تفسير المفردات : بقوة : أي بجد وعزيمة وحزم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه ما أنعم به على بني إسرائيل من النجاة من العبودية ومن جعلهم أمة حرة مستقلة قادرة على القيام بما شرعه الله لها من العبادات والأحكام ـ ذكر هنا بدء وحي الشريعة لموسى عليه السلام ممتنا عليهم بما حصل لهم من الهداية بتكليم موسى وإعطائه التوراة، وفيها تفاصيل شرعهم وبيان ما يقربهم من ربهم من الأحكام، وقد روي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهو بمصر، إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فبينت هذه الآية كيفية نزول هذا الكتاب وهو التوراة.
الإيضاح : وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء أي إننا أعطينا ألواحا كتبنا له فيها أنواع الهداية والمواعظ التي تؤثر في القلوب ترغيبا وترهيبا وتفصيلا لأصول الشرائع وهي أصول العقائد والآداب وأحكام الحلال والحرام.
والراجح : أن هذه الألواح كانت أول ما أوتيه من وحي التشريع الإجمالي. أما سائر الأحكام التفصيلية من العبادات والمعاملات المدنية والحربية والعقوبات فكانت تنزل عليه وقت الحاجة كالقرآن.
وقد اختلفوا في عدد الألواح، فمن مقل إنها اثنان، ومن مكثر قال إنها عشرة أو سبعة.
وجاء في التوراة في شأن الألواح في سفر الخروج :( قال الرب لموسى اصعد إلى الجبل وكن هنا فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعلمهم الكلمات العشر ) وجاء فيها أيضا :( ثم انثنى موسى ونزل من الجبل ولوحا الشهادة في يده. لوحان مكتوبان على جانبيهما، من هنا ومن هناك كانا مكتوبين، واللوحان هما صفة الله والكتاب كتابة الله منقوشة على اللوحين ). وجاء فيها :( وقال الرب لموسى أكتب لك هذا الكلام لأني بحسبه عقدت عهدا معك ومع بني إسرائيل وأقام هناك عند الرب أربعين يوما وأربعين ليلة لم يأكل خبزا ولم يشرب ماء فكتب على اللوحين كلام العهد الكلمات العشر ) ومن هذا تعلم أن ما كتبه المفسرون عن الإسرائيليات مخالفا لذلك فهو باطل، أراد به واضعوه الكذب والافتراء، فيجب علينا أن نمحص تلك الروايات ونحققها من كتبهم.
فخذها بقوة أي وكتبنا له في الألواح ما ذكر وقلنا له : هذه وصايانا وأصول شريعتنا وكلياتها، فخذها بقوة وجد وعزم، ذلك أنك ستكون بها شعبا جديدا بعادات جديدة وأخلاق جديدة مخالفة في جوهرها وصفاتها لما كان عليه من الذل والعبودية لدى فرعون وقومه، وما كان عليه من الشرك والوثنية التي ألفها وراضت نفسه لقبولها، فأنى للقائد والمرشد أن يصلح ذلك الفساد ويرأب ذلك الصدع إذا لم يكن ذا عزيمة وقوة وبأس شديد وحزم في أوامره ونواهيه ؟
وأمر قومك يأخذوا بأحسنها أي وأمر قومك بالاعتصام بهذه الموعظة والأحكام المفصلة في الألواح التي هي منتهى الكمال والحسن كالإخلاص لله في العبادة. إذ يتحلى العقل وتتزكى النفس، مع ترك اتخاذ الصور والتماثيل لأنها ذرائع للشرك وسبب للوصول إليه.
سأريكم دار الفاسقين أي إن لم تأخذوا ما آتيناكم بقوة وتتبعوا أحسنه كنتم فاسقين عن أمر ربكم فيحل بكم ما حل بالفاسقين من قوم فرعون الذين أنجاكم الله منهم، ونصركم عليهم وسيريكم ما حل بهم بعدكم من الغرق.
قال ابن كثير : أي سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدمار.
قال ابن جرير : وإنما قال سأريكم دار الفاسقين كما يقول القائل لمن يخالفه : سأريك غدا ما يصير إليه حال من خالف أمري على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره.
وفي الآية عبرة لمن يقرؤها ويتدبر أمرها من وجوه :
( ١ ) إن الشريعة يجب أن تتلقى بعزيمة وجد لتنفيذ ما بها من الإصلاح وتكوين الأمة تكوينا جديدا، ومظهر ذلك الرسول المبلغ لها والداعي إليها والمنفذ لها بقوله وعمله فهو الأسوة والقدوة، وهذه سنة الله في كل انقلاب، وتجديد اجتماعي وسياسي وإن لم يكن بهدي الله، فما بالك بالدين وهو أحوج ما يكون إلى إصلاح الظاهر والباطن، وقد أخذنا سلفنا الصالح القرآن بقوة بالعمل بهداية دينهم لا بالتبرك بالمصاحف والتغني بالقرآن في المحافل، فسادوا جميع الأمم التي كانت لها القوة الحربية والصناعية والمالية والعددية، وسعدوا به في دنياهم وسيكونون كذلك في آخرتهم، وخلف من بعدهم خلف أعرضوا عنه وتركوا هدايته فشقوا في دنياهم وآخرتهم كما قال : يضل به كثيرا ويهدي كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين٢٦ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون [ البقرة : ٢٦ ٢٧ ].
( ٢ ) إن شعب إسرائيل عظم ملكه حين أقام شريعته بقوة حتى إذا غلبه الغرور وظن أن الله ينصره لنسبه وأنه شعب الله ففسق وظلم أنزل الله به البلاء وسلط عليه البابليين فأزالوا ملكه، ثم ثاب إلى رشده فرحمه وأعاد إليه بعض ملكه، ثم ظلم وأفسد فسلط عليه النصارى فمزقوه كل ممزق.
( ٣ ) إن المسلمين الذين اتبعوا سننهم اغتروا بدينهم كما اغتروا واتكلوا على لقب الإسلام ولقب أمة محمد ولم يثوبوا إلى رشدهم، فزالت دولتهم وذهب ريحهم وامتلك عدوهم ناصيتهم وجد في إفساد عقائدهم وأخلاقهم وإيقاع الشقاق فيما بينهم وتولى تربيتهم وتعليمهم كما يحب ويهوى، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
تفسير المراغي
المراغي