روى البخاري من طريق عمرو بن الحارث عن عبد الرحمان بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت : سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فثنى رأسه في حجري راقدا، وأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال : حبست الناس في قلادة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت يأيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة الآية، فقال : أسيد ابن حضير : لقد بارك الله للناس فيكم يا آل بكر ١وهذه الرواية مصرحة بأن النازل في قصة قلادة عائشة هذه الآية في المائدة دون آية النساء، ويعلم أن هذه الآية أسبق نزولا من آية النساء وإلا لما عاتب أبو بكر عائشة بقوله إنها حبست الناس لا على ماء ولا ماء معهم وما شكره أسيد بن حضير وروى الطبراني عنها نحوه وفيه فأنزل الله رخصة التيمم فقال : أبو بكر : إنك لمباركة، ومعنى إذا قمتم إلى الصلاة أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ٢عبر عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها للإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة فليبادر إليها بحيث لا ينفك الإرادة عن الفعل، وظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا والإجماع على خلافه وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى يوم الفتح الصلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه وكان يتوضأ عند كل صلاة فقال له عمر : لقد صنعت شيئا اليوم لم تكن تصنعه ؟ قال ( عمدا صنعته يا عمر ) ٣ رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة من حديث بريدة. فاختلفت العلماء في تأويل هذه الآية ؟ فقال : بعضهم : الأمر فيه للوجوب وكان ذلك أول الأمر ثم نسخ ويدل عليه حديث عبد الله بن حنظلة بن عامر غسيل الملائكة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا أو غير طاهر فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة ٤ رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في المستدرك، وقال بعضهم : الأمر للندب والإجماع منعقد على كون الوضوء مسنونا مندوبا عند كل صلاة وإن كان المصلي طاهرا ويدل على كونه مسنونا حديث أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة ٥ الحديث رواه النسائي وصححه، ويدل على كونه مندوبا حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات ) ٦ رواه النسائي بإسناد ضعيف، وقيل هذا الحكم وإن كان مطلقا لفظا لكنه أريد به التقييد ومعناه إذا قمتم الصلاة محدثين يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم :( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ) ٧ رواه الشيخان في الصحيحين وأبوا داود والترمذي عن أبي هريرة، وقال زيد بن أسلم : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، وقال بعضهم : هذا إعلام من الله تعالى رسوله أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال، فأذن له أن يفعل بعد الحدث ما شاء من الأفعال غير الصلاة، عن ابن عباس قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فرجع من الغائط فأتى بطعام فقيل له ألا تتوضأ ؟ فقال أريد أن أصلي فأتوضأ رواه البغوي.
فائدة : الوضوء كان واجبا قبل نزول هذه الآية كما يدل عليه ما روى البخاري في شأن نزول الآية من قصة فقد قلادة عائشة ولذا استعظموا نزولهم على غير ماء، وقال ابن عبد البر : معلوم عند جميع أهل المغازي أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل منذ فرضت الصلاة إلا بوضوء، وكان فرض الوضوء مع فرض الصلاة والحكمة في نزول آية الوضوء مع ما تقدم من العمل ليكون فرض متلوا بالتنزيل، قلت : ولتمهيد التيمم والله أعلم فاغسلوا وجوهكم الغسل إمرار الماء عليه ولا يشترط فيه الدلك عند الأئمة الثلاثة خلافا لمالك رضي الله عنه وهو محجوج بإطلاق الكتاب، والوجه : اسم لعضو معلوم مشتق من المواجهة وحده من منابت الشعر إلى منتهى الذقن طولا وما بين الأذنين عرضا فمن ترك غسل ما بين اللحية والأذن لم يجز وضوءه عند الأئمة الثلاثة خلافا لمالك رحمه الله ويجب إيصال الماء إلى ما تحتها يجب غسله وإن كانت كثيفة لا يرى البشرة من تحتها يسقط غسل البشرة في الوضوء كما يسقط مسح الرأس بالشعر النابت عليه.
والدليل عليه إجماع الأمة وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم :( أنه صلى الله عليه وسلم كان يغسل وجهه بغرفة واحدة ) رواه البخاري من حديث ابن عباس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كث اللحية ذكره القاضي عياض وقرر ذلك في أحاديث جماعة من الصحابة بأسانيد صحيحة، وفي مسلم من حديث جابر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير شعر اللحية ٨، قلت : ولا يمكن إيصال الماء بغرفة واحدة إلى تحت كل شعرة لمن كان كث اللحية ويجب غسل ظاهر اللحية كلها عوضا عن البشرة عند الجمهور كما في مسح شعر الرأس وبه قال أبو حنيفة رحمه الله في رواية قال الظهيرية وعليه الفتوى، وقال في البديع : أن ما عدا هذه الرواية مرجوع عنه وفي رواية عنه يجب مسح ربع اللحية وفي رواية مسح ثلث اللحية وفي رواية لا يجب مسح اللحية ولا غسلها. والحجة على وجوب غسل ظاهر اللحية كلها وأن غسل البشرة سقط بالإجماع وسند الإجماع إما فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل وجهه بغرفة وإما القياس على سقوط مسح الرأس بالشعر النابت عليه، ولاشك أن مستند الإجماع نصا كان أو قياسا يدل على أن غسل ما تحت اللحية إنما سقط لقيام الشعر مقامه وجوب غسله بدلا عنه، أما القياس فلأن حكم الأصل ليس إلا سقوط مسح الرأس إلى بدل وهو وجوب مسح الشعر فلا بد أن يكون سقوط وظيفة الوجه أعني الغسل أيضا إلى بدل وهو وجوب غسل ما يستره من اللحية كيلا يلزم مزية الفرع على الأصل، وأما الحديث فأيضا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يغسل وجهه بغرفة ولا شك أنه كان يغسل اللحية فظهر أن الإجماع منعقد على قيام اللحية مقام الوجه، وسقوط وظيفة الوجه إلى بدل لا بلا بدل فثبت بذلك أن وظيفته الوجه وهو غسل تمامه ثابت في بدله وهو اللحية والله أعلم – و أيديكم إلى المرافق اليد : اسم لعضو معلوم من الأنامل إلى الآباط ولما جعل المرافق غاية الغسل سقط ما وراءه أي العضد وبقي غسل المرافق واجبا عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء وحكي عن الشعبي ومحمد بن جرير عدم وجوب غسل المرافق، وبه قال زفر رحمه الله لأن كلمة إلى للغاية والغاية تكون خارجة عن حكم المغيا كما في : أتموا الصيام إلى الليل ٩ أو لأن مذهب المحققين من علماء العربية أنها موضوعة لمطلق الغاية وأما دخولها في الحكم أو خروجها فلا دلالة لها عليه وإنما يعلم من خارج ولا دليل هاهنا فلا يدخل بالشك، قلنا : بل هاهنا دليل على كون الغاية داخلا في حكم المغيا وهو الإجماع، قال الشافعي رحمه الله في الأم لا أعلم مخالفا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء وما حكي عن الشعبي ومحمد بن الجرير إن صح الرواية عنهما وكذا قول زفر رحمه الله لا يرفع إجماع من قبلهم ومن بعدهم، ولم يثبت عن مالك رحمه الله خروج المرفقين صريحا وإنما حكي عنه أشهب كلاما محتملا وسند الإجماع فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المبين لمجمل الكتاب. روى الدارقطني بإسناد حسن من حديث عثمان في الوضوء فغسل يديه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين وقال : هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي أيضا من حديث جابر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه لكن إسناده ضعيف، وروى البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر مرفوعا وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفقين وروى الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعا ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة أنهم تركوا غسل المرافق والكعاب في الوضوء وذلك دليل واضح لمعرفة معنى الكتاب، ومن ثم قال بعض المفسرين : إلى هاهنا في الموضعين بمعنى مع كما في قوله تعالى و يزيدكم قوة فوق قوتكم ١٠ وقوله تعالى : و لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ١١.
وقوله تعالى : من أنصاري إلى الله ١٢ أي مع الله وامسحوا برءوسكم اختلف العلماء في القدر الواجب من مسح الرأس بهذه الآية ؟ فقال : مالك وأحمد رحمه الله : يجب مسح جميع الرأس لأن الرأس اسم لعضو معلوم والباء زائدة فإذا أمرنا بالمسح يجب استيعابها كما يجب استيعاب الوجه بالمسح في التيمم، ويدل عليه استعابه صلى الله عليه وسلم. روى عبد الله بن زيد ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ) ١٣ متفق عليه، وقال أبو حنيفة رحمه الله والشافعي رحمه الله : الباء للإلصاق لأنه هو المعنى الحقيقي للباء أجمع عليه علماء العربية لا يصار عنه إلا بدليل وهي تدخل على الوسائط غالبا والوسائط لا تقصد استيعابها، ولذلك إذا دخلت على المحل دلت على أن الاستيعاب غير مراد ويدل على ذلك فعله صلى الله عليه وسلم عن المغيرة بن شعبة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته ومسح على الخفين والعمامة ) ١٤ رواه مسلم، وروى الشافعي رحمة الله عن عطاء مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فحسر العمامة ومسح مقدم رأسه وهو مرسل اعتضد من وجه آخر روى موصولا أخرجه أبو داود من حديث أنس وفي إسناده أبو معقل لا يعرف حاله، وأخرج سعيد بن منصور عن عثمان صفة الوضوء قال : ومسح مقدم رأسه. وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك مختلف فيه، قال الحافظ ابن حجر وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس قاله ابن المنذر وغيره ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك قاله ابن حزم. وأحاديث الاستيعاب محمولة على الاستحباب لا ينفي عدم جواز الاكتفاء على البعض، ولما ثبت أن مسح جميع الرأس غير مراد فقال : الشافعي رحمه الله فالمعنى وامسحوا بعض رءوسكم فالآية مطلق فيكفي من الرأس غير مراد بدلالة كلمة الباء وأحاديث المسح على مقدم الرأس ولا مطلق البعض من الرأس أي بعض كان لأن ذلك يحصل في ضمن غسل الوجه ضرورة استيعاب الوجه، وإذا كانت الآية مجملة التحق حديث المغيرة وما في معناه بيانا لها فقلنا بوجوب مسح ربع الرأس لأن الرأس أربعة جوانب مقدم الرأس واحد منها و أرجلكم قرأ نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص بالنصب معطوف على أيديكم بقرينة ضرب الغاية لقوله تعالى إلى الكعبين فإن الغاية لا يضرب في الممسوح كالرأس وأعضاء التيمم إنما يضرب للمغسولات، وقرأ الباقون بالجر لأجل الجوار كما في قوله تعالى إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ١٥ بالجر في أليم على الجوار مع أنه صفة لعذاب وهو منصوب والقول بأن جر الجوار أنكره أكثر النجاة ومن جوزه جوزه بشرط أن لا يتوسط حرف العطف، وبشرط الأمن من اللبس مدفوع إذ الأمن من اللبس مدفوع إذ الأمن من اللبس حاصل بذكر الغاية وإنكار أكثر النحاة ممنوع وإنكار مكابرة لوقوعه كثيرا في القرآن وكلام البلغاء وذكر الأمثلة يقتضي تطويلا، لكن اختلف النحاة في مجيء جر الجوار يتوسط حرف العطف، فقيل : لا يجيء لأن العاطف يمنع التجاوز والحق أنه يجوز بتوسط العاطف فأن العاطف موضوع لتوكيد الوصل دون القطع، قال ابن مالك وخال
٢ سورة النحل، الآية: ٩٨.
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: جواز الصلوات كلها بوضوء واحد (٢٧٧). أخرجه أبو داود في كتاب: الطهارة، باب الرجل يصلي الصلوات بوضوء واحد (١٧١).
٤ أخرجه أبو داود في كتاب: الطهارة، باب: السواك (٤٨).
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء، باب: الوضوء من غير حدث (٢١١) وأخرجه الترمذي في كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء لكل صلاة (٦٠).
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء لكل صلاة (٥٩).
٧ أخرجه البخاري في كتاب: الحيل، باب: في الصلاة (٦٩٥٤). وأخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة (٢٢().
٨ أخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: شبيه صلى الله عليه وسلم (٢٣٤٤).
٩ سورة البقرة، الآية: ١٨٧.
١٠ سورة هود، الآية ٥٢.
١١ سورة النساء، الآية: ٢.
١٢ سورة آل عمران، الآية: ٥٢.
١٣ أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء، باب: مسح الرأس كله (١٨٣) وأخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: في وضوء النبي صلى الله عليه وسلم (٢٣٥).
١٤ أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة (٢٧٤).
١٥ سورة هود، الآية: ٢٦.
التفسير المظهري
المظهري