ﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

السلام سأل الرؤية، ولا يسأل إلا الجائز، فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها، وحيث سألها، علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى.
ثم إن التجلي في قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا هو إما ظهور بالرؤية أو الدلالة، وبما أن الرؤية غير مقدورة للإنسان، فكان المراد ظهور آياته التي أحدثها لحاضري الجبل، أي أن المقصود تقرير أن الإنسان لا يطيق رؤية الله تعالى، بدليل أن الجبل مع عظمته لما رأى الله تعالى اندك وتفرقت أجزاؤه.
وفي نهاية الحادثة تسلية موسى عليه السلام عن منع الرؤية، وكأنه قال له:
إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا، فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية. وهذا أيضا يدل على أن الرؤية جائزة على الله تعالى «١».
عقوبة التكبر والكفر بصرف المتكبرين عن فهم أدلة العظمة الإلهية
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٦ الى ١٤٧]
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)

(١) تفسير الرازي: ١٤/ ٢٢٩- ٢٣٥، أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٣٤- ٣٥.

صفحة رقم 89

الإعراب:
بِغَيْرِ الْحَقِّ فيه وجهان: أن يكون حالا، بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبر بالحق لله وحده، وأن يكون صلة لفعل التكبر، أي يتكبرون بما ليس بحق.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ ذلِكَ: في محل الرفع مبتدأ، على معنى: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم أو في محل النصب، على معنى: صرفهم الله ذلك الصرف بسببه.
وَلِقاءِ الْآخِرَةِ يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به، أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها، أو من إضافة المصدر إلى الظرف، بمعنى ولقاء ما وعد الله في الآخرة.
المفردات اللغوية:
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ بالطبع على قلوب المتكبرين وخذلانهم، ومنعهم فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي، فلا يفكرون فيها، ويتكبرون عن طاعتي. وآياتي: دلائل قدرتي من المصنوعات وغيرها يَتَكَبَّرُونَ أي يتكبرون عن طاعتي، ويتكبرون على الناس بغير حق. والتكبر: غمط الحق بعدم الخضوع له، مع احتقار الناس غالبا. وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ طريق الرُّشْدِ الهدى الذي جاء من عند الله، والصلاح والاستقامة، وضده الغي والسفه، والرّشد والرّشد في اللغة: أن يظفر الإنسان بما يريد، وهو ضد الخيبة.
الغَيِّ الضلال ذلِكَ الصرف كَذَّبُوا بِآياتِنا أي الآيات المنزلة من عندنا المشتملة على الهدى وتزكية النفوس. فالآيات هنا غير الآيات الأولى التي هي الدلائل والبينات.
وَلِقاءِ الْآخِرَةِ البعث وغيره حَبِطَتْ بطلت أَعْمالُهُمْ ما عملوه في الدنيا من خير كصلة رحم وصدقة، فلا ثواب لهم لانعدام شرط القبول وهو الإيمان.
هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي ما يجزون إلا جزاء عملهم من التكذيب والمعاصي.
المناسبة:
هذه الآيات تتحدث عن طبائع المتكبرين القدامى والمعاصرين، فبعد أن بيّن الله تعالى ما لحق بفرعون وقومه من الهلاك بسبب استكباره وظلمه، ذكر أن امتناع قريش عن الإيمان إنما هو بسبب التكبر أيضا، وهذا يدل على أن منشأ

صفحة رقم 90

الإعراض عن الإيمان والإصرار عن الكفر هو التكبر، والكبر يصرف الإنسان عادة عن النظر في الحق ويؤدي إلى التكذيب به، ويجعل المتكبر غافلا عن آيات الله الدالة عليه.
التفسير والبيان:
سأمنع قلوب المتكبرين عن طاعتي والمتكبرين على الناس بغير حق من فهم الدلائل الدالة على عظمتي وشريعتي، كما قال تعالى: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف ٦١/ ٥]. والمراد بآياتي هنا: الأدلة والبينات.
وهذا خطاب شامل كل أمة وفرد، مثل فرعون وقومه الذين منعهم الله من فهم آيات موسى، وقد يفهمون بعض الآيات ويجحدونها غرورا وتعاليا وتكبرا مثل قوم فرعون الذين قال الله فيهم: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [النمل ٢٧/ ١٤] ومثل كفار قريش الذين حجبهم الكبر عن النظر في الآيات مع يقينهم بصدق محمد.
هؤلاء المتكبرون من صفاتهم أولا- أنهم لا يؤمنون بأي آية تدل على الحق وتثبته إذ لا تفيد الآيات إلا من كان مستعدا للفهم وقبول الحق، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يونس ١٠/ ٩٦- ٩٧].
وثانيا- أنهم يبتعدون عن طريق الهدى والرشاد، وهي الطريق الممهدة المؤدية إلى النجاة، فإذا رأى أحدهم هذه السبيل لا يسلكها ويسلك غيرها، وهذا عن تعمد وعناد، وقد يكون بعضهم عن جهل، وحكم الفريقين واحد.
وثالثا- أنهم إذا ظهر لهم سبيل الغي والضلال والفساد، بادروا إليه مسرعين، بما تزينه لهم أهواؤهم ونفوسهم الأمارة بالسوء، وهذا سلوك شر مما سبقه.

صفحة رقم 91

ثم علل مصيرهم إلى هذه الحال بعلة ثابتة وهي تكذيبهم بآيات الله المنزلة على رسله، وغفلتهم عن النظر بما فيها، وإعراضهم عن العمل بها.
ومجمل حال هؤلاء المتكبرين أن الله لم يخلقهم مطبوعين على الكفر والضلال، ولم يجبرهم عليه، بل حدث ذلك باختيارهم إذ أنهم كذبوا بالآيات، وانغمسوا بأهوائهم وشهواتهم في بؤر الضلال والانحراف، وحجبوا أفهامهم عن إدراك الحق والهدى وسلوك سبيل السعادة والنجاة، فهم كما قال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [الأعراف ٧/ ١٧٩].
ثم أوضح الله تعالى مآل ما قد يعملونه من أعمال خيّرة في الدنيا: وهو إحباطها وإبطالها وتلاشي آثارها، وعدم ترتيب الثواب عليها، فقال: والذين كذبوا بآياتنا المنزلة على رسلنا، ولم يؤمنوا بها، ولم يصدقوا بالآخرة والبعث وما فيه من جزاء على الأعمال ثوابا على الخير وعقابا على الشر، واستمروا على وضعهم هذا إلى الممات، بطلت أعمالهم، وذهبت سدى، لفقد شرط القبول وهو الإيمان، ولأن من سنته تعالى جعل الجزاء في الآخرة بحسب أعمالهم التي أسلفوها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وكما تدين تدان.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه أحوال المتكبرين عن طاعة الله وعلى الناس، الظانين أنهم أفضل الخلق، وهو ظن باطل، لقوله تعالى: بِغَيْرِ الْحَقِّ فلا يتبعون نبيا، ولا يصغون إليه لتكبرهم.
يصرفهم الله تعالى عن التفكير في آيات الله الدالة على عظمته وشريعته

صفحة رقم 92

وأحكامه، بالطبع على قلوبهم، وإلقاء الغفلة على نفوسهم، وشغلهم بأهوائهم وشهواتهم، وهم في تركهم تدبر الحق كالغافلين عنه.
إنهم يمنعون في معاداة الأنبياء، ويكذبون بالآيات المنزلة على الرسل، وينكرون وجود الآخرة، ولا يصدقون بكل آية، ويتركون طريق الرشاد، ويتبعون سبيل الغي والضلال، أي يتخذون الكفر دينا.
واحتج أهل السنة بآية سَأَصْرِفُ على أنه تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصد عنه.
وقالت المعتزلة: لا يمكن حمل الآية على ذلك، فليس المراد منها صرفهم عن الإيمان بآيات الله ولا خلق الكفر فيهم لأن قوله: سَأَصْرِفُ يتناول المستقبل، والكفر حدث منهم في الماضي، مما يدل على أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر بالله، وإنما المراد العقوبة على التكبر والكفر.
ولأنه لو صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه، فكيف يمكن أن يقول مع ذلك:
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ؟ فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ؟ وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا؟ [الانشقاق ٨٤/ ٢٠، المدثر ٧٤/ ٤٩، الإسراء ١٧/ ٩٤] «١».
ودل قوله تعالى: هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ على أن الجزاء من جنس العمل، فمن آمن وعمل الصالحات فله الجنة، ومن كفر وعمل السيئات فله النار.

(١) تفسير الرازي: ١٥/ ٢- ٣.

صفحة رقم 93

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية