[ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين( ١١ ) ]( الأعراف : آية١١ ).
في هذه الآية الكريمة إشكال معروف ؛ لأن الله قال بصيغة الجمع :[ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ]وهذا يتبادر منه أن المخاطبين في قوله :[ خلقناكم ثم صورناكم ] ذرية آدم، إلا أنه رتب عليه قوله :[ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ] و( ثم ) تقتضي الترتيب والمهلة، فيكون الله بعد أن خلق ذرية آدم وصورها قال للملائكة : اسجدوا لآدم. وهذا خلاف الواقع ؛ لأنه أمرهم بالسجود له عندما نفخ فيه الروح قبل أن يولد له شيء، كما دل عليه قوله في سورة الحجر :[ إني خالق بشرا من صلصل من حمإ مسنون( ٢٨ ) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين( ٢٩ ) ]( الحجر : الآيتان٢٩، ٢٨ ) وقوله في سورة ص :[ إني خالق بشرا من طين ( ٧١ ) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين( ٧٢ ) ]( ص : الآيتان ٧٢، ٧١ ) فيخطر في ذهن طالب العلم إشكال، وهو الترتيب ب( ثم ) فيقول : كيف يقول :[ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ]( الأعراف : آية ١١ ) بعد تصوير ذرية آدم، وخلقها ؟ ! ! وهذا خلاف الواقع. فهذا إشكال معروف في الآية، مشهور عند علماء التفسير. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة :
أحدها : وهو الذي اختاره كبير المفسرين- محمد بن جرير الطبري وغيره- أن المراد بالجمع في [ خلقناكم ] و[ صورناكم ] آدم وحده، وإنما أطلق عليه صورة الجمع لأنه لما كان أبا البشر ووجوده أصل في وجوده كان خلقه وتصويره كأنه خلق وتصوير للجميع. ونحو هذا الأسلوب معروف في القرآن ؛ لأن الله يخاطب اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ويقول :[ وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى ]( البقرة : آية ٥٧ ) والذين ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى أجداد أجداد أجدادهم، قبلهم بعشرات القرون، فدل على أن أصل الإنسان هو منه قد يخاطب الإنسان والمراد به ذلك الأصل. وهذا كثير في القرآن، كقوله :[ وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على ] ( البقرة : آية ٦١ ) [ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك[ ( البقرة : آية ٥٥ ) المخاطب به الموجودون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والقائلون أجدادهم الموجودون قبلهم بقرون.
وعلى هذا فلا إشكال في قوله :[ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ]( الأعراف : آية ١١ ) لأن ( ثم ) على بابها من الترتيب والمهلة، غاية ما في الباب أنه أطلق الأصل وأراد شموله لفروعه، ونظائره في القرآن كثيرة كما مثلنا.
القول الثاني : هو ما قاله بعض العلماء : معنى[ ولقد خلقناكم ] أيها الخلق في أصلاب آبائكم، [ ثم صورناكم ] هذه الصور العظيمة في بطون أمهاتكم. وهذا من غرائب صنعه وعجائبه ؛ لأن تصويره لنا في بطون أمهاتنا فيه من غرائب صنعه ما يبهر العقول، والله في كتابه يعجب خلقه كيف ينصرفون عن تصويره لهم في الأرحام، أولا قال في ذلك :[ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم( ٦ ) ( آل عمران : آية ٦ ) ثم بين تصويره لنا في الأرحام بحالة تبهر العقول، ثم عجب خلقه كيف ينصرفون عن التدبر في هذا ! ! لأنكم كلكم أيها الحاضرون تعلمون أنه ليس واحد منكم يدخل بطن أمه في أول دخوله له فيه يد ولا رجل ولا عين ولا انف ولا فم، بل يدخلها نطفة من ماء مهين مستوية الأجزاء، ليست مفصلة ولا مخلقة، ثم إن رب العالمين بقدرته العظيمة ينقله من طور إلى طور، ومن حال إلى حال، ينقله من النطفة إلى علقة- وهي الدم الجامد الذي إذا صب عليه الماء الحار لم يذب- ثم ينقل العلقة مضغة، ويصير المضغة عظاما، فيركب هذه العظام بعضها في بعض هذا التركيب الدقيق المحكم الهائل، لو نظرت تركيب النملة بالنملة، وفقرة الظهر بفقرة الظهر، والمفصل بالمفصل، وتركيب عظام الرأس بعضها إلى بعض، وخياطة بعضها مع بعض على ذلك الوجه العظيم الهائل، ونظرت في الإنسان- لأن الإنسان إذا نظر في موضع رأس إبرة من جسده وجد من عجائب صنع الله وغرائبه ما يبهر العقول- بعد أن دخل بطن أمه نطفة من مني فإذا هو مصور هذا التصوير العظيم، مخلوق منه هذا الهيكل العظيم، العظام شد بعضها ببعض على أحكم وجه وأتقنه وأبدعه، ومنه قوله :[ نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا( ٢٨ ) ]( الإنسان : آية ٢٨ ) الأسر : أصله شد الشيء بالإسار. والإسار في لغة العرب : القد، وهو الجلد الذي لم يدبغ ؛ لأن الجلد الذي لم يدبغ إذا أخذت سيوره وشددت بها شيئا وهي مبلولة يبست فاستحكم الشد غاية الاستحكام[ وشددنا أسرهم ] المعنى : شددنا بعض عظامهم إلى بعض كما يشد الشيء إلى الشيء بالإسار، وهو الجلد الغير المدبوغ، ومنه قيل للأسير :( أسير ) لأنه يشد بالإسار غالبا. فلو كان الذي شد يدك بمعصمك، ومعصمك بمرفقك، ومرفقك بمنكبك، لو كان غير متقن لتحرك الإنسان فسقطت يده ! ! وقيل : مع الأسف كان شد يده بمعصمه غير وثيق فطاحت يده، أو سقط منكبه، أو سقطت فخذه، أو سقط رأسه عن رقبته، لا، كل هذا مشدود بشد محكم، والعظام بعضها ملصق ببعض على أبدع أسلوب وأحكمه. ثم إن الله فتح في الوجه هاتين العينيين، وصبغ بعضها بصبغ أسود، وبعضها بصبغ أبيض، ثم جعل فيهما نور البصر، ثم فتح فمه، ثم جعل فيه اللسان لعبر به عن ضميره، ويرد به شاذ الطعام على الأضراس ليمكنها طحنه ليمكن المعدة هضمه، ثم إنه فتح هذا الأنف الأعلى وجعله مثقوبا من جهتين، وجعل فيه حاسة الشم، وزين الفم بالفك الأعلى، والفك الأسفل، ثم إنه جعل ماء العين ملحا لئلا تنتن شحمتها، وجعل له شحمة لئلا يجففها الهواء، ثم أنبع عينا عذبة في فم الإنسان وهي ريقه يبتلع بها الطعام ؛ لأن الله لو أخذ ريق الواحد منكم لا يمكن أن يبتلع شيئا ولو زبدا ذائبا، فجعل له الريق ليبل به الطعام فيسهل بلعه، وإذا أكل كثيرا يأتيه من مدد الريق ما يبل له الطعام الكثير العظيم الهائل، وإذا لم يحتج إليه في الأكل أمسك عنه جم الريق وكثرته لئلا يتعبه التفل، ثم إنه وضع العينين في الرأس ولم يضعهما في الرجلين، وركب فقار ظهر بعضها مع بعض، وجعل مخها داخلها، وجعل الدماغ في مخلاة حصينة، ثم جعل عليها العظام وحصنها بها، وخاط العظام خياطة هائلة محكمة، ثم خلق الكبد ووضعها في موضعها اللائق بها، ووكلها بوظيفتها البدنية، وفعل كذلك بالكليتين والطحال والمرارة، ثم ثقب الأمعاء ليخرج منها الثفل، ثم ثقب الدبر ليخرج منه الغائط، ثم ثقب محل البول، ثم ثقب العروق والشرايين ليدور الدم، ولو فكرنا وشرحنا عضوا واحدا من أعضاء الإنسان لرأينا من غرائب صنع الله وعجائبه ما يبهر العقول ويعتقد به الإنسان أن خالقه أنه ذو القدرة العظيم، الذي لا يعبد إلا هو وحده، ولا يطاع إلا هو وحده ؛ ولذا من لطفه بالإنسان : كل شيء يحتاج إلى قطعة كشعره وأظافره نزع منه روح الحياة ؛ ليسهل عليه قص الأظافر وحلق الشعر، وتقصيره، إذ لو جعل في الأظافر الحياة كما جعلها في سائر البدن، وجعلها في الشعر لا يمكن قص الظفر إلا بعملية، ولا حلق شعر إلا بعملية ! ! ثم إن القفا- الذي لم يجعل عنده عينين- جعله عظما قويا لو ضربه شيء عليه لم يضره. والأشياء الضعيفة كالكبد والطحال التي إذا مسه شيء عليها أثر عليه- وهي جهة البطن- جعل عليها الحارسين وهما : العينان يحرسانها من أن يضرها شيء. وهذه قطرة من بحر من غرائب صنع الله( جل وعلا ) فعل هذا من العمليات بكل واحد منا، وأنا أؤكد لكم أنه لم يحتج ان يأخذ لأمه غرفة في صحية، وأن يبنجها وينومها ويشق طبقة بطنها العليا، ثم طبقة بطنها السفلى، ثم ينزع المشيمة التي على الولد، ثم يسلط الأشعة الكهربائية لينظر ماذا يفعل ؟ ! فأطباء جميع الدنيا لو اجتمعوا عن بكرة أبيهم من مشارق الأرض ومغاربها وأرادوا أن يعملوا عملية في جنين في رحم امرأة فيستحيل أن يقدروا على أن يعملوا شيئا حتى يشقوا طبقات بطنها الثلاث، ثم يسلطوا الأشعة الكهربائية وينزعوا المشيمة عن الولد، ثم يعملون العملية، فقد يموت وهو الأغلب، وقد لا يموت. فخالق السماوات والأرض يفعل في العبد مئات العمليات، وهو لم يشق بطن أمه، ولم يحتج إلى أشعة كهربائية، بل العلم والبصر والقدرة نافذ تمام النفوذ، يفعل كيف يشاء [ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ]( آل عمران : آية ٦ ) وإنما قصصنا عليكم هذا النموذج من قدرة الله، وصنعه فيكم، وعدم شقه لبطون أمهاتكم ؛ لأن الله أمركم أن تنتبهوا إليه، وأن لا تصرفوا عنه. وذلك في السورة الكريمة، سورة الزمر- وكل سورة من القرآن كريمة- أعني قوله في الزمر :[ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ] ظلمة الرحم، وظلمة البطن، وظلمة المشيمة ؛ لأن المشيمة تكون منطوية على الولد لا يراه إلا من قشعها عنه[ ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو ] ثم قال وهو محل الشاهد :[ فأنى تصرفون ]( الزمر : آية ٦ ) يا ناس ! ! فأنى تصرفون ؟ ! أين تروح عقولكم عن قدرة خالق السماوات والأرض الجبار الأعظم ولا تنظرون فعله فيكم وانتم في بطون أمهاتكم [ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ]( آل عمران : آية ٦ ) [ يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم( ٦ ) الذي خلقك فسواك فعدلك( ٧ ) في أي صورة ما شاء ركبك( ٨ ) ]( الانفطار الآيات : ٦-٨ ) وهذا التصوير فيه من غرائب صنع الله وعجائبه ما يبهر العقول ؛ لأنكم كلكم أيها الحاضرون طبعتم على طابع واحد، وصببتم صبة واحدة، فالأنف من جميعكم في محل الأنف، والعينان في محل العين، والفم في محل الفم، والأذن في محل الأذن، ولم يشتبه منكم اثنان حتى لا يعرف أحدهما من الآخر، كل من رآكم يعرف أن هذه صورة فلان، وهذه صورة فلان، ولو جاء من الخلق أعداد ملايين الحصى لم يضق علم خالق السماوات والأرض حتى يعلم لكل واحد منهم صورة فيطبعه عليها لا تشابه صورة الآخر، ولم تتشابه أصواتكم ولا آثاركم في الأرض، ولا بصماتكم في الورق، كل واحد طبع على طابع مستقل، لم يشاركه فيه غيره، ولم يشابهه غيره، وهذا يدل على كمال العلم والقدرة الباهرة العظيمة التي يجب على الإنسان أن يعلم عظمة المتصف بها ويطيعه ولا يتمرد عليه. وهذا معنى :[ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ]( الأعراف : آية ١١ ).
وعلى هذا القول- أن المراد بخلق بني آدم في الأصلاب، وتصويرهم في أرحام الأمهات- يكون قوله :[ ثم قلنا للملائكة ] تكون ( ثم ) هنا للترتيب الإخباري، أي : ثم أخبرناكم بعد ذلك أنا قلنا للملائكة :[ اسجدوا لآدم ]. ولفظة ( ثم ) قد تأتي في القرآن للترتيب في الذكر لا ترتيب الحقيقة الواقعة في زمنها، وهذا الأسلوب وإن كان غير ظاهر فهو موجود في القرآن وفي كلام العرب، فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى في الأنعام- يعني شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم وهو آخر الأنبياء :[ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم بع لعلكم تتقون( ١٥٣ ) ] ثم قال :[ ثم أتينا موسى الكتاب ]( الأنعام : الآيتان١٥٤، ١٥٣ ) وإتيان موسى الكتاب قبل نزول هذا على النبي صلى الله عليه وسلم بقرون، فدل على ان ( ثم ) هنالك ليست للترتيب الزماني وإنما هي للترتيب الذكري، ونظير ذلك في القرآن قوله في سورة البلد :[ فلا اقتحم العقبة( ١١ ) وما أدراك ما العقبة( ١٢ ) فك رقبة( ١٣ ) أو إطعام في يوم ذي
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير