ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنّكم قوم تجهلون ١٣٨ إنّ هؤلاء متبّر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ١٣٩ قال أغير اللّه أبغيكم إلها وهو فضّلكم على العالمين ١٤٠ وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتّلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربّكم عظيم ١٤١
قصة موسى مع بني إسرائيل
هذه الآيات وما بعدها شروع في قصة موسى عليه السلام مع قومه بني إسرائيل معطوفة على قصته مع فرعون وقومه على أكمل وجوه العبرة مع السلامة من لغو القصص والتاريخ.
قال عز وجل :
وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة جاز الشيء وجاوزه وتجاوزه عداه وانتقل عنه. والعكوف على الشيء الإقبال عليه وملازمته على سبيل التعظيم ومنه العكوف والاعتكاف في المسجد وهو ملازمته لأجل العبادة. قرأ حمزة والكسائي يعكفون بكسر الكاف من باب جلس يجلس والباقون بضمها من باب قعد يقعد. والأصنام جمع صنم وهو ما يصنع من الخشب أو الحجر أو المعدن مثالا لشيء حقيقي أو خيالي أو مذكرا به ليعظم تعظيم العبادة، واتخذ بعض العرب في الجاهلية صنما من عجوة التمر فعبدوه ثم جاعوا فأكلوه.
والفرق بينه وبين التمثال أن هذا لابد أن يكون مثالا لشيء –وأنه قد يكون للعبادة وحينئذ يسمى صنما وقد يكون للزينة كالذي تراه على جدران بعض القصور المشيدة أو أبوابها أو في حدائقها، وقد يكون للتعظيم والتكريم غير الديني كالتماثيل التي تنصب لبعض الملوك وكبار علماء الدنيا أو القواد والزعماء للتذكير بتاريخهم وأعمالهم للاقتداء بها، ويكثر هذا في بلاد الإفرنج وقلدهم بعض بلاد الشرق كمصر فنصبت حكومتها تماثيل لبعض أمراء بيت الملك الحاضر وغيرهم من رجالهم. والفرق بين هذا التعظيم السياسي أو العلمي وبين تعظيم العبادة : أن الغرض من الأول إما رفعة شأن الدولة وتمكين سلطانها في أنفس الأمة بمشاهدة صور ملوكها وكبراء رجالهم وتماثيلهم وهو قصد سياسي صحيح عند أهله- وإما بعث شعور حب العلم والاقتداء بالعلماء والأدباء والزعماء الذين نفعوا أمتهم عسى أن يوجد في المستعدين من يكون مثلهم أو خيرا منهم، وهو قصد اجتماعي صحيح عند علماء التربية وأما تعظيم العبادة فالغرض منه التقرب من المعبود وطلب ثوابه بدفع ضرر أو جلب منفعة من طريق الغيب لا الكسب والتعاون عليه من طريق الأسباب العامة.
فتعظيم الشيء الذي يعتقد أن له سلطة غيبية أو تعظيم ما يذكر به من صورة أو تمثال أو قبر أو ثوب أو غير ذلك من آثاره لأجل التقرب إليه وقصد الانتفاع به في الأمور التي لا تنال بالأسباب العامة- وهي ما لا يطلب إلا من الله تعالى أو لأجل التقرب إلى الله تعالى بجاهه –كل ذلك عبادة ظاهرة، فإن قصد المعظم لذلك الشيء أو لما يذكر به الانتفاع به نفسه بما ذكر من التعظيم بالقول كالدعاء والاستغاثة أو بالفعل كالطواف بتمثاله أو قبره و تقبيله والتمرغ بأرضه –كانت العبادة خالصة له من دون الله، وإن قصد التقرب به إلى الله تعالى ليحمله بجاهه على إعطائه ما يريد كانت العبادة له ولله تعالى بالاشتراك، وهذا من مظاهر الشرك الجلي التي لا يخرجها تغيير التسمية عن كونها كفرا أو شركا.
استطراد فقهي
حظر الشرع الإسلامي نصب التماثيل لأنها إما شرك أو ذريعة أو تشبه بأهله. وهي على هذا الترتيب في التدلي : فأغلظها أولها وأخفها ثالثها. وللتشبه درجات في الحظر أشدها ما كان في أمور الدين فإنه قد يكون كفرا، وأهونها ما كان في العادات وأمور الدنيا فنجتنب منه ما لنا غنى عنه وما كان نافعا غير ضار بنفسه لا نأخذه بقصد التشبه فقط لأنه لا يكون إلا من تعظيم المتشبه لغير أهل ملته وهو يتضمن أو يستلزم احتقارهم والشعور بأنهم دونهم. وأما اقتباس العلم والحكمة والفنون والصناعات النافعة لأجل منفعتها بقدرها فليس من التشبه ولا من تفضيل المقتبس منهم على أهل ملته لأن هذه الأمور ليست من أمور الدين ولا اقتبست لأجل التعظيم بل لفائدتها، وقد تكون هذه الفائدة مما تعتز به ملة المقتبس المستفيد وأهلها.
ومن ذلك أخذ النبي صلى الله عليه وسلم عمل الخندق عن الفرس إذ أخبره سلمان رضي الله عنه عنهم بذلك وقد يكون هذا الأخذ واجبا شرعا ومنه أخذنا لفنون الحرب وصناعاتها وآلاتها عن الإفرنج إذ أتقنوها قبلنا، فهو فرض كفاية بلا نزاع فالأمة الحية تقتبس كل شيء نافع يغذي حياتها ويزيدها قوة وعزة، وتتقي في ذلك كل ما فيه ضعف لها في مقوماتها أو مشخصاتها ولاسيما إذا كان فيه تفضيل لخصومها أو غيرهم عليها، وقد فطن اليابان لهذه القاعدة فحافظوا على شؤونهم الملية والقومية عند اقتباسهم لعلوم الفرنجة وفنونها فصاروا مثلهم في ثلث قرن. وغفل عنه الترك والمصريون فأضاعوا من ملكهم.
وليس في نصب التماثيل فائدة ومنفعة ذات بال لا تحصل بغيرها تبيح للمسلمين تقليد الوثنيين والنصارى فيها ولو في جعلها لغير رجال الدين بعدا عن شبهة عبادتها، ومن ذا الذي يأمن هذا وقد عبدت قبور الأولياء وأئمة آل البيت كما عبد غلاة الشيعة من الباطنية أشخاصا منهم أحياء وأمواتا، ونرى الشيعة المعتدلين الذين استباحوا نصب التماثيل غير الدينية قد اتخذ بعضهم في هذه الأيام تمثالا لأمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في بلاد إيران كما نقلت صحف الأخبار عنهم. وأما الصور فلها فوائد في الحرب وحفظ الأمن وتحقيق معاني اللغة وكثير من العلوم ولاسيما الطب والتشريح... فلا يحظر منها ما ليس عبادة ولا تشبها بعبادة الأصنام بدليل ما ثبت في السنة الصحيحة من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهتك القرام ( الستار ) الذي نصبته ( عائشة ) في حجرتها إذ كان على هيئة الصور والتماثيل المعبودة فلما جعلت منه وسادة كان صلى الله عليه وسلم يستعملها وفيها الصور إذ كان الاتكاء والنوم عليها امتهانا لا تعظيما ولا يشبه التعظيم الوثني وقد حققنا هذا البحث ببيان ما ورد فيه من الأحاديث والآثار وأقوال العلماء في فتاوى المنار مرارا.
عود إلى تفسير الآية :
معنى النظم الكريم :( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ) إنهم تجاوزوه بعنايته سبحانه وتأييده إياهم بفلق البحر، وتيسير الأمور، حتى كأنه كان معهم بذاته فجاوزه مصاحبا لهم، أو المعنى إننا أيدناهم ببعض ملائكتنا، فجاوز بهم البحر بأمرنا، فمن المعهود في اللغة أن ينسب إلى الملوك ورؤساء القواد ما ينفذه بعض أتباعهم بأمرهم، وما يقع بجاههم وقوة سلطانهم، ويجوز الجمع بين المعنيين. ففرق البحر بهم كان بعناية الله وقدرته. وفي آخر الفصل الثالث عشر من سفر الخروج ذكر خبر ارتحال بني إسرائيل وقال :( وكان الرب يسير أمامهم نهارا في عمود من غمام ليهديهم الطريق وليلا في عمود من نار ليضيء لهم ليسروا نهارا وليلا* لم يبرح عمود الغمام نهارا وعمود النار ليلا من أمام الشعب ) ثم جاء في الفصل الرابع عشر منه بعد ذكر اتباع فرعون ومن معه بني إسرائيل ( فانتقل ملاك الله السائر أمام عسكر بني إسرائيل فصار وراءهم وانتقل عمود الغمام من أمامهم فوقف وراءهم* ودخل بين عسكر المصريين وعسكر إسرائيل، فكان من هنا غماما مظلما، وكان من هناك ينير الليل، فلم يقترب أحد من الفريقين طول الليل ).
وهذا بعض ما جاء في التوراة مما يصح أن يكون تفسيرا لقوله تعالى في القرآن وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فالباء هنا للمصاحبة كقولك سافرت به وجئت به، وإسناد المسير في عمود الغمام إلى الرب مجازي كقوله تعالى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة [ البقرة : ٢١٠ ] " فأتوا " عقب تجاوزهم إياه ودخولهم في بلاد العرب من البر الأسيوي على قوم يعكفون على أصنام لهم يعبدونها، فماذا كان من شأنهم إذ رأوهم يعبدون غير الله تعالى كالمصريين الذين أنقذهم الله تعالى منهم، وأراهم آياته على وحدانيته فيهم ؟ هل استهجنوا شركهم وأنكروه كما هو الواجب عليهم والمعقول ممن رأى ما رأوا من سوء مصير المشركين، وحسن عاقبة الموحدين ؟
الجواب أنهم لم ينكروه بألسنتهم ولا قلوبهم، بل قالوا يا موسى اجعل لهم إلها كما لهم آلهة حنينا منهم إلى ما ألفوا في مصر من عبادة آلهة المصريين وتماثيلها وأنصابها وقبورها، فعلم بهذا الطلب أنهم لم يكونوا فهموا التوحيد الذي جاء به موسى كما فهمه من آمن من سحرة المصريين، لأن السحرة كانوا من العلماء فأمكنهم التمييز بين آيات الله تعالى التي لا يقدر عليها غيره وبين السحر الذي هو من صناعات البشر وعلومهم، وأما هؤلاء الإسرائيليون فكانوا من العامة الجاهلين الذين بلد الذل أفهامهم، وإنما تبعوا موسى لإنقاذه إياهم من ظلم فرعون وتعبيده لهم، لا لفهمهم حقيقة التوحيد بالآيات الدالة عليه ولذلك قيل إنهم بعض القوم لا جميعهم، فالتوحيد المحض الخالص من شوائب الشرك والوثنية هو غاية ما يرتقي إليه عرفان البشر، وهو المراد من قوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ الذاريات : ٥٦ ] على القول بأن اللام للغاية، وهو لا يقتضي حصوله لكل فرد منهم، ولو عقل جميع بني إسرائيل كنه التوحيد لما وقع من تبرمهم بالتكاليف وتمردهم على موسى عليه السلام ما قصه الله تعالى علينا في كتابه، وفي التوراة التي لديهم من الزيادة عليه والتفصيل له ما هو من مواطن العجب، وقد ابتلاهم الله تعالى ورباهم بالحسنات والسيئات، وحرم الأرض المقدسة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، حتى انقرض ذلك الجبل الذي نشأ في حجر الوثنية، وشب أو اكتهل أو شاخ في ذل العبودية الفرعونية.
وقد رأينا نموذجا لذلك في طوائف من أمتنا ولدوا في مهد الظلم، وشبوا في حجر النفاق والفسق، فسنحت لأعلمهم بشؤون الاجتماع والعمران فرص متعددة كان يرجى أن يحرروا فيها أنفسهم من رقها السياسي ويستقلوا بأمرهم، فأضاعوها واحدة بعد أخرى، وكان هذا من عبر التاريخ التي تثبت أن فلاح الأمم بأخلاقها وعقائدها، وأن العلم الناقص شر من الجهل المطلق، وأن العلم الصحيح في الرجل أو الشعب الفاسد الأخلاق كالسيف في يد المجنون ربما جنى به على صديقه أو على نفسه وربما نصر به عدوه.
ولم يبين لنا كتاب الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم شيئا من أمر القوم الذين أتى عليهم بنو إسرائيل عقب خروجهم من مصر إلى أرض العرب والظاهر أنهم من العرب الذين كانوا يقيمون بقرب حدود مصر : روي عن قتادة أنهم من عرب لخم وعن أبي عمران الجوني لخم وجذام. وعن ابن جريج أن أصنامهم كانت تماثيل بقر من نحاس، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر فذاك كان أول شأن العجل لتكون لله عليهم حجة فينتقم منهم بعد ذلك أقول : ولم يكن ابن جريج يعلم أن قدماء المصريين كانوا يعبدون عجلا اسمه ( أبيس ) وكان بنو إسرائيل يعبدونه معهم كغيره من معبوداتهم، ويرون تماثيله منصوبة في معابدهم، وأن السامري لم يصنع لهم العجل بعد ذلك إلا لما كان من إلفهم لعبادته، وتأثر أعصابهم بما ورثوا من مظاهر روعته، ولذلك قال تعالى فيهم وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم [ البقرة : ٩٣ ] والمراد عجل السامري وقد علل إشرابهم إياه في قلوبهم بما كان من كفرهم السابق أي بالوراثة المتغلغلة في النفس بطول الزمان وتعاقب الأجيال، فذلك الذي يطول تأثيره في الأعقاب والأنسال.
ألم تر إلى ما استحدثه بعض المبتدعة في الإسلام وقلدهم فيه بعض الملوك المنسوبين إلى السنة : من تشييد القبور، وتزيينها بالعمائم والستور، وبناء القباب فوقها، واتخاذها مساجد يصلي إليها أو لديها، وإيقاد السرج والشموع عليها، أنه قد جعل لها مكانة دينية كبيرة في قلوب عامة المسلمين، حتى صارت عندهم من شعائر الدين، بحيث يعدون من روى لهم الأحاديث الصحيحة في لعن الله ورسوله لمن يفعل ذلك مبتدعا فيه أو مارقا منه، وينبزونه في


وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنّكم قوم تجهلون ١٣٨ إنّ هؤلاء متبّر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ١٣٩ قال أغير اللّه أبغيكم إلها وهو فضّلكم على العالمين ١٤٠ وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتّلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربّكم عظيم ١٤١
قصة موسى مع بني إسرائيل
هذه الآيات وما بعدها شروع في قصة موسى عليه السلام مع قومه بني إسرائيل معطوفة على قصته مع فرعون وقومه على أكمل وجوه العبرة مع السلامة من لغو القصص والتاريخ.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير