قال تعالى : وكتبنا له في الألواح من كل شيءٍ يحتاجون إليه موعظةً أي : تذكيرًا وتفصيلاً لكل شيءٍ يتوقفون عليه في الأحكام والوعظ. واختلف في الألواح : هل كانت سبعة أو عشرة أو اثنين، وهل كانت من زمرد أو زبرجد أو ياقوت أحمر، أو خشب، أو صخرة صماء، شقها الله تعالى لموسى عليه السلام فقطعها بيده، وكان فيها التوراة.
قال تعالى لموسى عليه السلام : فخُذهَا أي : الألواح أو الرسالة بقوة أي : بجد واجتهاد، وأْمُرْ قومكَ يأخذوا بأحسنها بأحسن ما فيها، فإن فيها ما هو حسن وأحسن منه ؛ كالقصاص مع العفو، أو بواجباتها، فإن الواجب أفضل من المندوب، وهذا كقوله في كتابنا : وَاتَّبِعُوَاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِكُم [ الزُّمَر : ٥٥ ]، ويجوز أن يراد بالأحسن : البالغ في الحسن مطلقًا، لا بالإضافة إلى غيره، كقولهم : الصيف أحر من الشتاء، فيكون الأمر بأخذ كل ما فيها لأنه بالغ الحسن، ثم بشرهم بخراب ملك عدوهم، فقال : سأُريكُم دارَ الفاسقين أي : دار فرعون وقومه خاوية على عروشها، أي : أريكم كيف أقفَرَت منهم لمّا هلكوا، وقيل : منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم، لتعتبروا بها، وقيل : جهنم.
وقرأ ابن عباس :" سأورثكم " بالثاء المثلثة، كقوله : وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَآءِيلَ
[ الشُّعَرَاء : ٥٩ ].
وقوله تعالى : يأخذوا بأحسنها قال الورتجبي : يأخذون بأبينها لهم، وهي المحكمات التي توجب العبودية، ويأخذون بمتشابهها التي هي وصف الصفات بحسن الاعتقاد والتسليم فيها، لأن علومها وحقائقها لا تكشف إلا للربانيين. قال تعالى : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالْرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [ آل عِمرَان : ٧ ] الآية. هـ. وقوله تعالى : سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض . قال القشيري : سأحرِمُ المتكبرين بركة الاتباع، حتى لا يتلقوا الآيات التي يُكاشَفَون بها بالقبول، ولا يسمعوا ما يُخَاطَبُون به بسمع الإيمان. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي