هذا الربع، كله متعلق بقصة موسى وبني إسرائيل من جهة، وفرعون وقومه من جهة أخرى، وهو استمرار لقصة موسى التي ابتدأت في الربع الماضي من قوله تعالى : ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملإيه فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين .
وقد استغرقت قصة موسى أكثر من ثلاثة أرباع هذا الحزب السابع عشر، مما يؤكد ما نبهنا إليه في مطلع سورة الأعراف، من أن قصة موسى وفرعون هي أطول قصة وردت في هذه السورة من بين قصص الأنبياء السابقين، ولعل الحكمة في ذلك – والله أعلم – أن للأمة الإسلامية، وغيرها من الأمم حسابا طويلا وعسيرا مع بني إسرائيل – علاوة على حساب نبيهم موسى نفسه معهم – بدأ منذ ظهور الرسالة المحمدية، ولم ينته ذلك الحساب حتى الآن، فالله تعالى يريد أن يكون المسلمون أولا، وغيرهم بالتبع، على بينة من أمر بني إسرائيل والأطوار التي تقلبوا فيها جملة وتفصيلا، حتى يعدوا العدة لمواجهة دسائسهم، والوقوف في وجه مطامعهم جيلا فجيلا، وبديهي أن كتاب الله لا يورد القصص على أنها نوادر وأسمار، وإنما يوردها تنويرا للبصائر والأبصار.
وأخيرا ذكرهم موسى بالرسالة التي حملها إليهم إذ جاءهم برسالة التوحيد، وذكرهم بتفضيلهم إن عملوا بها على فرعون وآله، لما كان عليه هو وقومه من الشرك والوثنية، وعدم الاتعاظ بنذر الله المتوالية، وذلك ما أشار إليه موسى عليه السلام بقوله إذ خاطبهم من جديد : قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين، وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب . الآية. لكن مواعظ موسى عليه السلام لم تترك في نفوس بني إسرائيل أثرها المرغوب، لا في حياته ولا بعد مماته، ولم يلبثوا إلا قليلا حتى فقدوا الرشد والصواب، وتوعدهم الحق سبحانه وتعالى : ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري