ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

ويقول الحق بعد ذلك : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ١١ .
ومسألة الخلق سبق أن تقدمت في سورة البقرة : خلق آدم، والشيطان، والقضية تتوزع على سبع سور، في سبعة مواضع موجودة في سورة البقرة، وسورة الأعراف، وسورة الحج، وسورة الإسراء، وسورة الكهف، وسورة طه، وسورة ص، إلا أن القصة في كل موضع لها لقطات متعددة، فهنا لقطة، وهناك لقطة ثانية، وتلك لقطة ثالثة، وهكذا ؛ لأن هذه نعمة لابد أن يكررها الله ؛ لتستقر في أذهان عباده، ولو أنه ذكرها مرة واحدة فقد تُنسى، لذلك يعيد الله التذكير بها أكثر من مرة. وإذا أراد الله استحضار النعم والتنبيه عليها في أشياء، فهو يكررها كما كررها في استحضار النعم في سورة واحدة في قوله سبحانه : فبأي آلاء ربكما تكذبان . إنه يذكر هذه النعم من بدايتها، فيقول : خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ( ١٤ ) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ( ١٥ ) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ١٦ ) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( ١٧ ) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ١٨ ) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ( ١٩ ) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ( ٢٠ ) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ٢١ ) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ( ٢٢ ) [ سورة الرحمن ].
وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ( ٢٤ ) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ٢٥ ) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ( ٢٦ ) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ( ٢٧ ) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [ سورة الرحمن ]. وكل نعمة يقول بعدها : فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ .
وأراد سبحانه بذلك أن يكثر ويردد تكرارها على الآذان لتستقر في القلوب حتى في الآذان الصماء ؛ فمرة يأتي بها في شيء ظاهره أنه ليس نعمة، مثل قوله :
يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ( ٣٥ ) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [ سورة الرحمن ] : وجاء الحق بذكر كل ذلك ؛ لأنه ساعة يجلي لنا الأمور على حقائقها ونحن في در التكليف فهذه رحمة ونعمة منه علينا ؛ لأن ذلك يدعونا إلى اتقاء المحظورات والبعد والتنحي عن المخالفات.
ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد، فحين يدخل الابن إلى المدرسة نقول له : إن قصرت في كذا فسوف ترسب، وأنت بهذا القول ترحمه بالنصيحة، فلم تتركه دون أن تبصره بعواقب الأمور، وأيضا ساعة ترى شرا يحيق بالكافرين، فإن هذا الأمر يسرك، لأنه لو تساوى الكافرون مع المؤمنين لما كان للإيمان فضل أو ميزة، فالعذاب نقمة على الكافر، ونعمة على المقابل وهو المؤمن.
وقد جاءت قصة خلق آدم بكل جوانبها في القرآن سبع مرات ؛ لأنها قصة بدء الخلق، وهي التي تجيب عن السؤال الذي يبحث عن إجابته الإنسان، لأنه تلفت ليجد نفسه في كون معد له على أحسن ما يكون. ولم يجئ الكون من بعد الإنسان، بل طرأ الإنسان على الكون، وظل السؤال واردا عن كيفية الخلق، والسؤال مهم أهمية وجود الإنسان في الكون، فأنت تستقرئ أجناسا في الكون، وكل جنس له مهمة. ومهمته متعلقة بك، جماد له مهمة، ونبات له مهمة، وحيوان له مهمة، وكلها تصب في خدمتك أنت ؛ لأن الجماد ينفع النبات، ويتغذى منه لكي يغذي الحيوان، والحيوان ينفعك ويغذيك، إذن فكل الأجناس تصب في خدمتك. أما أنت أيها الإنسان فما عملك في هذا الكون ؟ ؛ لذلك كان لابد أن يتعرف الإنسان على مهمته. وأراد الحق سبحانه أن يعرِّف الإنسان مهمته ؛ لأنه جل وعلا هو الصانع، وحين يبحث الإنسان عن صانعه تتجلى له قدرة الله في كل ما صنع. وكان لابد أيضا أن يستقبل الإنسان خبرا من الخالق.
إنه سبحانه يُنزل لنا المنهج من السماء ويصاحب هذا المنهج معجزة على يد رسول، وأنزل الحق عليه المنهج وأوكل له مهمة البلاغ. فالرسول يخبر، ثم نستدل بالمعجزة على صدق خبره. فكان من اللازم أن نصدق الرسول، لأنه قادم بآية ومعجزة من الله.
والرسول عليه الصلاة والسلام جاء بالرسالة في سن الأربعين ومعه المنهج المعجزة، وأبلغنا أنه رسول من الله. وكان لابد أن نبحث لنتثبت من صدق البلاغ عن الله بالتعقل في دعواه ؛ فهذا الرسول جاء بعد أربعين سنة من ميلاده ومعه معجزة من جنس ما نبغ فيه قومه، وليس من جنس ما نبغ فيه هو، إن معجزته ليست من عنده، بل هي من عند الله ؛ لأن الرسول جاء بالمعجزة بعد أربعين سنة من ميلاده، ومن غير المعقول أن تتفجر عبقرية بعد أربعين سنة من الميلاد ؛ لأننا نعلم أن العبقريات تأتي في آخر العقد الثاني وأوائل العقد الثالث من عمر الإنسان، ونلتفت فنجده يتكلم كل الكلام البلاغي المعجز. وليس من المعقول أن يأتي بأخبار الكون وهو الأميّ الذي مات أبوه وهو في بطن أمه، ثم ماتت أمه وهو في السادسة، وكذلك مات جده. ورأى الناس يتساقطون من حوله، فمن الذي أدراه إذن أنه سيمهل ويمد في أجله إلى أن يصل إلى الأربعين ليبلغنا بمعجزته ؟. ولذلك نجد القرآن يستدل على هذه، فيقول : وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ١٥ ( سورة يونس ) : وهكذا تتجلى الحجة القوية من أنه صلى الله عليه وسلم مكلف بالبلاغ بما يوحى إليه، ويتأكد ذلك مرة ثانية في قوله الحق : قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( ١٦ ) ( سورة يونس ).
وهنا نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تلقى الأمر من الله بأن يبيّن لهم : هل علمتم عني خلال عمري أني قلت شعرا أو حكمة أو جئتكم بمثل ؟ إذن إن نحن عقلنا الأمر وتبصرنا وتأملنا دعواه لصدقنا أنه رسول الله، وأن المعجزة نزلت عليه من السماء.
وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ١١ ( سورة الأعراف ).
وهكذا نرى أن مسألة الخلق والإيجاد، كان يجب على العقل البشري أن يبحث فيها، ليعلم مهمته في الوجود. وحين يبحث فيها ليعلم مهمته في الوجود يجب عليه أن يترك كل تخمين وظن ؛ لأن هذه المسألة لا يمكن أن نأتي فيها بمقدمات موجودة لتدلنا على كيفية خلقنا ولا لأي شيء ومهمة خلقنا ! فكيفية الخلق كانت أمرا غيبيا وليس أمامنا ما نستقرئه لنصل إلى ذلك. وقد حكم الله في قضية الخلق، سواء أكان الأمر بالنسبة للسماوات والأرض وما بينهما أم للإنسان، وقد حكم سبحانه في هاتين القضيتين، ولا مصدر لعلم الأمر فيهما إلا من الله سبحانه، وأغلق باب الاجتهاد فيها، وكذلك باب التخمين، وسمى القائمين بكل بحث بشرى في هذا المجال بأنهم ضالون مضللون، ولذلك قال ليحكم هذه القضية ويحسمها، ويريح العقول من أن تبحث فيها ؛ قال : مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ( ٥١ ) ( سورة الكهف ) : فكأن الذي يقول : كيف خلقت السماوات والأرض وكيف خلق الإنسان هو مضل ؛ لأن الله لم يشهده، ولم يكن هذا القائل عضدا لله ولا سندا ولا شريكا له.
وقص سبحانه علينا قصة خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان، وهذه الآية تتعرض لخلق الإنسان. ومن يبحث بحثا استقرائيا ويرجع إلى الوراء فلابد أن يجد أن الأمر منطقي ؛ لأن العالم يتكاثر، وتكاثره أمر مرئي، وليس التكاثر في البشر فقط، بل فيمن يخدمون البشر من الأجناس الأخرى، نجد فيهم ظاهرة التكاثر نباتا وحيوانا، وإذا ما نظرنا إلى التعداد من قرن وجدنا العدد يقل عن التعداد الحالي وهو خمسة آلاف مليون، وكلما عدنا ورجعنا إلى الزمن الماضي يقل التعداد إلى أن نصل إلى اثنين ؛ لأن الخلق إنما يأتي من اثنين، وحل الله لنا اللغز فقال : الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ( من الآية ١ سورة النساء ) : وهذا كلام صحيح يثبته الإحصاء وييقنه ؛ لأن العالم يتكاثر مع مرور الزمن مستقبلا. وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ( من الآية ١ سورة النساء ) : وهذا كلام صادق. وسبحانه القائل : ومن كل شيء خلقنا زوجين ( من الآية ٤٩ سورة الذاريات ).
وأبلغنا سبحانه بقصة آدم، وكيفية خلق حوّاء فها أخذ جزءا من آدم وخلق منه حوّاء ؟ قد يصح ذلك، أو خلق منها زوجها ويكون المقصود به أنه خلقها من الجنس نفسه وبالطريقة نفسها ؟ وذلك يصح أيضا، فسبحانه قد اكتفى بذكر خلق آدم عن ذكر خلق حوّاء، وأعطانا النموذج في واحد، وقال : وخلق منها زوجها . و " منها " في هذه الآية يحتمل أن تكون تبعيضية، مثلها قوله الحق : رسول من أنفسكم : فسبحانه لم يأخذ قطعة من العرب وقال : إنها " محمد "، بل جعل محمدا صلى الله عليه وسلم من الجنس نفسه خلقا وإيجادا، وسبحانه حين يتكلم هنا يقول للملائكة : إني جاعل في الأرض خليفة ( من الآية ٣٠ سورة البقرة )، وهذا هو أول بلاغ، ثم أتبع ذلك : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ( ٢٩ ) ( سورة الحجر )، إذن فقبل نفخ في الروح ستوجد تسوية، فلمن تحدث التسوية، ومن هو " المسوّى منه " ؟. إن التسوية لآدم. وجاء القول بأنه من صلصال، ومن حمأ مسنون، ومن تراب، ومن طين ؛ إنها مراحل متعددة، فإن قال سبحانه عن آدم : إنه من تراب، نقول نعم، وإن قال : " من ماء " نقول : نعم، وإن قال " من طين " فهذا قول حق ؛ لأن الماء حين يختلط بالتراب يصير طينا. وإن قال : من حمأ مسنون ، فهذا جائز ؛ لأن الحمأ طينٌ اختمر فتغيرت رائحته ثم جف وصار صلصالا. إذن فهي مراحل متعددة للخلق، ثم قال الحق : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي . وهكذا تكتمل فصول الخلق، ثم قال : فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ .
ويقول العلماء : إن المراد من السجود هو الخضوع والتعظيم، وليس السجود كما نعرفه، وقال البعض الأخر : المراد بالسجود هو السجود الذي نعرفه، وأن آدم كان كالقبلة مثل الكعبة التي نتجه إليها عند الصلاة. ولكن لنا هنا ملاحظة، ونقول : إننا لا نسجد إلا لله، وما دام ربنا قد قال : اسجدوا فالسجود هو امتثال لأمر خالق آدم. والنية إذن لم تكن عبادة لآدم، ولكنها طاعة لأمر لله الأول. والأمر بالسجود لآدم قد أراده الله ؛ لأنه سبحانه سخر الكون كله لخدمة آدم، ومن الملائكة مدبرات أمر، ومنهم حفظة، ومنهم من هو بين يدي الله، فلم يكن السجود للملائكة خضوعا من الملائكة لآدم، ب

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير