ويقول الحق بعد ذلك : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ( ١٤٥ ) .
والكِتْب هو الرقم بقلم على ما يكتب عليه من ورق أو جلد أو عظم أو أي شيء، وعندما يقول ربنا : وكتبنا فالله لم يزاول الكتابة بنفسه، ولكن رسله من الملائكة يكتبون بأمر من الحق وهو القائل : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا ( من الآية ١٢ سورة يس ).
وكتابة الرسل من الملائكة لأعمالنا هي بالأمر من الله، ومرة ينسب الأمر إلى الأعلى، أو ينسب إلى المباشر أو إلى الواسطة : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا . ونحن نعرف الألواح، وكنا نكتب عليها قديما. وللكتابة على الألواح سبب، فقديما كانوا يكتبون على أي شيء مبسوط، وتبين لنا الآثار أن هناك كتبا مكتوبة على جلود الحيوانات، مثلا نجد قدماء المصريين قد كتبوا على الأحجار، مثل حجر رشيد الذي أتاح لنا معرفة تاريخهم. وكان العرب يكتبون على القحف المأخوذ من النخل، وكذلك كتبوا على عظام الذبائح، أخذوا منها قطعة العظم المبسوطة مثل عظم اللوح وكتبوا عليها، وكانت هذه الوسيلة مشهورة جدا لديهم، وصار كل مكتوب عليه يسمونه لوحا.
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ( من الآية ١٤٥ سورة الأعراف ) : وقوله سبحانه : من كل شيء يعني : من كل شيء تتطلبه خلافة الإنسان في الأرض في الوقت المناسب له ؛ فالرسل تأتي بعقيدة، لكن قد يأتي تشريع مناسب للفترة الزمنية التي جاء فيها الرسول، ويضيف الله لرسول آخر يأتي من بعده، إلى أن جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالمنهج المكتمل إلى قيام الساعة.
لقد أوضح سبحانه أنه كتب في الألواح الموعظة والتفصيل لمنهج الحياة،
والموعظة تعني ألا تنشئ حكما للسامع، بل تعظه بتنفيذ ما عُلِم له من قبل، ولذلك يقال : واعظ وهو الذي لا ينشئ مسائل جديدة. بل يعرف أن المستمع يعلم أركان الدين ويعظه بما يعلم.
وقوله الحق سبحانه : وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ أي أن الكلام لم يأت
مجملا، بل يأتي بالتفصيل، ويأمر الحق موسى أن يقبل على الموعظة والتفصيلات التي في الألواح بقوة. ولماذا جاء الأمر هنا بأن يأخذها بقوة ؟ لأن الإنسان حين يؤمر أمرا قد يكون الأمر مخالفا لرتابة ما ألف، وحين يُنهى نهيا قد يكون هذا النهي مخالفا لرتابة ما ألف. وبذلك ينزع هذا النهي أو ذلك الأمر الإنسان مما ألف، ويأخذه ويخرجه عما اعتاد.
إن الإنسان في هذه الحالة إلى قوة نفس تتغلب على الشهوة الرتيبة التي تخلقها العادة، ولذلك فمن يريد أن يقبل على منهج الله فعليه أن يعرف أن المنهج سوف يخرجه مما ألف، ولابد له أن يقبل على المنهج بقوة وعزم ليواجه إلف النفس، لأن إلف النفس قد يقول للإنسان : لا تفعل، والمنهج يقول له : " افعل " وعلى المؤمن إذن أن يأخذ التكاليف بقوة، لأن شهوات النفس تحقق متع الدنيا الزائلة، والمنهج يعطي متعة طويلة الأجل.
إن الشهوة قد تحقق للإنسان لذة على مقدار قدرته واستعداده، لكن التكليف يعطي للمؤمن نفعا يتناسب مع طلاقة قدرة الله في النفع. إذن لابد أن تشحن نفسك بما يعطيه الله لك من المنهج، وإياك ساعة أن ترى المنهج مطالبا لك ببعض من الجهد أن تقول : إن تلك أمور صعبة لأنك لست وحدك في المنهج، بل معك غيرك. فإذا قال لك : لا تسرق، إياك أن تقول : أيحدد المنهج حريتي ؟ لا، لا تنظر إلى أن حظر وتحريم السرقة هو تحديد لحريتك بل هو صيانة لك من أن يتعدى عليك آخرون ؛ فقد قال المنهج للناس كلهم لا تسرقوا منه وأنت الكاسب في هذه الحالة. ويتابع الحق بيان ما في الألواح من قيم فيقول سبحانه :
وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا . " أحسن " تفيد أن هناك مرتبة أقل منها وهي " حسن " ؛ فأمرهم الحق أن يتركوا الحسن ويأخذوا بالأحسن، ونعلم أن الإنسان من الأغيار، إذا ما أصابته مصيبة من أحد يعتبره غريما له، فإذا ما كان للإنسان غريم تحركت نوازع نفسه إلى عقابه بمثل ما أصابه به. وهذا ما يبيحه الله في القصاص، ولكن الله يطلب من المؤمن إن قدر على نفسه أن يعفو، إذن فالعقوبة بالقصاص أو بغيره ما دامت مشروعة من الله بمثل ما عوقبت فهذه مرتبة الحسن، لكن إذا تركت نوازع نفسك وعفوت فهذه مرتبة " الأحسن "، وجاءت هذه الترقيات لأن الحق سبحانه وتعالى خلق في الإنسان عواطف وغرائز مهمة في حركة الحياة، ولكن العواطف لا يمكن أن يسيطر عليها الإنسان، ولذلك لا يقنن الله للعاطفة ولكنه سبحانه يقنن للغرائز. كيف ؟.
نحن نعلم أن " حب الطعام " غريزة، ولكن يجب ألا يصل حب الطعام إلى مرتبة النهم والشره. وأيضا " بقاء النوع " أو المتعة الجنسية أوجدها الحق من أجل بقاء النوع. لكن لا يصح أن تتحول إلى درجة الشرود والوقوع في أعراض الناس وانتهاك حرماتهم، وحب الاستطلاع غريزة، والذين اكتشفوا الكشوف العلمية جاءت أعمالهم من حب استطلاعهم على أسرار الوجود. لكن لا يصح ولا ينبغي أن يصل حب الاستطلاع إلى التجسس الاستذلالي.
إن للإنسان غرائز يعليها الشرع ؛ أما الحب فهو مسألة عاطفية. فالمشرع، يقول لك : أحبب من شئت وأبغض من شئت، ولكن لا تظلم من أبغضته ولا تظلم الناس لحساب من أحببت.
ولنا في رسول الله أسوة حسنة حين قال :" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين " ١، فقال عمر : كيف ؟ وكررها رسول الله فعلم عمر رضي الله عنه بفطرته أن ذلك أمر تكليفي. وعرف أن الحب المراد هو الحب العقلي. فيقول المؤمن لنفسه : من أنا لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟. وكل مؤمن يحب رسول الله حبا عقليا، وقد يتسامى إلى أن يصير حبا عاطفيا. والإنسان منا كما قلنا سابقا يحب الدواء بعقله لا بعاطفته لأنه مُرّ، ولكنه يغضب إن اختفى الدواء من الأسواق ويفرح بمن يأتي له به.
إذن التكليف يتطلب الحب العقلي. ومن أخبار سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما مرّ أمامه قاتل أخيه زيد بن الخطاب فقال له عمر : ازو نفسك عني فأنا لا أحبك، فرد الرجل بكل جرأة إيمانية : أو عدم حبك لي يمنعني حقا من حقوقي ؟. قال عمر : لا، قال الرجل : إنما يبكي على الحب النساء.
والحق يقول هنا : يأخذوا بأحسنها فمثلا، حين يُقتَل إنسان فلولي الدم أن يقتص، لكن الحق يحنن قلب ولي الدم على القاتل فيقول : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ( من الآية ١٧٨ سورة البقرة ).
وحين يسمي الحق القاتل أخا فهو يهدئ من صراع العواطف ويخفف من رغبة الانتقام. ويقول سبحانه أيضا : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( ٤٣ ) ( سورة الشورى )، ونجده سبحانه يؤكد أن مثل هذا الأمر من " عزم الأمور " لأنه أمر يتطلب الصبر والمغفرة. ومادام المؤمن قد استطاع أن يصبر وأن يغفر لغريم له، أفلا يصبر إذا نزلت مصيبة عليه بدون غريم كمرض مفاجئ أو افتقاد حبيب ؟. من إذن غريمك في المرض ؟ وممن تغضب، وعلى من تهيج وإلى أين انفعالك ؟ ولذلك يقول لك الحق سبحانه : واصبر على ما أصابك أي مما لا غريم لك فيه، ويوضح لك سبحانه : إن ذلك من عزم الأمور . ونلحظ أن الحق هنا يؤكد " باللام " لكنه أكد الأخرى " باللام " ؛ لأن لك غريما يهيجك ساعة أن تراه، وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق لسيدنا موسى : وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا .
يعني إذا وجدت لهم ذريعة ووسيلة وسببا إلى شيء ويوجد ما هو أحسن فأمرهم أن يأخذوا بالأحسن، لماذا ؟ ؛ لأن الإنسان إذا روّض نفسه وذللها وعودها على الأحسن قد فهم عن الله. ونفرض أن واحدا أساء إليك ويمكنك أن تسيء إليه، فعليك أن تراعي في ردك للإساءة أن تكون بقدرها مصداقا لقول الحق سبحانه :
فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ( من الآية ١٢٦ سورة النحل ).
ولكن من منا يتصف بالدقة في الموازين النفسية حتى يستطيع أن يعرف المثلية بالهوى ؟ فإن كان هناك من صفعك وتريد أن ترد الصفعة، فمن أين لك أن تقدر حجم الألم الذي في صفعتك له ؟. لا يمكن لك أن تحدد هذا القدر من الألم ؛ لأن هذه مسألة تتناسب مع القوة. إذن لماذا تدخل نفسك في متاهات، ولماذا لا تعفو وينتهي الأمر ؟.
وحين يدلك الحق على أن العفو أحسن، إنما يريد بذلك أن ينهي شراسة النفوس وضغن الصدور. فحين يقتل إنسان إنسانا آخر ؛ سيكون هناك قصاص ودم، ولكن إذا عفا وليّ الدم تكون حياة المعفو عنه هبة من وليّ الدم فيستحي القاتل بعد ذلك أن يجعل أية حركة من حركات هذه الحياة ضد وليّ الدم أو من ينسب إلى وليّ الدم، وحينذاك تنتهي أي ضغينة أو رغبة في الثأر، ولذلك نجد البلاد التي تحدث فيها الثأرات وتستشري فيها عادة الأخذ بالثأر مثل صعيد مصر نجد القاتل إذا ما أخذ كفنه على يده ودخل على وليّ الدم وقال له : أنا جئت إليك.. يعفو عنه وليّ الدم وتفهم العائلة كلها أن حياة المطلوب للثأر صارت هبة من وليّ الدم، وتصفى الثأرات وتنتهي. ولذلك جاء الأمر من الحق بالأخذ بالأحسن : وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا . ومثال آخر على الأخذ بالأحسن، قد نجد مدينا غير قادر أن يوفي الدين، هنا نجد الحق يقول : فنظرة إلى ميسرة ( من الآية ٢٨٠ سورة البقرة ) : اقترض الرجل لأنه محتاج ؛ لأن القرض لا يكون إلا عن حاجة، وهو عكس السؤال الذي قد يكون عن حاجة أو عن غير حاجة، ولهذا نجد ثواب القرض أكثر من ثواب الصدقة ؛ لأن المقترض لا يقترض إلا عن حاجة، ولأن المتصدق حين يتصدق بشيء من ماله يكون قد أخرج هذا المال من نفسه ولم يعد يتعلق به. لكن القرض تتعلق به النفس، فكلما صبر المقرض مع تعلق نفسه بماله أخذ أجرا، وهكذا يكون القرض أحسن من الصدقة.
إذن فهناك حَسَنٌ وهناك أحسن، الحسن هو أن تأخذ حقك المشروع، والأحسن أن تتنازل عنه، ومن يتنازلون هم الفاهمون عن الله فهما واسعا، ولنا المثل والأسوة في سيدنا الحسن البصري رضي الله عنه الذي أحسن لمن أساء إليه فقال كلمته : " ألا نحسن إلى من جعل الله في جانبنا ". ودائما أضرب هذا المثل ولله المثل العلى هب أن إنسانا عنده أولاد وأساء واحد منهم للآخر. نجد قلب الأب يكون مع من أُسيء إليه، وكذلك الأمر فينا نحن خلق الله. إن أساء واحد من خلق الله إلى واحد آخر من خلق الله ؛ نجد رب الخلق مع من أُسئ إليه، وعلى من أسيء إليه أن يقول : هذا الإنسان الذي أساء إلي قد جعل ربنا في جانبي ولذلك فهو يستحق أن أحسن إليه. ولهذا يقول الحق سبحانه :
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ( من الآية ١٨ سورة الزمر )، وفي آية ثانية يقول الحق : واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ( من الآية ٥٥ سورة الزمر ).
ويذيل الحق الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله : سأريكم دار الفاسقين .
ود
..........................................................................
راجع أصله وخرج أحاديثه الدكتور عمر هاشم نائب رئيس جامعة الأزهر..
تفسير الشعراوي
الشعراوي