ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

وجاوزنا ببني إسرائيل البحر العرب تقول : جاوز الشيء وجاوز به غيره إذا جازه وتعداه، و( فاعل ) هنا معنى المجرد بمعنى : جاز. أي : إذا تخطاه وتعاده، وذلك أن الله ( جل وعلا ) لما أمر نبيه موسى أن يسري ببني إسرائيل ويرفع عنهم يد قهر فرعون، وأسرى بهم ليلا ذاهبين إلى جهة البحر الأحمر، وأن فرعون استيقظ من الصباح فلم يجد من الإسرائيليين أحدا، فأرسل فرعون في المدائن حاشرين، وزعم أن الإسرائيليين قليل إن هؤلاء لشرذمة قليلون ٥٤ وإنهم لنا لغائظون ٥٥ [ الشعراء : الآيتان ٥٤، ٥٥ ] وأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا، فلما ارتفع النهار تراءا الجمعان : بنو إسرئيل على شاطئ البحر، وفرعون يتبعهم من ورائهم، فخاف الإسرائيلون خوفا شديدا كما أوضحناه سابقا في سورة البقرة، قالوا : إن تقدمنا فالبحر أمامنا، وإن تاخرنا ففرعون وجنوده من ورائنا. فقال الله لهم ما قال في سورة طه : لا تخف دركا ولا تخشى وفي القراءة أخرى : لا تخف دركا ولا تخشى [ طه : آية ٧٧ ] دركا مما وراءك من فرعون وجنوده، ولا تخشى من البحر أمامك، سيجعل الله لكم مخرجا.
وعند ذلك أوحى الله إلى موسى أن يضرب بعصاه البحر فضرب البحر بعصاه فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم. يعني صار البحر كأنه جبال عظام بينها طرق، وأرسل الله عليها الريح –كما يقول المفسرون- فيبست كما أشار له تعالى بقوله : فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا [ طه : آية ٧٧ ] يزعم المفسرون أنه كانت في البحر اثنتي عشرة طريقا، وأن الأمواج ممسكة بين الطرق بقدرة الله وإرادته كأنها الجبال الشامخة، كما قال تعالى : فكان كل فرق كالطور العظيم [ الشعراء : آية ٦٣ ] أي : كالجبل الشامخ المنيف، ويزعم المفسرون أن الله جعل بينها فرجا كالكوة التي تكون في البيوت حتى صار ينظر بعضهم إلى بعض، وأنهم سلكوا في تلك الطرق قاطعين للبحر، وأن فرعون لما وجدهم دخلوا البحر يزعمون أنه كان على جواد ذكر من الخيل، وأن جبريل جاء أمامه على فرس وديق –وهي التي تحب الفحل، وإذا كانت تحب الفحل كان يشم فيها ريح ذلك –وأن الجواد شم فيها ريح ذلك واقتحم، فاقتحموا في البحر مع تلك الطرق، ولما جاوز موسى البحر ببني إسرائيل أراد أن يضرب البحر بعصاه ليلتئم، فقال له : واترك البحر رهوا [ الدخان : آية ٢٤ ] أي : خله ساكنا منفلقا. ليدخل فرعون وقومه فيغرقوا ؛ لأنه لو التطم لرجع إلى حالته ولرجعوا، فلما تكامل خروج بني إسرائيل ومجاوزتهم البحر، وتكامل دخول القبط –فرعون وقومه- أطبق الله عليهم البحر، وتلاطمت أمواجه، فلم يبق منهم داع ولا مجيب، كما أوضحناه سابقا في البقرة. وذلك معنى قوله : فانتقمنا منهم فاغرقناهم في اليم [ الأعراف : آية ١٣٦ ].
لما ماتوا كلهم وأنجى الله بني إسرائيل، ووقع الغرق بالقبط وهم ينظرون، كما تقدم في قوله : وأنتم تنظرون [ البقرة : آية ٥٠ ] لما وقع هذا وجاوزوا البحر كانوا في الحقيقة قوما غير طيبين ؛ لأنهم لما جاوزوا البحر أتوا على قوم يعبدون الأصنام، أتوا على قوم يعكفون وراء البحر لما جاوزه، وهؤلاء القوم يقول بعض المؤرخين : أنهم من لخم قبيلة العرب المشهورة. وبعضهم يقول : من لخم وجذام. وبعضهم يقول : هم من الكنعانيين الذين أمروا بقتالهم في البلاد المقدسة. وكان ابن جرير يقول : أصنامهم أمثلة البقر، فلما رأوا أمثلة البقرة كأنهم من ذلك الوقت أحبوا عبادة البقر ؛ ولذلك أخرج لهم السامري العجل كما هو معروف، وكان بعض المؤرخين يقول : هم قوم كانوا نازلين بالرقة من مصر. ويقولون : أنها من الريف، قريب من الساحل، يوصل منها إلى الفيوم. هكذا يقولون –والله تعالى أعلم-.
وعلى كل حال فلما جاوز الله بهم البحر بعد هذه الآيات والعبر وهذه النعم العظيمة طلبوا من نبيهم عبادة الأوثان –والعياذ بالله- وهذا يذل على عدم الطيب ؛ ولذا قال : وجوزنا بني إسرائيل البحر فأتوا على قوم فأتوا على قوم معناه : مروا على قوم.
يعكفون على أصنام لهم قرأ هذا الحرف جمهور القراء منهم السبعة غير حمزة والكسائي : يعكفون على أصنام لهم بضم الكاف. وقرأه من السبعة حمزة والكسائي : يعكفون على أصنام لهم بكسر الكاف. وهما قراءتان سبعيتان صحيحتان، ولغتان عربيتان فصيحتان.
والعكوف : معناه الإقامة، أي : يقيمون ملازمين عبادة الأصنام.
على أصنام لهم يعكفون مقيمين عليها دائما يعبدونها، ويقال : إنها تماثيل بقر كما قاله ابن جريج.
قالوا يا موسى اجعل لنا إلها صنما مثل أصنام هؤلاء نعبده كما لهم آلهة ( ما ) بقوله : كما لهم آلهة ) قيل : هي كافة للكاف ؛ ولذا جاءت بعدها جملة. وبعضهم يقول : هي مصدرية. وبعضهم يقول : موصولة. والخطب في ذلك سهل. والمعنى : كما أن هؤلاء لهم آلهة فاجعل لنا إلها كآلهتهم نعبده –والعياذ بالله- وبعض العلماء يقول : هم كفروا بهذا القول ؛ لأن من طلب عبادة غير الله فقد كفر. وقال بعض العلماء : كانوا قوما يتمكن منهم الجهل، يظنون أن من تقرب إلى الله بعبادة غيره أن ذلك يقربه إلى الله ! ! ويعتقدون أن ذلك يصح ! وهذا غاية الجهل، كما قال لهم نبي الله موسى :{ إنكم قوم تجهلون وصفهم بالجهل المطلق، وجاء بصيغة المضارع يشير إلى أن الجهل كأنه معهم في الحال والمستقبل لا يفارقهم.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير