ﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾ

وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنّكم قوم تجهلون ١٣٨ إنّ هؤلاء متبّر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ١٣٩ قال أغير اللّه أبغيكم إلها وهو فضّلكم على العالمين ١٤٠ وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتّلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربّكم عظيم ١٤١
قصة موسى مع بني إسرائيل
هذه الآيات وما بعدها شروع في قصة موسى عليه السلام مع قومه بني إسرائيل معطوفة على قصته مع فرعون وقومه على أكمل وجوه العبرة مع السلامة من لغو القصص والتاريخ.
قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضّلكم على العالمين أي قال لهم موسى أأطلب لكم معبودا غير الله رب العالمين وخالق السماوات والأرض وكل شيء والحال أنه فضلكم على العالمين، لما جدد فيكم من التوحيد وهداية الدين، على ملة إبراهيم وسنة المرسلين ؟ فماذا تبغون من عبادة غيره معه أو من دونه ؟ والاستفهام في الآية للإنكار المشرب معنى التعجب، وإنما وهو إنكار ابتغاء إله غير الله المستحق وحده للعبادة لا إنكار تسمية المعبود المصنوع إلها. وأبغي ينصب مفعولين بنفسه كقوله تعالى : يبغونكم الفتنة [ التوبة : ٤٧ ].
بدأ موسى عليه السلام جوابه لقومه بإثبات جهلهم بربهم وبأنفسهم، وثنى ببيان فساد ما طلبوه وكونه عرضة للتبار والزوال، وباطلا في نفسه على كل حال، فلا الطالب على علم وعقل فيما طلب، ولا المطلوب مما يصح أن يطلب، ( ضعف الطالب والمطلوب ) فهذا ملخص معنى الآية السابقة.
ثم انتقل في هذه الآية إلى المطلوب منه جعل الإله لهم – وهو عليه السلام- والمطلوب لأجله هذا الجعل –وهو الله تعالى- وموسى على الحق والله تعالى هو الحق والذي يحق الحق، وبين هذين الحقين وذينك الباطلين غاية المباينة فلذلك كان هذا جوابا مستقلا مباينا لما قبله بحيث لا ينبغي أن يعطف عليه عطفا، ولا أن يعد معه عدا، ولهذا أعاد فيه كلمة " قال " كما سنبينه. وقد قدم فيه ذكر الأهم الأفضل المقصود بالذات من هذين الحقين فقال ( أغير الله ) فغير الله أعم الألفاظ الدالة على المحدثات فهو يشمل أخس المخلوقات وأعجزها من النفع والضر كالأصنام، ويشمل أفضلها وأكلمها كالملائكة والنبيين عليهم السلام، ليثبت أنه لا يوجد مخلوق يستحق العبادة مع الله تعالى وإن علا قدره، وعظم أمره، وإن تجهيلهم بما طلبوا لا لأن المطلوب كالأصنام خسيس وباطل في نفسه، وعرضة للتبار فلا فائدة فيه لغيره، -لا لهذا فقط- بل لأن العبادة لا يصح أن تكون لغير الله تعالى البتة، مهما يكن غيره مكرما عنده، ومفضلا على كثير من خلقه، على أن طلب عبادة الأخس، دليل على منتهى الخسة والجهل، إذ لا شبهة توهم قدرته على الإثابة أو التقريب من الله عز وجل، كشبهة من عبدوا الملائكة وبعض النبيين والصالحين، زاعمين أنهم بكرامتهم عند الله يقربون إليه من قصر به إيمانه وعمله أن يتقرب إليه بنفسه، مع إصراره على خبثه ورجسه، جاهلين أن الله تعالى أمر المشركين والفاسقين، أن يتوبوا أي يرجعوا إليه لا إلى غيره من عباده المكرمين، وأن يدعوه وحده كدعائهم مخلصين له الدين، وإن يخصوه مثلهم بالعبادة والاستعانة وذلك ما فرضه علينا في صلاتنا بقوله : إياك نعبد وإياك نستعين [ الفاتحة : ٥ ].
وبعد أن قدم المقصود بالذات من الإنكار وهو جعل غير الله إلها ذكر من أرادوا أن يكون الواسطة في هذا الجعل، الذي دعا إليه ذلك الجهل، وهو نفسه عليه السلام بقوله أبغيكم إلها ليعلمهم أن طلب هذا الأمر والشيء والمنكر الفظيع منه عليه السلام جهل قيمته، وبمعنى رسالته، وبما رأوه من جهاده لفرعون وقومه، من غير حول ولا قوة له في شخص أخيه ولا في شخصه، بالاتكال على حول الله وقوته، ولولا إرادة إنكار الأمرين معا : طلب إله مع الله، وكونه بجعله عليه السلام –لقال : أغير الله تبغون إلها. كقوله تعالى : أفغير دين الله يبغون [ آل عمران : ٨٣ ].
ثم أيد هذا الإنكار بما يعرفون من آيات الله تعالى فيهم، وهو تفضيلهم على أهل زمانهم، فقد كان أرقى الناس في ذلك العصر فرعون وقومه بما أوتوا من العلم والقوة والحضارة وسعة الملك ومن السيادة على بعض الشعوب، وقد فضل الله بني إسرائيل عليهم، برسالة موسى وهارون منهم، وتجديد ملة إبراهيم فيهم، وإيتائهما من الآيات ما تقدم بيانه وأثره في السياق الذي قبل هذا، وقيل إن المراد تفضيلهم على العالمين مطلقا بكثرة الأنبياء والمرسلين منهم، والأول أظهر، لأنه عليه السلام احتج عليهم بما عرفوا فيبعد أن يراد به تفضيلهم على القرون الأولى وأقوام رسلهم وعلى من سيأتي بعدهم، وحال كل منهما مجهول عنده وعندهم، فقد سأل فرعون موسى عن القرون الأولى فقال علمها عند ربي والقرون الآخرة بذلك أولى. وأنت إذا قلت لغني أو عالم إنك أغنى أو أعلم الناس، أو لملك : إنك أقوى الملوك، أو في شعب إنه أرقى الشعوب –فإن أحدا لا يفهم من مثل هذا تفضيل من ذكر على غير أهل زمانهم، ولاسيما من يأتي بعدهم، وأهل الحضارة في زماننا يعتقدون أن الأجيال الآتية سيكنون خيرا من هذا الجيل، وكان موسى يعلم أن هداية الدين، سترتقي إلى أن تكمل برسالة خاتم النبيين، ولكنه أوتي هذا العلم بما أوحاه الله إليه في التوراة ولم يكن نزل منها شيء عند طلب بني إسرائيل منه ما ذكر.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير