أُخْرَى فِي أَنْفُسِ مَنْ أُلْقِيَ إِلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ مِلْكِيَّةٍ وَبَشَرِيَّةٍ وَصُوَرًا أُخْرَى فِي الْهَوَاءِ، وَفِي الْخَطِّ عَلَى الْكَاغِدِ، وَفِي النَّقْشِ عَلَى أَلْوَاحِ الْفُونُغْرَافِ، وَهَذِهِ الصُّوَرُ عَلَى مَا بَيْنَهَا مِنَ التَّبَايُنِ التَّامِّ مَظَاهِرُ لِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ مَا أَرَادَ الْعَالِمُ الْمُتَكَلِّمُ إِظْهَارَهُ مِنْ عِلْمِهِ بِكَلَامِهِ كَبَيْتِ لَبِيَدٍ الشَّاعِرِ، وَكَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (١١٢: ١ - ٤).
فَمِنْ تَلَقَّى هَذِهِ الصُّورَةَ مِنْ لِسَانِ الْقَارِئِ، أَوْ مِنَ الصُّورَةِ الَّتِي كُتِبَتْ بِهَا السُّورَةُ بِحُرُوفٍ مِنَ الْخَطِّ الْكُوفِيِّ أَوِ النَّسْخِيِّ أَوِ الْفَارِسِيِّ أَوْ غَيْرِهَا، عُلِمَ بِهَا مِنْ كَلَامِ اللهِ عَيْنُ مَا عَلِمَهُ جِبْرِيلُ وَمُوسَى وَمُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الرُّسُلِ فِي التَّلَقِّي عَنِ اللهِ - تَعَالَى - بِلَا وَاسِطَةٍ، أَوِ التَّلَقِّي عَنْ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَهُوَ عَيْنُ كَلَامِ اللهِ - تَعَالَى - الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَنْ هُوَ الْمُظْهِرُ لِمَعَانِي هَذِهِ السُّوَرِ مِنْ عِلْمِهِ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا عَمَلَ
وَلَا كَسْبَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُبَلِّغِينَ لَهَا فِي تَأْلِيفِ عِبَارَتِهَا لَا جِبْرِيلَ وَلَا مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -، وَلَا الصَّحَابَةِ الَّذِينَ بَلَّغُوهَا لِلتَّابِعِينَ قَوْلًا وَكِتَابَةً، وَلَا يَقْتَضِي هَذَا تَأْوِيلَ الْكَلَامِ الْإِلَهِيِّ وَلَا تَعْطِيلَهُ وَلَا حُدُوثَهُ، وَلَا تَشْبِيهَهُ بِكَلَامِ خَلْقِهِ، كَمَا أَنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى لَا يُشْبِهُ عِلْمَ خَلْقِهِ، وَلَا يَقْتَضِي أَيْضًا أَنْ نَكُونَ قَدْ أَدْرَكْنَا كُنْهَ هَذِهِ الصِّفَةِ بِفَهْمِنَا لِمَا بَلَّغَنَا تَعَالَى إِيَّاهُ مِنْ عِلْمِهِ بِهِ، كَمَا أَنَّ إِطْلَاعَهُ إِيَّانَا عَلَى مَا عَلِمَهُ فِي الْأَزَلِ وَفِيمَا لَا يَزَالُ مِنْ كَوْنِهِ أَحَدًا صَمَدًا لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أَحَدٌ - لَا يَقْتَضِي إِدْرَاكَ كُنْهِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، بَلْ نَحْنُ لَمْ نُدْرِكْ كُنْهَ كَلَامِنَا فِي أَنْفُسِنَا، وَلَا فِي الْهَوَاءِ وَلَا فِي غَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ آنِفًا.
وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ تَجَلِّي الرَّبِّ - تَعَالَى - فِي الصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَتَعَرُّفِهِ لِمَنْ شَاءَ بِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ لَا يَقْتَضِي حُدُوثَهُ وَلَا مُشَابَهَتَهُ لِلصُّوَرِ وَلَا لِحِجَابِ النُّورِ، وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا إِدْرَاكِ كُنْهِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، وَمَعْرِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ بِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ كَمَعْرِفَةِ بَعْضِهِمْ لِكَلَامِهِ بِتَبْلِيغِ اللِّسَانِ دُونَ الْكِتَابَةِ أَوْ بِالْكِتَابَةِ دُونَ اللِّسَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ كَمَالٌ لَهُ، وَإِنَّمَا النَّقْصُ مَا تَخَيَّلَهُ نُفَاةُ الرُّؤْيَةِ وَالصِّفَاتِ مِنْ جَعْلِ الْخَالِقِ تَعَالَى مَعْنًى سِلْبِيًّا.
(تَتِمَّةُ السِّيَاقِ فِي الرُّؤْيَةِ وَالْكَلَامِ)
أَخْبَرَنَا اللهُ - تَعَالَى - فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ بِأَنَّهُ مَنَعَ مُوسَى رُؤْيَتَهُ - يَعْنِي فِي الدُّنْيَا - وَبَشَّرَهُ بِأَنَّهُ اصْطَفَاهُ عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، ثُمَّ أَخْبَرَنَا فِيهَا بِمَا آتَاهُ يَوْمَئِذٍ بِالْإِجْمَالِ فَقَالَ: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ أَيْ: أَنَّنَا أَعْطَيْنَاهُ أَلْوَاحًا كَتَبْنَا لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِدَايَةِ مَوْعِظَةً مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُؤَثِّرَ فِي الْقُلُوبِ تَرْغِيبًا، وَتَرْهِيبًا وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ أُصُولِ التَّشْرِيعِ، وَهِيَ أُصُولُ الْعَقَائِدِ وَالْآدَابِ، وَأَحْكَامُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَتَفْصِيلُهَا، ذَكَرَهَا مَعْدُودَةً مَفْصُولًا بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَإِسْنَادُ الْكِتَابَةِ إِلَيْهِ تَعَالَى إِمَّا عَلَى
مَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى وَصُنْعِهِ لَا كَسْبَ لِأَحَدٍ فِيهِ، وَإِمَّا عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا كُتِبَتْ بِأَمْرِهِ وَوَحْيِهِ، سَوَاءً كَانَ الْكَاتِبُ لَهَا مُوسَى أَوِ الْمَلَكُ (- عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -) قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الْأَلْوَاحَ كَانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى التَّوْرَاةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ كَانَتْ قَبْلَ التَّوْرَاةِ،
وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا كَانَتْ أَوَّلَ مَا أُوتِيَهُ مِنْ وَحْيِ التَّشْرِيعِ فَكَانَتْ أَصْلَ التَّوْرَاةِ الْإِجْمَالِيَّ، وَكَانَتْ سَائِرُ الْأَحْكَامِ التَّفْصِيلِيَّةِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْحَرْبِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ وَالْعُقُوبَاتِ تَنْزِلُ عَلَيْهِ، وَيُخَاطِبُهُ الرَّبُّ تَعَالَى بِهَا فِي أَوْقَاتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا كَالْقُرْآنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ الْأَلْوَاحِ فَقِيلَ كَانَتْ عَشْرَةً، وَقِيلَ: سَبْعَةً، وَقِيلَ: اثْنَيْنِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي اللُّغَةِ لِلَّوْحَيْنِ أَلْوَاحٌ، وَهَذَا كُلُّ مَا يَصِحُّ أَنْ يُذْكَرَ مِنْ خِلَافِهِمْ فِيهَا، وَأَمَّا تِلْكَ الرِّوَايَاتُ الْكَثِيرَةُ فِي جَوْهَرِهَا مِقْدَارُهَا وَطُولُهَا وَعَرْضُهَا وَكِتَابَتُهَا وَمَا كُتِبَ فِيهَا؛ كُلُّهَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الْبَاطِلَةِ، الَّتِي بَثَّهَا فِي الْمُسْلِمِينَ أَمْثَالُ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فَاغْتَرَّ بِهَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُمْ، وَقَدْ لَخَّصَ السُّيُوطِيُّ مِنْهَا فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ ثَلَاثَ وَرَقَاتٍ - أَيْ: سِتَّ صَفَحَاتٍ - وَاسِعَاتٍ مِنَ الْقِطَعِ الْكَبِيرِ، وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى دُرَّةً، وَإِنْ كَانَ مِنْهَا أَنَّ الْأَلْوَاحَ مِنَ الْيَاقُوتِ أَوْ مِنَ الزُّمُرُّدِ أَوْ مِنَ الزَّبَرْجَدِ، كَمَا أَنَّ مِنْهَا أَنَّهَا مِنَ الْحَجَرِ وَمِنَ الْخَشَبِ، وَقَدْ تَبِعَ فِي هَذَا عُمْدَتَهُ فِي التَّفْسِيرِ ابْنَ جَرِيرٍ رَحِمَهُمَا اللهُ - تَعَالَى -، وَلَكِنْ ذَكَرَ بَعْضَهَا الْأَلُوسِيُّ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ كَرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: اصْطَحَبَ قَيْسُ بْنُ خَرَشَةَ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ حَتَّى إِذَا بَلَغَا صِفِّينَ وَقَفَ كَعْبٌ ثُمَّ نَظَرَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: لَيُهْرَاقَنَّ بِهَذِهِ الْبُقْعَةِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ لَا يُهْرَاقُ بِبُقْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلُهُ، فَقَالَ قَيْسٌ مَا يُدْرِيكَ؟ فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللهُ بِهِ، فَقَالَ كَعْبٌ: مَا مِنَ الْأَرْضِ شِبْرٌ إِلَّا مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، مَا يَكُونُ عَلَيْهِ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْأَلُوسِيُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى أَوْسَعِ مَا يَحْمِلُهُ اللَّفْظُ مِنَ الْعُمُومِ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَوْضُوعٌ عَلَى كَعْبٍ، وَإِنْ كُنْتُ أُخَالِفُ الْجُمْهُورَ فِي مَسْأَلَةِ تَعْدِيلِهِ، وَتَأَوَّلَ الْأَلُوسِيُّ لَهُ هَذَا الْقَوْلَ الظَّاهِرَ بُطْلَانُهُ بِالْبَدَاهِيَّةِ بِقَوْلِهِ: وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الرَّمْزِ كَمَا نَدَّعِيهِ فِي الْقُرْآنِ اهـ.
وَمَا ذَكَرْتُ هَذَا إِلَّا لِلتَّعْجِيبِ مِنْ فِتْنَةِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْبَاطِلَةِ إِلَى أَيِّ حَدٍ وَأَيِّ زَمَنٍ وَصَلَ تَأْثِيرُهَا السَّيْءِ، حَتَّى إِنَّ هَذَا النَّقَّادَةَ قَدِ اغْتَرَّ بِمِثْلِ هَذَا مِنْهَا، وَتَأْوِيلُهُ بِمَا هُوَ بَاطِلٌ مِثْلُهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَعْتَدُّ بِعِلْمِهِمْ بِكِتَابِ اللهِ - تَعَالَى - أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَالَمِ أَوْ فِي الْأَرْضِ شِبْرٌ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ فِيهِ (أَيِ: الْقُرْآنِ) مَا يَقَعُ فِيهِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا قَالَ مِثْلَ هَذَا بَعْضُ الْمُجَازِفِينَ
وَالْخَيَالِيِّينَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْكَشْفِ الَّذِي يَدَّعُونَهُ، رَاجِعْ تَفْسِيرَ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ (٩: ٣٨) فِي ٣٢٩ وَمَا بَعْدَهَا ج ٧ ط الْهَيْئَةِ.
هَذَا، وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي التَّوْرَاةِ الْحَاضِرَةِ فِي شَأْنِ الْأَلْوَاحِ فَمِنْهُ مَا جَاءَ فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ مِنْ
(٢٣: ١٢ وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى اصْعَدْ إِلَى الْجَبَلِ، وَكُنْ هُنَاكَ فَأُعْطِيَكَ لَوْحَيِ الْحِجَارَةِ وَالشَّرِيعَةِ وَالْوَصِيَّةِ الَّتِي كَتَبْتُهَا لِتُعَلِّمَهُمُ الْكَلِمَاتِ الْعَشْرَ) وَجَاءَ فِي وَصْفِ اللَّوْحَيْنِ مِنْهُ (٣٢: ١٥ ثُمَّ انْثَنَى مُوسَى وَنَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ وَلَوْحَا الشَّهَادَةِ فِي يَدِهِ: لَوْحَانِ مَكْتُوبَانِ عَلَى جَانِبَيْهِمَا، مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ كَانَا مَكْتُوبَيْنِ وَاللَّوْحَانِ هُمَا صَنْعَةُ اللهِ، وَالْكِتَابَةُ هِيَ كِتَابَةُ اللهِ مَنْقُوشَةٌ عَلَى اللَّوْحَيْنِ) وَفِيهِ أَنَّ مُوسَى رَمَى بِاللَّوْحَيْنِ مِنْ يَدَيْهِ عِنْدَمَا رَأَى الْعِجْلَ الَّذِي عَبَدَهُ قَوْمُهُ فِي أَيَّامِ مُنَاجَاتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِي أَوَّلِ الْفَصْلِ (٣٤: ١ ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى أَنْحِتُ لَكَ لَوْحَيْ حَجَرٍ كَالْأَوَّلَيْنِ فَاكْتُبُ عَلَيْهَا الْكَلَامَ الَّذِي كَانَ عَلَى الْحَجَرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ اللَّذَيْنِ كَسَرْتَهُمَا - فَنَحَتَ لَوْحَيْ حَجَرٍ كَالْأَوَّلَيْنِ، وَبَكَّرَ مُوسَى فِي الْغَدَاةِ، وَصَعِدَ إِلَى جَبَلِ سَيْنَاءَ كَمَا أَمَرَهُ الرَّبُّ، وَأَخَذَ فِي يَدِهِ لَوْحَيِ الْحَجَرِ) وَيَلِيهِ أَنَّ الرَّبَّ هَبَطَ فِي الْغَمَامِ، وَوَقَفَ عِنْدَهُ هُنَاكَ وَمَرَّ قُدَّامَهُ وَوَعَدَهُ وَوَصَّاهُ وَأَمَرَهُ بِأَوَامِرَ وَنَهَاهُ عَنْ أُمُورٍ وَيَلِي ذَلِكَ (وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى أَكْتُبُ لَكَ هَذَا الْكَلَامَ لِأَنِّي بِحَسَبِهِ عَقَدْتُ عَهْدًا مَعَكَ وَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَقَامَ هُنَاكَ عِنْدَ الرَّبِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً لَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا، وَلَمْ يَشْرَبْ مَاءً فَكَتَبَ عَلَى اللَّوْحَيْنِ كَلَامَ الْعَهْدِ الْكَلِمَاتِ الْعَشْرَ) - وَهَاهُنَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ - " فَكَتَبَ " إِلَى الرَّبِّ - تَعَالَى -، وَأَنْ يَرْجِعَ إِلَى مُوسَى، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ مَا تَقَدَّمَ عَنْ (٣٢: ١٦) لَكَانَ هَذَا مُتَعَيَّنًا بِقَرِينَةِ قَوْلِ الرَّبِّ لَهُ قَبْلَهُ: أَكْتُبُ لَكَ هَذَا الْكَلَامَ، وَلَهُ نَظَائِرُ، وَأَمَّا الْوَصَايَا الْعَشْرُ فَقَدْ نَقَلْنَا نَصَّهَا فِي تَفْسِيرِ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ (٦: ١٥٤) مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ عَقِبَ وَصَايَا الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ أَجْمَعُ وَأَكْمَلُ مِنْهَا.
وَمِنْ هَذَا الَّذِي نَقَلْنَاهُ هُنَا يُعْلَمُ مَا فِي تِلْكَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الَّتِي أَوْرَدَهَا السُّيُوطِيُّ فِي التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ لِلتَّوْرَاةِ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَا كَانَ مِنَ التَّحْرِيفِ اللَّفْظِيِّ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ نَقْصٍ وَزِيَادَةٍ وَغَلَطٍ قَدْ كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ إِلَّا التَّحْرِيفَ الْمَعْنَوِيِّ - فَمَا فِي تِلْكَ الرِّوَايَاتِ مِنْ تَعْيِينِ جَوْهَرِ الْأَلْوَاحِ وَمِسَاحَتِهَا وَكِتَابَتِهَا، وَمَا كُتِبَ فِيهَا مِنْ وَصْفِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِ مِمَّا يُخَالِفُ هَذِهِ التَّوْرَاةَ
فَهُوَ بَاطِلٌ، أَرَادَ بِهِ وَاضِعُوهُ أَنْ يَذْكُرَ الْمُسْلِمُونَ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِهِمْ مَا يَصُدُّ الْيَهُودَ وَغَيْرَهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، بِأَنَّ دَعْوَتَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ، وَلَمْ يَدْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا يَكْتُبُونَ كُلَّ مَا يَسْمَعُونَ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْكَيْدِ وَالْمَكْرِ الْيَهُودِيِّ، وَنَحْمَدُ اللهَ أَنَّهُ لَمْ يَرُجْ مِنْهُ عَلَى جَهَابِذَةِ نَقْدِ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَلِيلَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ فَهُوَ مَقُولُ قَوْلِهِ مُقَدَّرٌ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لِمُوسَى، وَالْخِطَابُ قَبْلَهُ لِلنَّبِيِّ الْخَاتَمِ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْمَعْنَى: كَتَبَنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مَا ذُكِرَ وَقُلْنَا لَهُ: خُذْهَا بِقُوَّةٍ - أَوْ وَقُلْنَا لَهُ: هَذِهِ رِسَالَتُنَا أَوْ وَصَايَانَا وَأُصُولُ شَرِيعَتِنَا وَكُلِّيَّاتُهَا فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ؛ أَيْ: حَالُ
كَوْنِكَ مُلْتَبِسًا بِجِدٍّ وَعَزِيمَةٍ وَحَزْمٍ، أَوْ أَخْذًا بِقُوَّةٍ وَعَزْمٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا تَكْوِينُ شَعْبٍ جَدِيدٍ بِتَرْبِيَةٍ جَدِيدَةٍ شَدِيدَةٍ مُخَالِفَةٍ كُلَّ الْمُخَالَفَةِ لِمَا نَشَأَ عَلَيْهِ مِنَ الذُّلِّ وَالْعُبُودِيَّةِ لِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وَالْإِنْسِ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْوَثَنِيَّةِ وَمَفَاسِدِهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُتَوَلِّي تَرْبِيَةَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَالْمُرْشِدُ لَهُمْ صَاحِبَ عَزِيمَةٍ قَوِيَّةٍ وَبَأْسٍ شَدِيدٍ وَعَزْمٍ ثَابِتٍ، فَإِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ سِيَاسَتِهِمْ وَتَرْبِيَتِهِمْ، وَيَفْشَلُ فِي تَنْفِيذِ أَمْرِ اللهِ فِيهِمْ.
وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا قِيلَ إِنَّ (أَحْسَنِ) هُنَا بِمَعْنَى ذِي الْحُسْنِ التَّامِّ الْكَامِلِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى تَفْضِيلِ شَيْءٍ عَلَى آخَرَ، وَهُوَ مَا يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: اسْمُ التَّفْضِيلِ عَلَى غَيْرِ بَابِهِ - أَيْ: وَأَمُرْ قَوْمَكَ بِالِاسْتِمْسَاكِ وَالِاعْتِصَامِ بِهَذِهِ الْمَوَاعِظِ وَالْأَحْكَامِ الْمُفَصَّلَةِ فِي الْأَلْوَاحِ الَّتِي هِيَ كَامِلَةُ الْحَسَنِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ عَلَى الْأَصْلِ فِيهِ مِنْ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ عَلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ الْحَقِيقِيُّ وَالِاعْتِبَارِيُّ وَالْإِضَافِيُّ، فَأُصُولُ الْعَقَائِدِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللهِ - تَعَالَى - وَتَوْحِيدُهُ وَتَنْزِيهُهُ أَفْضَلُ وَأَشْرَفُ مِنَ الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ، وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ هُنَا، قِيلَ: إِلَّا إِذَا أُرِيدَ بِالْأَخْذِ الشُّرُوعُ وَالِابْتِدَاءُ - وَالْأَوَامِرُ أَفْضَلُ مِنَ النَّوَاهِي، وَيَصِحُّ أَنْ تُرَادَ فِي مِثْلِ الْأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ وَالنَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ، وَكِلَاهُمَا مِنَ الْوَصَايَا الَّتِي كُتِبَتْ فِي الْأَلْوَاحِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِخْلَاصَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْعِبَادَةِ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ يَتَحَلَّى بِهِ الْعَقْلُ، وَتَتَزَكَّى بِهِ النَّفْسُ، وَتَرْكُ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ أَمْرٌ سَلْبِيٌّ مَحْضٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَثَرًا لِلْإِخْلَاصِ فِي الْعِبَادَةِ، وَسَدًّا لِلذَّرِيعَةِ فَلَا قِيمَةَ لَهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ إِلَّا لِأَنَّهُ مِنْ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ، وَإِلَّا فَقَدَ يَتْرُكُهُ الْمَرْءُ لِعَدَمِ الدَّاعِيَةِ، وَإِنْ كَانَ مُشْرِكًا - وَالْفَرْضُ أَفْضَلُ مِنَ النَّفْلِ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الْوَصَايَا الْعَشْرِ نَوَافِلُ، وَيُقَالُ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِمْ:
وَالْعَزِيمَةُ أَفْضَلُ مِنَ الرُّخْصَةِ، وَمِثْلُ هَذَا التَّعْبِيرِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلُ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ (٣٩: ٥٥) وَالْمَجَالُ فِيهِ أَوْسَعُ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ أَحْسَنُ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ - تَعَالَى - إِلَى خَلْقِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ بِإِكْمَالِهِ تَعَالَى الدِّينَ بِهِ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَزَايَاهُ، وَالْخِطَابُ فِيهِ لِأُمَّةِ الدَّعْوَةِ؛ أَيْ: لِلنَّاسِ كَافَّةً، لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ (٣٩: ٥٤) ثُمَّ إِنَّ فِيمَا أَنْزَلَهُ فِيهِ الْعَزِيمَةُ وَالرُّخْصَةُ، وَفِيهِ مِنَ النَّدْبِ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ مُقَابِلِهِ كَالصَّدَقَةِ بِالدِّينِ بَدَلَ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ بِهِ وَهُوَ وَاجِبٌ، وَكَالْعَفْوِ فِي مُقَابَلَةِ الْقِصَاصِ.
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ مِنْ حِكَايَةِ خِطَابِهِ لِقَوْمِ مُوسَى بِالتَّبَعِ لَهُ، وَإِذَا وَجَّهَ الْأَمْرَ فِيمَا قَبْلَهُ إِلَيْهِ وَإِلَيْهِمْ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي مَقُولِ الْقَوْلِ الَّذِي خُوطِبَ بِهِ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِصَّتِهِمْ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ عَاقِبَةِ الَّذِينَ فَسَقُوا عَنْ أَمْرِ اللهِ، وَجَحَدُوا بِآيَاتِهِ فَلَمْ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تَأْخُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَتَتَّبِعُوا أَحْسَنَهُ كُنْتُمْ فَاسْقِينَ عَنْ أَمْرِ رَبِّكُمْ، فَيَحِلُّ بِكُمْ مَا حَلَّ بِالْفَاسِقِينَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ أَنْجَاكُمُ اللهُ مِنْهُمْ وَنَصَرَكُمْ عَلَيْهِمْ.
وَسَيُرِيكُمْ مَا حَلَّ بِهِمْ بَعْدَكُمْ مِنَ الْغَرَقِ، أَوِ الْفَاسِقِينَ مِنْ سُكَّانِ الْبِلَادِ الْمُقَدَّسَةِ وَالْمُبَارَكَةِ الَّتِي وَعَدَكُمْ إِيَّاهَا، وَسَيَنْصُرُكُمْ عَلَيْهِمْ بِطَاعَتِكُمْ لَهُ وَأَخْذِكُمْ مِيثَاقَهُ بِقُوَّةٍ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهَا: أَيْ سَتَرَوْنَ عَاقِبَةَ مَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِي كَيْفَ يَصِيرُ إِلَى الْهَلَاكِ وَالدَّمَارِ وَالتَّبَابِ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّمَا قَالَ: سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ: سَأُرِيكَ غَدًا مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ حَالُ مَنْ خَالَفَنِي - عَلَى وَجْهِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ لِمَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ، ثُمَّ نَقَلَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ - أَيْ: مِنْ أَهْلِ الشَّامِ - وَأُعْطِيكُمْ إِيَّاهَا، وَقِيلَ: مَنَازِلُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَاللهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ بَعْدَ انْفِصَالِ مُوسَى وَقَوْمِهِ عَنْ بِلَادِ مِصْرَ، وَهُوَ خِطَابٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَ دُخُولِهِمُ التِّيهَ، وَاللهُ أَعْلَمُ اهـ، وَمِنْ مَبَاحِثِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ أَنَّ كَلِمَةَ (سَأُرِيكُمْ) زِيدَ فِيهَا وَاوٌ قَبْلَ الرَّاءِ لِئَلَّا تُشْتَبَهُ بِـ " سَأَرَاكُمْ " إِذْ كَانُوا يَرْسُمُونَهَا بِالْيَاءِ غَيْرَ مَنْقُوطَةٍ، فَالْمُرَادُ بِهَا ضَبْطُ الْكَلِمَةِ كَالضَّمَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَالْعِبْرَةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَتَذَكَّرَهَا وَيَتَدَبَّرَهَا كُلُّ قَارِئٍ لِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ وُجُوهٍ:
(أَحَدُهَا) أَنَّ الْكِتَابَ الْإِلَهِيَّ يَجِبُ أَخْذُهُ بِقُوَّةٍ وَإِرَادَةٍ وَجِدٍّ وَعَزِيمَةٍ؛ لِتَنْفِيذِ مَا هَدَى إِلَيْهِ مِنَ الْإِصْلَاحِ، وَتَكْوِينِ الْأُمَّةِ تَكْوِينًا جَدِيدًا صَالِحًا، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ فِي الرَّسُولِ
الْمُبَلِّغِ لَهُ، وَالدَّاعِي إِلَيْهِ وَالْمُنَفِّذِ لَهُ بِقَوْلِهِ وَعَمَلِهِ، لِيَكُونَ لِقَوْمِهِ فِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللهِ - تَعَالَى - فِي سَائِرِ الِانْقِلَابَاتِ وَالتَّجْدِيدَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِدَايَةِ الدِّينِ، وَالدِّينُ أَحْوَجُ إِلَى الْقُوَّةِ وَالْعَزِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ إِصْلَاحٌ لِلظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ جَمِيعًا، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ - تَعَالَى - بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَخْذِ الْكِتَابِ أَوْ مِيثَاقِ الْكِتَابِ بِقُوَّةٍ، أَمْرًا مَقْرُونًا بِتَهْدِيدِهِمْ وَتَخْوِيفِهِمْ مِنْ وُقُوعِ جَبَلِ الطُّورِ بِهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ (٢: ٦٣ و٩٣) وَسَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ (الْأَعْرَافِ) وَقَدْ أَخَذَ سَلَفُنَا الْقُرْآنَ بِقُوَّةٍ فَسَادُوا بِهِ جَمِيعَ الْأُمَمِ الَّتِي كَانَ لَهَا مِنَ الْقُوَى الْعَدَدِيَّةِ وَالْحَرْبِيَّةِ وَالنِّظَامِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ وَالصِّنَاعِيَّةِ مَا لَيْسَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا سَادُوا بِالْعَمَلِ بِهِدَايَتِهِ كَمَا أَرَادَ اللهُ - تَعَالَى - لَا بِالتَّغَنِّي بِقِرَاءَتِهِ فِي الْمَحَافِلِ، وَلَا بِالتَّبَرُّكِ الْمَحْضِ بِالْمُصْحَفِ، كَمَا يَفْعَلُ مُقَلِّدَةُ الْخَلَفِ الصَّالِحِ، إِنَّ مَنْ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ بِقُوَّةٍ يَكُونُ الْقُرْآنُ حُجَّةً لَهُ فَيَسْعَدُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ لَا يَأْخُذُهُ بِقُوَّةٍ يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ فَيَشْقَى بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ، وَهَجْرِ هِدَايَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢: ٢٦و٢٧).
(ثَانِيهَا) أَنَّ سَبَبَ تَخْوِيفِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ تَبْلِيغِهِمُ الْمِيثَاقَ الْإِلَهِيَّ بِوِقٌوعِ الْجَبَلِ بِهِمْ، وَأَمْرِهِمْ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِقُوَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ الَّتِي أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ بِأَخْذِهَا بِقُوَّةٍ شَاقَّةٍ حَرِجَةٍ، وَحِكْمَةُ مَا فِيهَا مِنَ الشِّدَّةِ وَالْحَرَجِ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذِلِّينَ بِاسْتِعْبَادِ الْمِصْرِيِّينَ لَهُمْ مُنْذُ أَجْيَالٍ كَثِيرَةٍ، وَكَانَ الْقَوْمُ أَوِ الْأَقْوَامُ الَّذِينَ وُعِدُوا بِأَنْ يَغْلِبُوهُمْ
عَلَى بِلَادِهِمْ جَبَّارِينَ أُولِي قُوَّةٍ وَأُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، وَكَانَ مِنْ سُنَّةِ اللهِ - تَعَالَى - فِي الْبَشَرِ أَنْ تَتَرَبَّى أَفْرَادُهُمْ وَشُعُوبُهُمْ بِالشِّدَّةِ وَالِارْتِيَاضِ بِالصَّبْرِ، وَالْجِهَادِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ، وَلِهَذَا أَمَرَ اللهُ - تَعَالَى - مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يَسِيرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي طَرِيقِ التِّيهِ وَهُوَ الْجَنُوبِيُّ مِنْ بَرِّيَّةِ سَيْنَاءَ دُونَ الطَّرِيقِ الشَّمَالِيِّ الْقَرِيبِ مِنْ مُدُنِ فِلَسْطِينَ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طَاقَةً بِقِتَالِ جَبَّارِي الْكَنْعَانِيِّينَ وَقْتَئِذٍ، فَكَتَبَ اللهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِمُ التِّيهَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَلَكَ فِي أَثْنَائِهَا الَّذِينَ اسْتَذَلَّهُمُ الْمِصْرِيُّونَ، وَنَشَأَ مِنْ صِغَارِهِمْ وَمَوَالِيدِهِمْ جِيلٌ جَدِيدٌ تَرَبَّى فِي حَجْرِ الشَّرْعِ الْجَدِيدِ، وَالتِّيهِ الشَّدِيدِ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ
الْمَائِدَةِ (ص ٢٧٤ - ٢٧٩ ج٦ تَفْسِيرِ ط الْهَيْئَةِ).
(ثَالِثُهَا) أَنَّ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ قَدْ عَظُمَ مُلْكُهُمْ بِإِقَامَةِ شَرِيعَتِهِمْ بِقُوَّةٍ، حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْغُرُورُ عَلَى الْعَمَلِ، وَظَنُّوا أَنَّ اللهَ يَنْصُرُهُمْ وَيُؤَيِّدُهُمْ لِنَسَبِهِمْ وَلَقَبِهِمْ وَهُوَ " شَعْبُ اللهِ " فَسَقُوا وَظَلَمُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ بِهِمُ الْبَلَاءَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الْبَابِلِيِّينَ الْأَقْوِيَاءَ، فَثَلُّوا عَرْشَهُمْ وَتَبَّرُوا مُلْكَهُمْ، ثُمَّ ثَابُوا إِلِى رُشْدِهِمْ، فَرَحِمَهُمُ اللهُ، وَأَعَادَ لَهُمْ بَعْضَ مُلْكِهِمْ وَعِزِّهِمْ، ثُمَّ ظَلَمُوا وَأَفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ النَّصَارَى فَمَزَّقُوهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ، فَظَلُّوا عِدَّةَ قُرُونٍ مُتَّكِلِينَ عَلَى الْمَسِيحِ الْمَوْعُودِ لِيُعِيدَ لَهُمْ مُلْكَهُمْ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، ثُمَّ رَبَّتْهُمُ الشَّدَائِدُ، وَنَوَّرَهُمُ الْعِلْمُ الْعَصْرِيُّ فَطَفِقُوا يَسْتَعِدُّونَ لِاسْتِعَادَةِ هَذَا الْمُلْكِ بِكُلِّ مَا فِي الْإِمْكَانِ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا الْمَالُ وَالنِّظَامُ وَالْكَيْدُ وَالدَّهَاءُ مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى التَّقَالِيدِ الدِّينِيَّةِ فِي ذَلِكَ، حَتَّى انْتَهَى بِهِمُ السَّعْيُ إِلَى اسْتِخْدَامِ الدَّوْلَةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ بِمَا فَصَّلْنَاهُ فِي بَيَانِ الْعِبْرَةِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَأَوْرَثَنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا (٧: ١٣٧).
(رَابِعُهَا) أَنَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا سُنَنَهُمْ وَسُنَنَ النَّصَارَى شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ فِي الضُّرِّ دُونَ النَّفْعِ كَمَا فَصَّلْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ - قَدِ اغْتَرُّوا بِدِينِهِمْ كَمَا اغْتَرُّوا، وَاتَّكَلُوا عَلَى لَقَبِ " الْإِسْلَامِ " وَلَقَبِ " أُمَّةِ خَاتَمِ الرُّسُلِ " - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا يَثُوبُوا إِلَى رُشْدِهِمْ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ سَلَبُوا مُلْكَهُمْ وَعِزَّهُمْ لَمْ يَسُوسُوهُمْ بِشِدَّةٍ مُرِيبَةٍ كَافِيَةٍ، بِلِ اجْتَهَدُوا فِي إِفْسَادِ عَقَائِدِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ، وَإِيقَاعِ الشِّقَاقِ وَالتَّفْرِيقِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، بَلْ أَفْسَدُوا كَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَسْتَوْلُوا عَلَى مُلْكِهِمْ مِنْهُمْ، بِتَوَلِّيهِمِ التَّرْبِيَةَ وَالتَّعْلِيمَ لِكَثِيرِينَ مِنْهُمْ، كَانُوا عَوْنًا لَهُمْ عَلَى مَا يُرِيدُونَ مِنْ ثَلِّ عُرُوشِهِمْ، وَالسِّيَادَةِ عَلَيْهِمْ بِالتَّدْرِيجِ كَالْعُثْمَانِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ - كَمَا فَصَّلْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى - وَلَا يَزَالُ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَرْنِجُونَ الْمُخَرِّبُونَ يَجِدُّونَ فِي قَتْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُجَدِّدُونَ، وَيُفْسِدُونَ عَلَيْهَا أَمْرَهَا، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُصْلِحُونَ أَلَّا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (٢: ١٢).
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني