ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

١٩٧- قال زيد بن أسلم وغيره في تأويل قول الله-عز وجل- : إذا قمتم إلى الصلاة قال : إذا قمتم من المضاجع، يعني النوم، وكذلك قال السدي١.
وروي عن عمر، وعلي ما يدل على أن الآية عني بها تجديد الوضوء في وقت كل صلاة إذا قام المرء إليها، ورواه أنس عن عمر، وعكرمة عن علي، وعن ابن سيرين مثل ذلك. وهذا معناه أن يكون الوضوء على المحدث إذا قام إلى الصلاة واجبا، وعلى غير المحدث ندبا وفضلا.
وروي عن ابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وأبي موسى الأشعري، وجابر بن عبد الله، وعبيدة السلماني، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعن السدي أيضا، والأسود بن يزيد، وإبراهيم النخعي، أن الآية عني بها حال القيام إلى الصلاة على غير طهر، وهذا أمر مجتمع عليه، وقال ابن عمر : هذا أمر من الله لنبيه والمؤمنين، ثم نسخ بالتخفيف، وهذا يشبه مذهب من ذهب إلى أن السنة تنسخ القرآن٢.
قال أبو عمر : قد ثبت عن النبي-صلى الله عليه وسلم- أنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، وأجمعت الأمة على أن ذلك جائز، وفي ذلك كفاية عن كل قول. ( ت : ١٨/٢٣٧-٢٣٨. وانظر س : ٢/٦٩. والكافي : ١٠-١١ )
١٩٨- أما إدخال المرفقين في الغسل، فعلى ذلك أكثر العلماء، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة وأصحابه إلا زفر فإنه اختلف عنه في ذلك ؛ فروي عنه أنه يحب غسل المرافق مع الذراعين، وروي عنه أنه لا يحب ذلك، وبه قال الطبري وبعض أصحاب داود، وبعض المالكين أيضا، ومن أصحاب داود من قال بوجوب غسل المرفقين مع الذراعين.
فمن لم يوجب غسلهما حمل قوله -عز وجل- : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ، على أن " إلى " ههنا غاية، وأن المرفقين غير داخلين في الغسل مع الذراعين ؛ كما لا يجب دخول الليل في الصيام، لقوله-عز وجل- : ثم أتموا الصيام إلى الليل ٣.
ومن أوجب غسلهما جعل " إلى " في هذه الآية بمعنى " الواو " أو بمعنى " مع "، كأنه قال : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم والمرافق، أو مع المرافق. و " إلى " بمعنى الواو، وبمعنى " مع " معروف في كلام العرب، كما قال عز وجل : من أنصاري إلى الله ٤، أي مع الله، وكما قال : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ٥، أي مع أموالكم. وأنكر بعض أهل اللغة أن تكون " إلى " ههنا بمعنى الواو، وبمعنى مع وقال : لو كان كذلك لوجب غسل اليد كلها، واليد عند العرب من أطراف الأصابع إلى الكتف، وقال : ولا يجوز أن تخرج " إلى " عن بابها ؛ يذكر أنها بمعنى الغاية أبدا، قال : وجائز أن تكون " إلى " ههنا بمعنى الغاية وتدخل المرافق مع ذلك في الغسل ؛ لأن الثاني إذا كان من الأول، كان ما بعد " إلى " داخلا فيما قبلهن نحو قول الله-عز وجل- : إلى المرافق ، فالمرافق داخلة في الغسل، وإذا كان ما بعدها ليس من الأول فليس بداخل فيه نحو : ثم أتموا الصيام إلى الليل .
قال أبو عمر : يقول : إنه ليس الليل من النهار، فلم يدخل الحد في المحدود، وإنما يدخل الحد في المحدود. إذا كان من جنسه، والمرافق من جنس الأيدي والأذرع. فوجب أن يدخل الحد منها في المحدود ؛ لأن هذا أصل حكم الحدود والمحدودات عند أهل الفهم والنظر- والله أعلم. ( ت : ٢٠/١٢٢-١٢٤ )
١٩٩- مالك أنه بلغه أن عبد الرحمان بن أبي بكر دخل على عائشة يوم مات سعد بن أبي وقاص، فدعا بوضوء، فقالت له عائشة : يا عبد الرحمان، أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يقول :( ويل للأعقاب من النار )٦.
قال أبو عمر : في هذا الحديث من الفقه إيجاب غسل الرجلين، وفي ذلك تفسير لقول الله-عز وجل- : وأرجلكم إلى الكعبين ، وبيان أنه أراد الغسل لا المسح، وإن كانت قد قرئت : وأرجلكم بالجر٧، فذلك معطوف على اللفظ دون المعنى، والمعنى فيه الغسل على التقديم والتأخير، فكأنه قال عز وجل : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برؤوسكم، والقراءتان بالنصب والجر صحيحتان مستفيضتان، والمسح ضد الغسل ومخالف له، وغير جائز أن تبطل إحدى القراءتين بالأخرى ما وجد إلى تخريج الجمع بينهما سبيل، وقد وجدنا العرب تخفض بالجوار، كما قال امرؤ القيس :
كبير أناس في بجاد مزمل٨***...
فخفض بالجوار، وإنما المزمل الرجل، وإعرابه ههنا الرفع، وكما قال زهير :
لعب الزمان بها وغيرها*** بعدي سوافي المور والقطر٩
قال أبو حاتم : كان الوجه، القطر بالرفع، ولكن جره على جوار المور كما قالت العرب : " هذا حجر ضب خرب "، فجرته، وإنما هو رفع، وخفضه بالمجاورة. ومن هذا قراءة أبي عمرو : يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ١٠ بالجر، لأن النحاس : الدخان.
فعلى ما ذكرنا تكون معنى القراءة بالجر والنصب، ويكون الخفض على اللفظ للمجاورة، والمعنى : الغسل، وقد يراد بلفظ المسح الغسل عند العرب من قولهم : تمسحت للصلاة والمراد الغسل، ويشير إلى هذا التأويل كله قول النبي-صلى الله عليه وسلم- :( ويل للأعقاب من النار )١١.
وعلى هذا القول والتأويل، جمهور علماء المسلمين، وجماعة فقهاء الأمصار بالحجاز، والعراق، والشام من أهل الحديث والرأي، وإنما روي مسح الرجلين عن بعض الصحابة، وبعض التابعين وتعلق به الطبري١٢، وذلك غير صحيح في نظر ولا أثر. ( ت : ٢٤/٢٥٤-٢٥٥ )

١ - انظر جامع البيان: ٦/١١٢..
٢ - قال الزركشي: واختلف في نسخ الكتاب بالسنة، قال ابن عطية: حذاق الأمة على الجواز، وذلك موجود في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا وصية لوارث). وأبى الشافعي ذلك، والحجة عليه من قوله في إسقاط الجلد: في حد الزنا عن الثيب الذي رجم، فإنه لا مسقط لذلك إلا السنة: فعل النبي- صلى الله عليه وسلم-: البرهان في علوم القرآن: ٢/٣٢..
٣ - سورة البقرة: ١٨٦..
٤ - سورة آل عمران: ٥١. وسورة الصف: ١٤..
٥ - سورة النساء: ٢..
٦ الموطأ، كتاب الطهارة، باب العمل في الوضوء: ١٨..
٧ - من الذين قرأوا :وأرجلكم بالجر: علقمة، والأعمش، ومجاهد، والشعبي، والضحاك، انظر جامع البيان: ٦/١٢٩-١٣٠. ومن الذين قرأوا وأرجلكم بالنصب ابن عباس، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن مسعود، انظر المصدر السابق: ٦/١٢٧..
٨ - الديوان: ٢٥. والبيت بشطريه هو :
كأن أبانا في أفانين ودقه *** كبير أناس في بجاد مزمل.

٩ - انظر شرح ديوان زهير: ٨٧. وفيه : لعب "الرياح" بدل "الزمان"..
١٠ - سورة الرحمان: ٣٣-٣٤..
١١ - أخرجه في الموطأ، كتاب الطهارة، باب العمل في الوضوء: ١٨..
١٢ - قال: والصواب من القول عندنا في ذلك، أن الله أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم، وإذا فعل ذلك بهما المتوضىء كان مستحقا اسم ماسح غاسل؛ لأن غسلهما إمرار الماء عليهما وإصابتهما بالماء. ومسحهما: إمرار اليد أو ما قاد مقام اليد عليهما. فإذا فعل ذلك بهما فاعل فهو غسل ماسح. جامع البيان : ٦/١٣٠..

جهود ابن عبد البر في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير