفد الأوس والخزرج قبيل هجرته. والتي تمت الهجرة بناء عليها والتي روي أن صيغتها هي صيغة آية الممتحنة هذه مع التذكير يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ١٢ ) ومنها ما عناه الحديث الذي رواه الشيخان والنسائي عن عبادة بن الصامت الذي جاء فيه :( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم. وفي رواية وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ). ومنها أنه ما اعتبر ميثاقا مأخوذا من كل مسلم على السمع والطاعة حين يعلن إسلامه وإيمانه وينضوي إلى الدين الإسلامي. ونحن نطمئن بالقول الأخير ؛ لأنه متساوق مع فحوى الآية التي شمل الهتاف بها لكل أمر، ولكل مؤمن ولكل زمن. والله تعالى أعلم.
ولقد أورد المفسرون في سياق الآية الأولى أحاديث نبوية بفضل الوضوء. منها ما ورد في الكتب الخمسة. منها حديث رواه الخمسة إلا أبا داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل ) ( ١ )٣وحديث رواه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا : بلى يا رسول الله. قال : إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط ) ( ٢ )٤ وحديث رواه مسلم عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره ) ( ٣ )٥. وحديث رواه أبو داود والترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات ) ( ٤ )٦وحديث رواه الخمسة إلا البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول ) ( ٥ )٧.
ومما لا ريب فيه أن الشريعة الإسلامية بإيجابها على كل مسلم ومسلمة غسل أطرافهما المكشوفة أكثر من مرة في اليوم والاغتسال من الجنابة التي يمكن أن تتكرر مرارا في الشهر، بالإضافة إلى ما تضمنته آية سورة المدثر الثالثة من إيجاب تطهير ثيابهم. وإلى ما تضمنته الأحاديث النبوية العديدة في هذا الأمر ( ٦ )٨قد هدفت إلى جعل المسلمين مثالا في العناية بطهارة الجسد والثوب في موازاة ما هدفت إليه بالرسالة المحمدية في جعلهم مثالا في الطهارة الروحية على ما عبرت عنه آية سورة البقرة كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ( ١٥١ ) . وآية سورة آل عم
٢ التاج ج ٤ ص ٨٢..
٣ التاج ج ١ ص ٦٩..
٤ المصدر نفسه ص ٦٩ و ٧٠..
٥ المصدر نفسه..
٦ التاج ج ١ ص ١٣٤ وهناك أحاديث أخرى في كتب الصحاح وغيرها فاكتفينا بما أوردناه.
ويتبادر لنا على ضوء التقريرات القرآنية والنبوية: أن ما ذكر في الأحاديث من الخطايا التي يغفرها الله إن شاء للمسلم إذا توضأ هي ما كان من باب اللمم والهفوات وما ليس من الكبائر وما ليس فيه حق الغير ماله وعرضه ودمه. وما ليس فيه إثم وفحش ظاهر وباطن. وإن قصد التشويق والتبشير من الحكمة الملموحة في الأحاديث. والله أعلم..
٧ المصدر نفسه ص ١٣٥..
٨ أوردنا في سياق تفسير سورة الجمعة جملة من ذلك..
التفسير الحديث
دروزة