ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

وبعد ذلك ينتقل الحق ليربط لنا كل قضايا الدنيا رباطا وافيا، فبعد أن يتكلم عن مقومات الحياة وعن مقومات النوع بالإنكاح وغيره يوضح : كل هذه نعم أعطيتها لكم وأريد أن آخذ بأيديكم بعد أن بينت لكم فضل هذه النعم عليكم، لتلتقوا بصاحب كل هذه النعم، هو سبحانه يريد أن يأخذنا من مشاغل الدنيا لنلقى المنعم، وحتى تلقى أيها المسلم الإله المنعم سبحانه فلا بد أن تعد نفسك لهذا اللقاء لأنها ليست مسألة طارئة فلا بد من الإعداد الروحي والإعداد البدني والإعداد المكاني والإعداد الزماني.
إن الإعداد البدني يكون بالطهارة والإعداد الزماني هو مواقيت الصلاة والإعداد المكاني هو وجود مكان طاهر لإقامة الصلاة وإعداد اتجاهي بتحديد وجهة الصلاة إلى القبلة، وهذه كلها مواصفات تهيئ النفس البشرية للوقوف بين يدي من أنعم على الإنسان بكل النعم ولذلك نقول : إن الصلاة إعلان استدامة الولاء الإيماني للخالق الممد المنعم، فهو الذي خلق من عدم وأمد من عدم وقد فرض الحق سبحانه وتعالى الصلاة خمس مرات في اليوم، ليقطع على الإنسان سبيل الغفلة عنه، وإذا ما أراد الإنسان أن يلقي الله في الأوقات التي بين الصلوات وأراد أن يعلن استدامة الإيمان وهو يقوم بأي عمل غير الصلاة فليذكر الله، لأننا نعرف القاعدة الشرعية القائلة :( مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب ).
مثال ذلك أن الإنسان حين يصلي فهو يحتاج إلى قوة، والقوة تتولد في الجسم نتيجة تناول الطعام، إذن عملية صناعة الطعام أمر واجب وكل ما يترتب على ذلك عملية واجبة ولذلك عندما يأتي واحد ويقول : أريد أن أنقطع للعبادة وأعتزل حركة الحياة، لنقل له : افعل ذلك بشرط واحد هو ألا تنتفع بحركة متحرك واحد في الحياة، ولا تتناول أي طعام ذلك إن الرغيف الذي يقدمه لك إنسان هو من عمل بشر كثيرين لم ينقطعوا عن الحياة ولنقل أيضا لماذا ترتدي هذا الجلباب ؟ إنه نتيجة حركة حياة بشر آخرين فهناك من زرع القطن وآخر حلج هذا القطن وثالث حوله إلى غزل ورابع نسجه وخامس قام بتفصيل هذا الجلباب ولتنظر إلى ما خلف كل واحد من آلات. وإياك أن تنتفع بحركة واحد مشغول بالأسباب مادمت قد قررت الانقطاع عن حركة الحياة.
إن الشغل بالأسباب عبادة لأن العبادة لا تتم إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولذلك فتعلم المهارات المفيدة للحياة هو فرض كفاية، والفرض الواجب على الإنسان، أحد اثنين : إما فرض عين وهو الأمر المكلف به الفرد ولا بد أن يؤديه ولا يجوز أن يؤديه أحد نيابة عنه، كالصلاة وإما فرض كفاية وهو ما لا يتم الواجب إلا به لذلك كان واجبا، فكل منا يريد الطعام.
لذلك لا بد من تقسيم العمل، فهذا يزرع وهذا يصنع فلا بد من زراعة القمح ولا بد من إقامة المطاحن ولا بد من إقامة الأفران ولا بد من مهندسين يصممون هذه الآلات وكل ذلك أمور تسهل للإنسان أن يمتلك القوة لأداء الصلاة، وأن يقف بين يدي الحق ليؤدي الصلاة، إذن فكل ذلك أمر واجب، وهو فرض كفاية أي أنه فرض إذا قام به البعض سقط عن الباقين وإن لم يقم به بعضنا يكون الإثم على الجميع.
ومثال آخر هو الصلاة على الميت هي فرض كفاية فمن يصلي على الميت فهو يؤدي عنا، وإن لم يصل أحد على الميت يكون الإثم على كل مسلم، هكذا تتسع رقعة الإثم، وكل الأعمال التي لا يتم الواجب إلا بها فهي واجبة، ولذلك فهي فرض كفاية، إن قام به البعض سقط الطلب عن الباقين وإن لم يقم به البعض فالإثم على الجميع.
وما موقف ولي الأمر ؟ على ولي الأمر أن يفرض القيام بفرض الكفاية على أحد الناس، وإلا تعطلت الواجبات التي نقول عنها : إنها واجبات دينية فحين يذهب المسلم إلى السوق فلا يجد خبزا يضعف ولا يملك الفكاك من المجاعة ولن يقدر على الصلاة أو العمل لينتج أو يجد ادخارا يكفيه أن يحج.
إذن : ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى حينما حثنا على أداء الصلاة في يوم الجمعة يقول :{ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون( ٩ )( سورة الجمعة ).
هو سبحانه يخرجنا من العمل إلى الصلاة ولم يخرجنا إلى الصلاة من فراغ، لنلتفت إلى دقة الأداء القرآني حين يقول الحق :" وذروا البيع " وحين يذر الإنسان البيع، فهو يذر الشراء من باب أولى، لأن البيع والشراء وجهان لعملية واحدة، والخلاف فقط أن المشتري قد يشتري السلعة وهو كاره لأن يشتري لأنه يستهلك نقوده فيما يشتريه أما البائع فيريد أن يحصل على ثمن البيع فورا، وغالبا ما يحصل على ربح من وراء ذلك، وتلك هي قمة الكسب فكسب الزارع على سبيل المثال يأتيه بعد شهور من الزراعة وكسب الموظف يأتيه أول الشهر لكن البائع يحصل على الكسب فورا ولذلك يأمرنا الحق أن نذر البيع إذا سمعنا نداء الصلاة يوم الجمعة وماذا بعد انتهاء الصلاة ؟.
ها هو الحق يقول : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون( ١٠ ) ( سورة الجمعة ).
إذن فلا يقولن أحد أنا منقطع طوال حياتي للصلاة فلن يستطيع أحد أن يذهب إلى الصلاة ما لم يكن يملك مقومات حياته، ومقومات الحياة تقتضي أن يضرب الإنسان في الأرض ولا بد أن يبتغي الإنسان من فضل الله إذن، فالسعي في الأرض هو عبادة لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ويريد الحق سبحانه وتعالى ألا يعزل قضية تتعلق بمقومات الحياة طعاما وإنكاحا عن الصلاة، فيأتي الحق سبحانه وتعالى بشروط الوضوء استعدادا للصلاة بعد أن يتحدث عن أحكام تحليل الأطعمة وتحريم بعضها، وبعض من أحكام النكاح وذلك لنعرف أن مسؤوليات الإيمان كلها مترابطة فلا يصح أن نعزل عملا ونقول : هذا عمل تعبدي وذاك عمل غير تعبدي.
والمؤلفون عندما يضعون الكتب في الفقه ويخصصون أقساما في هذه الكتب للعبادات وأقساما للمعاملات، فهذا التقسيم تقسيم تصنيفي تأليفي، لكن كل ما يطلبه الكون لينصلح فهو عبادة لخالق هذا الكون، بدليل أنه قال : " فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع " وهذا أمر. ويتلوه أمر آخر :" فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ".
إن الإنسان لا ينفذ أمرا ويهمل أمرا آخر، ولكن عليه بمقتضى الإيمان أن ينفذ الأمرين معا، فإن تأخر الإنسان في أي من الأمرين فهو مذنب، لذلك يخبرنا سبحانه من بعد الحديث عن النعم التي أنعم بها علينا بما أحل لنا من بهيمة الأنعام، وبما قص علينا من الزواج من المحصنات، ها هو ذا يدخلنا إلى رحابه بالاستعداد للصلاة لأنه واهب كل النعم ويأمرنا بالاستعداد للصلاة وأن يعد كل واحد منا نفسه لها.
وهذا الإعداد يؤهل المسلم ليلقى الحق فقال :
يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون( ٦ ) :
سبحانه يأمرنا بوضوح محدد : إذا أردتم القيام إلى الصلاة فلا بد لكم من تنفيذ عملية الوضوء. وتتعرض الآية إلى الأركان الأساسية في الوضوء وقد يلتبس الأمر على بعض الناس ولا يستطيع أن يميز سنن الوضوء وأركان الوضوء لأن السنن تقتضي أن يغسل الإنسان يديه ثم يتمضمض ثم يستنشق الماء وهكذا، هذه هي السنن التي تمتزج بالأركان الأساسية للوضوء.
ويبدأ الحق أركان الوضوء الأساسية بقوله :" فاغسلوا وجوهكم " والغسل يتطلب إسالة الماء على العضو وأن يقطر منه الماء بعد ذلك والمسح هو اللمس بالماء، ليصيب العضو ولا يتقطر منه الماء، إنه مجرد بلولة بالماء، والحق سبحانه وتعالى حينما تكلم في هذه الآية عن الوضوء، تكلم عن أشياء تغسل وعن شيء يمسح، فالأمر بالغسل يشمل الوجه واليدين إلى المرافق والرجلين إلى الكعبين والأمر بالمسح يشمل بعض الرأس، والغسل قد يكفي مرة أو اثنتين أو ثلاثا ليتأكد الإنسان تماما من الغسل، ولكن إذا كانت المياه قليلة فيكفي أن يغسل الأجزاء المطلوبة مرة وأن يتأكد أنه قد غسل المساحات المطلوبة.
إن الزيادة على المرة الواحدة إلى ثلاث مرات أمر مسنون لا واجب وغسل الوجه معروف تماما للجميع، فالوجه هو ما به المواجهة والمواجهة تكون من منبت الشعر إلى الذقن وتحت منتهى لحييه وهما العظمان اللذان تنبت عليهما الأسنان السفلى، هذا في الطول وفي العرض يشمل الوجه ما بين شحمتي الأذنين ولا أحد يختلف في تحديد الوجه، ولذلك أطلق الحق الوجه ولم يعينه بغاية، فلم يقل : اغسل وجهك من كذا إلى كذا ولكنه أمر بغسل الوجه فلا اختلاف في مدلول الوجه لدى الجميع، والكل متفق عليه، هذا إذا بدأنا بالفروض الأساسية لكن إذا ما بدأنا بالسنن فنحن نغسل الكفين إلى الرسغين أولا ثم نتمضمض ونستنشق.
وبعض العارفين بالله يقول عن هذه المقدمات التي هي من السنن : إنها لم تأت اعتباطا، لأن تعريف الماء هو : السائل الذي لا لون له ولا طعم ولا رائحة، وإن تغير أي وصف من هذه الأوصاف يكون السائل قد خرج عن المائية، فساعة تأخذ الماء بيديك ستطمئن على لون الماء، وتعرف أنه لا لون له وعندما تتمضمض فأنت تطمئن إلى أنه لا طعم له، وعندما تستنشق فأنت تطمئن على أن الماء لا رائحة له، وبذلك تطمئن إلى أن الماء الذي تستعمله في الوضوء يكون قد استوفى الأوصاف قبل أن تبدأ في عمل المطلوب من أركان الوضوء التي يطلبها الله، والسنة تقدمت هنا على الأركان لحكمة هي أن توفر للإنسان الثقة في الماء الذي يتوضأ منه وبعد ذلك يغسل الإنسان الوجه من منابت شعر الرأس وتحت منتهى لحييه وذلك طولا وما بين شحمتي الأذنين عرضا.
وبعد غسل الوجه قال الحق، " وأيديكم إلى المرافق " وميز الحق هنا الأيدي بتحديد المساحة المطلوب غسلها بأنها إلى المرافق أي أنه زاد غاية لم توجد في الوجه، ولكن جاء الأمر بغسل اليدين إلى المرافق لأن اليد تطلق في اللغة ويراد بها الكف، مثال ذلك في حكم الحق على السارق والسارقة : فاقطعوا أيديهما ( من الآية٣٨سورة المائدة ) :
وتطلق اليد أيضا ويراد بها الكف والساعد إلى المرفق وتطلق اليد أيضا ويراد بها إلى الكتف فلليد ثلاث إطلاقات ولو أن الحق قد أمر بغسل اليد ولم يحدد الغسل ب " إلى المرافق " لغسل البعض كفيه فقط، وغسل البعض يديه إلى المرافق، ولغسل البعض يديه إلى الكتفين ولأن الحق يريد غسل اليد على وجه واحد محدد، لذلك قال :" وأيديكم إلى المرافق ".
إذن فساعة يريد الحق شيئا محددا، فهو يأتي بالأسلوب الذي يحدده تحديدا يقطع الاجتهاد في هذا الشيء وكلمة " إلى " تحدد لنا الغاية، كما أن " من " تحدد الابتداء، ولكن هل تدخل الغاية هنا أم لا ؟ هل تدخل المرافق في الغسل أم لا ؟ إن إلى قد تدخل الغاية ومرة أخرى لا تدخل الغاية.
فمثال إدخالها الغاية قوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ( من الآية١سورة الإسراء ).
هل أسرى الحق برسوله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى ولم يدخله ؟ لا أحد يعقل ذلك، إن " إلى "

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير