بصؤابة دخل النار إلا أن يعفو الله، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف هذا إن كانت الكبائر فيما بينه وبين الله وأما إن كان عليه تبعات وكانت له حسنات كثيرة جدا فإنه يؤخذ من حسناته فيرد على المظلوم، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فيحمل على الظالم من أوزار من ظلمه ثم يعذب على الجميع وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ أي جعلنا لكم يا بني آدم فيها مكانا وأقدرناكم على التصرف فيها وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ أي وجوه المنافع وهي على قسمين ما يحصل بخلق الله تعالى ابتداء مثل خلق الثمار وغيرها، وما يحصل بالاكتساب وكلاهما بفضل الله وتمكينه فيكون الكل إنعاما من الله تعالى وكثرة الأنعام توجب الطاعة قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (١٠) تلك النعمة ونعم الله على الإنسان كثيرة فلا إنسان إلا ويشكر الله تعالى في بعض الأوقات على نعمه، وإنما التفاوت في أن بعضهم يكون كثير الشكر وبعضهم يكون قليل الشكر
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أي خلقنا أباكم آدم طينا غير مصوّر ثم صورناه أحسن تصوير وتحسن هذه الكناية لأن آدم أصل البشر ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود تعظيم فَسَجَدُوا أي الملائكة بعد الأمر إِلَّا إِبْلِيسَ فإنه أبو الجن كان مفردا مستورا بألوف من الملائكة متصفا بصفاتهم فغلبوا عليه في قوله تعالى للملائكة إلخ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) لآدم قالَ تعالى لإبليس ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ أي ما صرفك إلى أن لا تسجد كما قال القاضي: ذكر الله المنع وأراد الداعي فكأنه تعالى قال: ما رعاك إلى أن لا تسجد لآدم لأن مخالفة أمر الله تعالى حالة عظيمة يتعجب منها ويسأل على الداعي إليها إِذْ أَمَرْتُكَ والمشهور أن كلمة لا لتأكيد معنى النفي في منعك والاستفهام للتوبيخ ولإظهار كفر إبليس و «إذ» منصوب ب «تسجد» أي ما منعك من السجود في وقت أمري إياك به؟ قالَ إبليس: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ أي إنما لم أسجد لآدم لأني خير منه خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ فهي أغلب أجزائي وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) أي وهو أغلب أجزائه فالنار أفضل من الطين لأن النار مشرقة علوية لطيفة يابسة مجاورة لجواهر السموات والطين مظلم سفلى كثيف بعيد عن مجاورة السموات والمخلوق من الأفضل أفضل وقد أخطأ إبليس طريق الصواب لأن النار فيها الخفة والارتفاع والاضطراب، وأما الطين فشأنه الرزانة والحلم والتثبت، وأيضا فالطين سبب للحياة من إنبات النبات والنار سبب لهلاك الأشياء والطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفريقها.
قالَ تعالى: فَاهْبِطْ مِنْها أي من الجنة وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم أو اخرج من زمرة الملائكة المعززين فَما يَكُونُ لَكَ أي فما ينبغي لك أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها أي في الجنة أو في زمرة الملائكة فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) أي من الأذلاء قالَ أَنْظِرْنِي أي لا تمتني إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) أي آدم وذريته وهو وقت النفخة الثانية وأراد إبليس أن يأخذ ثأره منهم بإغوائهم وأن ينجو من الموت لاستحالته بعد البعث ولأنه قد تمّ عند النفخة الأولى. قالَ تعالى: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) أي من المؤجلين إلى النفخة الأولى فيموت كغيره. قالَ إبليس: فَبِما أَغْوَيْتَنِي
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
(١٦) أي فبسبب إغوائك إياي لأجلهم أقسم بعزتك لأقعدن لآدم وذريته دينك الموصل إلى الجنة وهو دين الإسلام ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ
أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
أي فأشككهم في صحة البعث والقيامة والحساب وألقي إليهم أن الدنيا قديمة لا تفنى وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ أي أفترهم عن الحسنات وأقوي دواعيهم في السيئات. ونقل عن شقيق أنه قال: ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع فيقول من قدامي: لا تخف فإن الله غفور رحيم. فأقرأ:
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً [طه: ٨٢]، ومن خلفي يخوفني من وقوع أولادي في الفقر. فأقرأ: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: ٦] ويأتيني بالثناء من قبل يميني.
فأقرأ: وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨] ويأتيني بالترغيب في الشهوات من قبل شمالي.
فأقرأ: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ [سبأ: ٥٤]. والحاصل أن الشيطان لا يترك جهة من جهات الوسوسة إلا ويلقيها في القلب.
ويروى أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع كونه مستوليا عليه من هذه الجهات الأربع، فأوحى الله تعالى إليهم: إنه بقي للإنسان جهتان الفوق والتحت، فإذا رفع يديه إلى فوق في الدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع، غفرت له ذنب سبعين سنة وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) أي مطيعين. وإنما قال هذا لأنه رأى منهم أن مبدأ الشر متعدد ومبدأ الخير واحد، وذلك أنه حصل للنفس قوة واحدة تدعو النفس إلى عبادة الله تعالى وطلب السعادات الروحانية وهي العقل، وتسع عشرة قوة تدعوها إلى اللذات الجسمانية والطيبات الشهوانية فخمسة منها هي الحواس الظاهرة، وخمسة أخرى هي الحواس الباطنة، واثنان الشهوة والغضب، وسبعة هي القوى الكامنة وهي: الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة، والغاذية، والنامية، والمولدة. ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكمل من استيلاء القوة الواحدة، فيلزم القطع بأن أكثر الخلق يكونون طالبين لهذه اللذات البدنية معرضين عن معرفة الحق ومحبته قالَ اخْرُجْ مِنْها أي من الجنة ومن صورة الملائكة مَذْؤُماً أي محقورا مَدْحُوراً أي مبعدا من كل خير لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أي ولد آدم لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أي منك ومنهم أَجْمَعِينَ (١٨) ففي اللام ومن في قوله تعالى: لَمَنْ تَبِعَكَ وجهان فالأظهر أن «اللام» لام التوطئة لقسم محذوف و «من» شرطية في محل رفع مبتدأ و «لأملأنّ» جواب القسم المدلول عليه بلام التوطئة، وجواب الشرط محذوف لسد جواب القسم مسده. والوجه الثاني أن اللام لام الابتداء ومن موصولة وتبعك صلتها وهي في محل رفع مبتدأ و «لأملأن» جواب قسم محذوف وذلك القسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، والتقدير للذي تبعك منهم والله لأملأن جهنم منكم والعائد من الجملة القسمية الواقعة خبرا عن المبتدأ متضمن في قوله منكم لأنه لما اجتمع ضمير غيبة وخطاب غلب الخطاب.
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا
محمد أمين الضناوي