قَالُوا نَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هِيَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ أُمَّةً يَأْكُلُونَ كَفَّارَاتِهِمْ وَصَدَقَاتِهِمْ، وَكَانَ الْأَوَّلُونَ يَحْرِقُونَ صَدَقَاتِهِمْ بِالنَّارِ، وَهُمُ الْمُسْتَجِيبُونَ وَالْمُسْتَجَابُ لَهُمْ الشَّافِعُونَ الْمَشْفُوعُ لَهُمْ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هِيَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَجِدُ أُمَّةً إِذَا أَشْرَفَ أَحَدُهُمْ عَلَى شَرَفٍ كَبَّرَ اللَّهَ فَإِذَا هَبَطَ وَادِيًا حَمِدَ اللَّهَ، الصَّعِيدُ لَهُمْ طَهُورٌ وَالْأَرْضُ لَهُمْ مَسْجِدٌ حَيْثُ مَا كَانُوا، يَتَطَهَّرُونَ مِنَ الْجَنَابَةِ طَهُورُهُمْ بِالصَّعِيدِ كَطَهُورِهِمْ بِالْمَاءِ حَيْثُ لَا يَجِدُونَ الْمَاءَ، غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هِيَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ أُمَّةً إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ مِثْلُهَا وَإِنَّ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ ضِعْفَ عَشْرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هِيَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ أُمَّةً مَرْحُومَةً ضُعَفَاءَ يَرِثُونَ الْكِتَابَ مِنَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ وَلَا أَجِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا مَرْحُومًا فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هِيَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَجِدُ أُمَّةً [مَصَاحِفُهُمْ] (١) فِي صُدُورِهِمْ يَلْبَسُونَ أَلْوَانَ ثِيَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُصَفُّونَ فِي صَلَاتِهِمْ صُفُوفَ الْمَلَائِكَةِ أَصْوَاتُهُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ كَدَوِيِّ النَّحْلِ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَبَدًا إِلَّا مَنْ يَرَى الْحِسَابَ مِثْلَ مَا يَرَى الْحَجَرَ من وراء الشحر، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هِيَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، فَلَمَّا عَجِبَ مُوسَى مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَى اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ قَالَ: يَا لَيْتَنِي مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ثَلَاثَ آيَاتٍ يُرْضِيهِ بِهِنَّ: "يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي" إِلَى قَوْلِهِ: "سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ، وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ"، فَرَضِيَ مُوسَى كُلَّ الرِّضَا" (٢).
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَكَتَبْنَا لَهُ يَعْنِي لِمُوسَى، فِي الْأَلْوَاحِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَلْوَاحَ
(٢) عزاه السيوطي لأبي نعيم في الدلائل عن عبد الرحمن المغافري عن كعب الأحبار موقوفا عليه. انظر: الدر المنثور: ٣ / ٥٥٧-٥٥٨، وبنحوه أخرجه الطبري أيضا عن قتادة سببا لنزول قوله تعالى: "وألقى الألواح" ولم يذكر ذلك البغوي في روايته. قال ابن عطية الأندلسي في تفسيره: ٦ / ٨٧ "وهذا قول رديء لا ينبغي أن يوصف موسى عليه السلام به". وقال الحافظ ابن كثير: "وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولا غريبا، لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة، وقد رده ابن عطية وغير واحد من العلماء، وهو جدير بالرد، وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذابون ووضاعون وأفاكون وزنادقة". انظر: تفسير ابن كثير: ٢ / ٢٤٩. وقال القرطبي: "ولا التفات لما روي عن قتادة إن صح، ولا يصح أن إلقاء الألواح إنما كان لما رأى من فضيلة أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يكن ذلك لأمته، وهذا قول رديء لا ينبغي أن يضاف إلى موسى عليه السلام". تفسير القرطبي: ٧ / ٢٨٨.
التَّوْرَاةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: "كَانَتْ مِنْ سِدْرِ الْجَنَّةِ طُولُ اللَّوْحِ اثْنَا عَشَرَ ذِرَاعًا" (١). وَجَاءَ فِي أَحَادِيثِ خَلْقِ اللَّهِ آدَمَ بِيَدِهِ: "وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ وَغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبَى بِيَدِهِ" (٢).
وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَتِ الْأَلْوَاحُ مِنْ خَشَبٍ. قال الكلبي ١٣٧/ب كَانَتْ مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَتْ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: كَانَتِ الْأَلْوَاحُ مَنْ بَرَدٍ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَتْ مِنْ زُمُرُّدٍ، أَمَرَ اللَّهُ جِبْرِيلَ حَتَّى جَاءَ بِهَا مَنْ عَدَنٍ، وَكَتَبَهَا بِالْقَلَمِ الَّذِي كُتِبَ بِهِ الذِّكْرُ وَاسْتُمِدَّ مَنْ نَهْرِ النُّورِ وَقَالَ وَهْبٌ: أَمَرَهُ اللَّهُ بِقَطْعِ الْأَلْوَاحِ مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيَّنَهَا اللَّهُ لَهُ فَقَطَعَهَا بِيَدِهِ ثُمَّ شَقَّقَهَا بِأُصْبُعِهِ، وَسَمِعَ مُوسَى صَرِيرَ الْقَلَمِ بِالْكَلِمَاتِ الْعَشَرَةِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، وَكَانَتِ الْأَلْوَاحُ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ عَلَى طُولِ مُوسَى. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَوَهْبٌ: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ كَنَقْشِ الْخَاتَمِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: نَزَلَتِ التَّوْرَاةُ وَهِيَ سَبْعُونَ وِقْرِ بَعِيرٍ، يُقْرَأُ الْجُزْءُ مِنْهُ فِي سَنَةٍ، لَمْ يَقْرَأْهُ إِلَّا أَرْبَعَةُ نَفَرٍ: مُوسَى، وَيُوشَعُ، وَعُزَيْرٌ، وَعِيسَى.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هَذِهِ الْآيَةُ فِي التَّوْرَاةِ أَلْفُ آيَةٍ يَعْنِي "وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ" مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا أُمِرُوا بِهِ وَنُهُوا عَنْهُ، مَوْعِظَةً نَهْيًا عَنِ الْجَهْلِ، وَحَقِيقَةُ الْمَوْعِظَةِ: التَّذْكِرَةُ وَالتَّحْذِيرُ بما يخاف عاقتبه، وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ أَيْ: تَبْيِينًا لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ. فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ أَيْ: بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ، وَقِيلَ: بِقُوَّةِ الْقَلْبِ وَصِحَّةِ الْعَزِيمَةِ، لِأَنَّهُ إِذَا أَخَذَهُ بِضَعْفِ النِّيَّةِ أَدَّاهُ إِلَى الْفُتُورِ، وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُحِلُّوا حَلَالَهَا، وَيُحَرِّمُوا حَرَامَهَا، وَيَتَدَبَّرُوا أَمْثَالَهَا، وَيَعْمَلُوا بِمُحْكَمِهَا، وَيَقِفُوا عِنْدَ مُتَشَابِهِهَا وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَشَدُّ عِبَادَةً مِنْ قَوْمِهِ، فَأُمِرَ بِمَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ.
قَالَ قُطْرُبٌ: بِأَحْسَنِهَا أَيْ بِحُسْنِهَا، وَكُلُّهَا حَسَنٌ. وَقِيلَ: أَحْسَنُهَا الْفَرَائِضُ وَالنَّوَافِلُ، وَهِيَ مَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهَا الثَّوَابُ، وَمَا دُونَهَا الْمُبَاحُ، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ الثَّوَابُ. وَقِيلَ: بِأَحْسَنِهَا بِأَحْسَنِ الْأَمْرَيْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَالْعَفْوِ أَحْسَنَ مِنَ الْقِصَاصِ، وَالصَّبْرِ أَحْسَنَ مِنَ الِانْتِصَارِ.
سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَصِيرُهَا فِي الْآخِرَةِ. قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: يَعْنِي
(٢) عزاه السيوطي لابن أبي الدنيا في صفة أهل الجنة وأبي الشيخ في العظمة، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: ٢ / ٤٧ "إن الله عز وجل خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده" وقال: هذا مرسل.
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
محمد عبد الله النمر