ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ

قوله: إِمَّآ أَن تُلْقِيَ : إمَّا هنا للتخيير، ويطلق عليها حرف عطف مجازاً.
قال المفسرُون: «تأدَّبوا مع موسى - عليه السلام - فكان ذلك سبب إيمانهم».

صفحة رقم 258

قال الفرَّاءُ والكسائِيُّ في باب «أمّا» : و «إمّا» إذا كنت آمراً أو ناهياً أو مخبراً فهي مفتوحة، وإذا كنت مشترطاً أو شاكّاً أو مخيراً فهي مكسورةٌ، تقول في المفتوحة: إمّا اللَّه فأعْبُدْه، وأما الخمرُ فلا تَشْرَبها وأما زيد فقد خَرَجَ، فإن كنت مشترطاً فتقول: إمّا تعطينَّ زيداً فإنه يشكرك قال تعالى: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب فَشَرِّدْ بِهِم [الأنفال: ٥٧]، وتقولُ في الشَّكِّ: لا أدري من قام إما زيد وإما عمرو، وتقولُ في التَّخْيير: لي في الكوفة دارٌ إما أن أسْكُنَهَا وإمَّا أن أبيعها.
والفرق بين «إمّا» إذا كانت للشكِّ وبين «أو» أنك إذا قلت: «جاءني زَيْدٌ أو عمرو» فقد يجوزُ أن تكون قد بنيت كلامك على اليقينِ ثم أدركك الشّك فقلت: أو عمرو، فصار الشك فيهما، فأوَّلُ الاسمين في «أو» يجوز أن يحسن السكوت عليه، ثم يعرض الشك فتستدرك بالاسم الآخر؛ ألا ترى أنَّكَ تَقُولُ: قام أخُوكَ وتسكت ثم تشكُّ فتقول: أو أبوك.
وإذا ذكرت «إمّا» فإنما تبني كلامك من أول الأمر على الشك، فلا يجوز أن تقول: ضربت إمَّا عبد الله وتسكت. وفي محل: أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ ثلاثة أوجه:
أحدها: النصب بفعلٍ مقدَّر أي: افعل إمَّا إلقاءك وإما إلقاءنا، كذا قدّره أبو حيَّان، وفيه نظر؛ لأنَّهُ لا يَفْعَلُ إلقاءهم فينبغي أن يُقَدِّر فعلاً لائقاً بذلك وهو اختر أي: اختر إمَّا إلقاءك وإمّا إلقاءنا.
وقدره مكي وأبو البقاءِ فقالا: «إمَا أن تَفْعَلَ الإلقاء».
قال مَكِّيٌّ: كقوله: [البسيط]
٢٥٤٢ - قَالُوا: الرُّكُوبَ فَقُلْنَا: تِلْكَ عَادَتُنَا...............................
بنصب «الركوب» إلا أنَّهُ جعل النَّصْبَ مذهب الكوفيين.
الثاني: الرفع على خبر ابتداءٍ مضمر تقديره: أمْرُك إمَّا إلقاؤك وإما إلقاؤُنا.
الثالث: أن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره إمَّا لقاؤك مبدوءٌ به، وإمَّا إلقاؤنا مبدوءٌ به.
فإن قيل: كيف دخلت «أن» في قوله: إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وسقطت من قوله: وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٠٦].
فالجواب قال الفراء: دخول «أن» في «إما» في هذه الآية لأنها في موضع الأمر بالاختيار، وهي في موضع نصب كقولك: اختر ذا أو ذا، كأنَّهُم قالوا: اختر أن تلقي أو نلقي، وفي آية التَّوْبَةِ ليس فيها أمر بالتخيير؛ ألا ترى أنَّ الأمر لا يَصْلُحُ هاهنا فلذلك لم يكن فيه «أن»

صفحة رقم 259

وقال غيره: «إنَّما أتى هنا ب» أن «المصدرية قبل الفعل بخلاف قوله تعالى
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٠٦]. لأن «أن»
وما بعدها هنا: إمّا مفعول به او مبتدأ، والمفعولُ به والمبتدأ لا يكونان فعلاً صريحاً، بل لا بُدَّ أن ينضمَّ إليه حرفٌ مصدري يجعله في تأويل اسمٍ، وأما آية التَّوبةِ فالفعلُ بعد «إمّا» خبر ثان ل «آخرُونَ»، وإمَّا صفة له، والخبرُ والصِّفةُ يقعان جملة فعلية من غير حرف مصدري.
وحذف مفعولُ الإلقَاءِ للعلم به والتقدير: إمَّا أن تُلْقي حبالَكَ وعِصِيَّك - لأنَّهُم كانوا يَعْتَقِدُونَ أن يفعل كفعلهم - أو نلقي حبالنا وعصِيَّنا.

صفحة رقم 260

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية