يقول الله جل وعلا : قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ١١٥ قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ١١٦ [ الأعراف : الآيتان : ١١٥-١١٦ ].
بين ( جل وعلا ) في سورة طه أنه عند هذه المناظرة والمغالبة نصح [ موسى ] ( في الأصل :( فرعون ) وهو سبق لسان ) السحرة وقال لهم : ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وفي القراءة الأخرى : فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى [ طه : آية ٦١ ] ثم ذكر عن السحرة ما ذكر في قوله : فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى ٦٢ قالوا إن هذان لساحران يردان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ٦٣ فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى ٦٤ [ طه : الآيات ٦٢-٦٣ ]. لما أجمعوا كيدهم وجاؤوا صفا قالوا لموسى : إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين [ الأعراف : آية ١١٥ ] ( إما ) هذه أداة تقسيم معروفة، والمصدر المنسبك من ( ان ) وصلتها في إعرابه للعلماء وجهان :
أحدهما : أنه في محل نصب بمفعول محذوف. والمعنى : إما أن تختار أن تلقي أولا، أي : تختار إلقاءك قبلنا، وإما أن تختار كوننا من الملقين ؟ ومفعول الإلقاء لم يذكر هنا إلا أنه ذكر في آيات أخرى، فإلقاء موسى مفعوله العصا، والمعنى : إما أن تلقي عصاك وإما أن نكون نحن الملقين حبالنا وعصينا ؛ لأن الذي يلقيه هو : عصاه، والذي يلقونه : هو حبالهم وعصيهم كما قال هنا : وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك [ الأعراف : آية ١١٧ ] فبين أن الذي يلقيه هو عصاه، وذكره في طه والشعراء، وبين في سورة الشعراء أن الذي يلقيه السحرة هو حبالهم وعصيهم كما قال : فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ٤٤ [ الشعراء : آية ٤٤ ] هذا معنى قوله : إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين .
الوجه الثاني : أن المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، والتقدير : إما إلقاؤك أول، وإما كوننا نلقي أول.
وقال بعض العلماء : هو خبر مبتدأ محذوف : إما الامر إلقاؤنا، وإما الأمر إلقاؤك. والكل متقارب. وهذا معنى قوله : إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين .
يقول جماعة من علماء التفسير هنا : إن هذا حسن أدب من السحرة، تأدبوا مع موسى هل يجب أن يكون هو أول من يلقي، أو يلقي هو الآخر. وحتى قال بعضهم : لما تأدبوا مع نبي الله كان من حكمة الله أن تفضل عليهم بالهدى والإيمان. والتحقيق الذي يظهر : أن السحرة في ذلك الوقت كفرة فجرة قبل أن يهديهم الله، وأن هذا كأنه إظهار ثقتهم بأنفسهم وسحرهم واعتقادهم أنهم غالبون، يعنون : إن ألقيت قبلنا غالبناك، وإن ألقينا قبلك غلبناك، فإن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر ! ! هذا هو الأظهر، وهذا معنى قوله : إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين [ الأعراف : آية ١١٥ ]
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير