أرضكم" أرض مصر، معشر القبط السحرة (١) = وقال فرعون للملأ "فماذا تأمرون" يقول: فأي شيء تأمرون أن نفعل في أمره؟ بأي شيء تشيرون فيه؟
* * *
وقيل: "فماذا تأمرون"، والخبر بذلك عن فرعون، ولم يذكر فرعون، وقلما يجيء مثل ذلك في الكلام، وذلك نظير قوله: (قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ)، [يوسف: ٥١-٥٢]. فقيل: "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب"، من قول يوسف، ولم يذكر يوسف، ومن ذلك أن يقول: "قلت لزيد قم، فإنى قائم"، وهو يريد: "فقال زيد: إنّي قائم". (٢).
* * *
القول في تأويل قوله: قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره. قال الملأ من قوم فرعون لفرعون: أرجئه: أي أخِّره.
* * *
وقال بعضهم: معناه: احبس.
* * *
والإرجاء في كلام العرب التأخير. يقال منه: "أرجيت هذا الأمر"،
(٢) انظر تفصيل ذلك في معاني القرآن للفراء ١: ٣٨٧
و"أرجأته"، إذا أخرته. ومنه قول الله تعالى: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ)، [سورة الأحزاب: ٥١] تؤخر، فالهمز من كلام بعض قبائل قيس، يقولون: "أرجأت هذا الأمر"، وترك الهمز من لغة تميم وأسد، يقولون: "أرجيته". (١).
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة المدينة وبعض العراقيين: "أَرْجِهِ" بغير الهمز وبجرّ الهاء.
وقرأه بعض قرأة الكوفيين: "أَرْجِهْ" بترك الهمز وتسكين "الهاء"، على لغة من يقف على الهاء في المكنيِّ في الوصل، (٢) إذا تحرك ما قبلها، كما قال الراجز: (٣)
أَنْحَى عَلَيَّ الدَّهْرُ رِجْلا وَيَدَا يُقْسِمُ لا يُصْلِحُ إلا أَفْسَدَا
فَيُصْلِحُ الْيَوْمَ وَيُفْسِدُهُ غَدَا (٤)
وقد يفعلون مثل هذا بهاء التأنيث، فيقولون: "هذه طلحَهْ قد أقبلت"، كما قال الراجز: (٥)
لَمَّا رأَى أنْ لا دَعَهْ وَلا شِبَعْ مَالَ إلَى أَرْطَأةِ حِقْفٍ فَاضْطَجَعْ (٦)
(٢) ((المكنى))، الضمير.
(٣) هو دويد بن زيد بن نهد القضاعى، وهو أحد المعمرين.
(٤) طبقات فحول الشعراء: ٢٨، والمعمرين: ٢٠، وأما لى الشريف ١: ١٣٧، والشعر والشعراء: ٥١ والمؤتلف والمختلف: ١١٤، وشرح شواهد الشافية: ٢٧٤؛ وغيرها كثير، وهو من قديم الشعر، كما قال ابن سلام. ورواية هذه الأبيات تختلف اختلافا كبيرا في المراجع جميعا كما أشرت إليه في شرح طبقات ابن سلام. وكان في المطبوعة ((ألحى على الدهر))، و ((فقسمه لا نصلح))، وهذا خطأ فاسد صوابه في المخطوطة، ومعاني القرآن للفراء.
(٥) يقال هو: منظور بن حبة الأسدي.
(٦) معاني القرآن للفراء ١: ٣٨٨، إصلاح المنطق: ١٠٨، وتهذيب إصلاح المنطق ١: ١٦٧، وشرح شواهد الشافية: ٢٧٤ - ٢٧٦، ٤٨٠، يصف ظبيا، ويقول قبله:
| يَا رَبُّ أَبَّازٍ مِنَ العُفْرِ صَدَعْ | تَقَبَّضَ الذّئْبُ إِلَيْهِ وَاجْتَمَعْ |
وقراه بعض البصريين: "أَرْجِئْهُ" بالهمز وضم "الهاء"، على لغة من ذكرت من قيس.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك بالصواب، أشهرها وأفصحها في كلام العرب، وذلك ترك الهمز وجرُّ "الهاء"، وإن كانت الأخرى جائزة، غير أن الذي اخترنا أفصح اللغات وأكثرها على ألسن فصحاء العرب.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "أرجه"
فقال بعضهم: معناه: أخره.
* ذكر من قال ذلك:
١٤٩٢٤ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس، قوله: "أرجه وأخاه" قال: أخِّره.
* * *
وقال آخرون. معناه احبسه.
* ذكر من قال ذلك:
١٤٩٢٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "أرجه وأخاه"، أي: أحبسه وأخاه.
* * *
وأما قوله: "وأرسل في المدائن حاشرين" يقول: من يحشرُ السحرة فيجمعهم إليك. (١).
* * *
وقيل: هم الشُّرَط.
* ذكر من قال ذلك:
١٤٩٢٦ - حدثني عباس بن أبي طالب قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، عن ابن عباس: "وأرسل في المدائن حاشرين"، قال: الشرط.
١٤٩٢٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن مجاهد: "وأرسل في المدائن حاشرين"، قال: الشرط.
١٤٩٢٨ - قال: حدثنا حميد، عن قيس، عن السدي: "وأرسل في المدائن حاشرين"، قال: الشرط.
١٤٩٢٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: "في المدائن حاشرين"، قال: الشرط.
١٤٩٣٠ - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: "وأرسل في المدائن حاشرين"، قال: الشرط.
* * *
جامع البيان في تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
أحمد شاكر