ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

قوله : ولما سقط في أيديهم كناية عن شدة الندم، فكل من أصابه ندم شديد حتى بقي حائرا من شدة ندمه تقول العرب : سقط في يده. فمعنى : ولما سقط في أيديهم لما ندموا غاية الندم وبقوا متحيرين على كفرهم بالله وعبادتهم لعجل مصطنع ورأوا رأى هنا بمعنى علم. أي : وعلموا علما يقينا أنهم قد ضلوا ضلوا عن طريق الصواب والرشد، وقد بينا في هذه الدروس مرارا أن الضلال جاء في القرآن إطلاقه على ثلاثة معان، وهي إطلاقات معروفة مشهورة في كلام العرب مستفيضة فيه، فمن إطلاقات الضلال : إطلاقه على الذهاب عن الإيمان إلى الكفر، وعن طريق الجنة إلى طريق النار، وهذا أكثر إطلاقاته. ومنه بهذا المعنى : غير المغضوب عليهم ولا الضالين [ الفاتحة : آية ٧ ] وإطلاق الضلال مرادا به الذهاب عن علم شيء، فليس من الضلال في الدين، فكل من ذهب عن علم شيء تقول العرب : ضل عنه. ومنه بهذا المعنى قول أولاد يعقوب لأبيهم : إنك لفي ضلالك القديم [ يوسف : آية ٩٥ ] أي : ذهابك عن معرفة حقيقة يوسف، هو قد مات من زمن وأنت كل يوم تسأل عنه. وكقولهم فيه : إن أبانا لفي ضلال مبين [ يوسف : آية ٨ ] لا يعنون الضلال في الدين، وإنما يعنون الذهاب عن حقيقة الأمر حيث زعموا انه فضل يوسف وأخيه عليهم، وأنهم أكثر نفعا على أبيهم من يوسف وأخيه. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى : فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما أي : تذهب عن علم معرفة المشهود به فتذكر إحداهما الأخرى [ البقرة : آية ٢٨٢ ]، ومنه بهذا المعنى : قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي [ طه : آية ٥٢ ] أي : لا يذهب عنه علم شيء سبحانه وتعالى عن ذلك، ومنه بهذا المعنى قول الشاعر :

وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلا أراها في الضلال تهيم
أي : في عدم معرفة الحقيقة حيث ظنت أني أبغي بها بدلا، والأمر على خلاف ذلك.
الاستعمال الثالث : هو استعمال العرب الضلال في الغيبة والاضمحلال، يقولون لكل شيء غاب واضمحل يقولون فيه : ضل، كقولهم : ضل السمن في الطعام. إذا غاب واضمحل فيه، ومنه بهذا المعنى قوله : وضل عنهم ما كانوا يفترون [ الأنعام : ٢٤ ] وقوله : أءذا ضللنا في الأرض [ السجدة : آية ١٠ ] يعنون : إذا ضلت عظامهم في الأرض ؛ أي : أكلها التراب واختلطت به وغابت واضمحلت فيه. ومن اجل هذا كانت العرب تسمي الدفن ( إضلالا ) لأن من دفن يضل في التراب، وتأكل الأرض عظامه، ويختلط بها ؛ ولذا كانوا يسمون الدفن إضلالا، ومنه قول نابغة ذبيان :
فجاء مضلوه بعين جلية وغودر بالجولان حزم ونائل
مضلوه : يعني دافينه. وقول المخبل السعدي يرثي قيس بن عاصم المنقري التميمي :
أضلت بنو قيس بن سعد عميدها وفارسها في الدهر قيس بن عاصم
ومن إطلاق العرب الضلال على الغيبة والاضمحلال قول النصراني الشاعر الأخطل :***
كنت القذى في موج أكدر مزبد قذف الأتي به فضل ضلالا
أي : إذا غاب غيبوبة واضمحل اضمحلالا، ومنه بهذا المعنى قول الآخر :
ألم تسأل فتخبرك الديار عن الحي المضلل أين ساروا
أي : المغيب.
زاد بعض العلماء : أن العرب تطلق الضلال على الحب، وهذا إطلاق غير مشهور معروف كهذه الإطلاقات الثلاثة التي ذكرنا.
ورأوا أنهم قد ضلوا أي : علموا أنهم قد ضلوا عن طريق الإيمان إلى طريق الكفر، وأنابوا إلى الله وتابوا ملتجئين إلى الله.
قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا [ الأعراف : آية ١٤٩ ] قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي : قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ب( ياء الغيبة ) و ربنا مرفوع فاعل : يرحمنا .
وقرأه حمزة والكسائي من السبعة : قالوا لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا لنكونن من الخاسرين .
فمعنى قراءة حمزة والكسائي : لئن لم ترحمنا يا ربنا، وتغفر لنا يا ربنا لنكونن من الخاسرين.
أما على قراءة الجمهور : فالمعنى : لئن لم يرحمنا ربنا أي : يتداركنا برحمته ويغفر لنا الغفران : هو محو الذنوب حتى لا يظهر لها أثر يتضرر به صاحبها بعد ذلك.
ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين والله لنكونن من الخاسرين. وأصل الخسران : نقصان مال التاجر من ربح أو رأس مال، وهو قد يطلق في الشرع وفي القرآن على غبن الإنسان في حظوظه من ربه، وأكبر الخسارة غبن الإنسان بحظوظه من خالفه جل وعلا.
وقد بينا في هذه الدروس مرارا وكررنا أن هذا الخسران أقسم الله في سورة عظيمة من كتابه أنه لا ينجو منه أحد إلا بشروط معينة منصوصة في كتاب الله، كما أوضح الله ذلك في قوله : والعصر ١ إن الإنسان لفي خسر إن الإنسان الألف واللام للاستغراق، فهو بمعنى : أن كل إنسان كائنا من كان لفي خسر ٢ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ٣ [ العصر : الآيات ١- ٣ ].
وقد كررنا في هذه السور الماضية مرارا أن العلماء ضربوا لهذا الخسران مثلين، في كل منهما موعظة يتعظ بها المؤمن في دار الدنيا وقت إمكان الفرصة، كررناها مرارا، ولا نزال نكررهما لعل الله أن يرسل موعظة لقلوب إخواننا تهديهم إلى ما يرضي الله، وتنهاهم عما يكرهه خالقهم، فمن ذلك :
أن العلماء قال بعضهم : إن الله ( جل وعلا ) أعطى كل إنسان رأس مال، وأمره بالتجارة فيه مع خالقه، ورأس هذا المال المعطى لكل إنسان هو الجواهر النفسية، والأعلاق العظيمة التي لا مثيل لها في الدنيا، ألا وهي : ساعات العمر ودقائقه وثوانيه. فليعلم كل منا أن رأس ماله الذي أعطاه خالقه جواهر لا مثيل لها في الدنيا، ولا نظير لها، ولا يوجد شيء أكبر منها فائدة إذا أعملت على الوجه الأتم، ألا وهي : ساعات عمره ودقائق حياته وثوانيها.
هذا رأس مالك أيها الإنسان، وأنت مأمور بتحريكه والتجارة فيه مع خالق السموات والأرض، فإن كنت رجلا عاقلا يقدر الأمور ويخاف العواقب السيئة حركت عمرك وتاجرت فيه مع خالق السموات والأرض تجارة، وذلك أن تصرف ساعات العمر وأوقاته ودقائقه وثوانيه فيما يرض ربك، وتحذر أن تصرف شيئا منه فيما يسخط خالقك ( جل وعلا ) فتنظر في أوقات عمرك الوقت الذي يتوجه إليك فيه أمر من السماء – كأوقات الصلوات وأوقات الصوم وأوقات الحج وما جرى مجرى ذلك - فتبادر إلى امتثال أمرك بنفس طيبة مسارعة راغبة فيما عند الله، والأوقات الذي لم يتوجه عليك طلب مخصوص تستزيد من الخير بالنصوص العامة التي تحثك على طلب الخير ومرضاة من خلقك ( جل وعلا ) وتحذر كل الحذر من أن ترتكب شيئا يغضب خالقك ويسخطه، فإذا اتجرت مع الله هذه التجارة في رأس هذا المال فحركته فيما يرضيه ربحت أيها الأخ ربحا عظيما، ربحت الحور العين والولدان، ومجاورة رب غير غضبان، وسكنى الجنة فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة أعين جزاء بنا كانوا يعملون ١٧ [ السجدة : آية ١٧ ] وقد سمى الله هذه المعاملة معه من عبده سماها :( تجارة ) وسماها :( بيعا ) وسماها :( شراء ) وسماها :( قرضا ) قال تعالى : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا [ البقرة : آية ٢٤٥ ] وقال : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وقال : فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به [ التوبة : آية ١١١ ] وقال : هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ١٠ تؤمنون بالله الآية [ الصف : الآيتان : ١٠، ١١ ].
أما إذا كان الإنسان المسكين أحمق أهوج لا يبالي بالعواقب السيئة، ولا يعرف حقيقة الأمر فإنه يزدري الجواهر التي أعطاه الله وهي أيام عمره، كصاحب المزبلة تكون عنده اليواقيت وهو يظنها حجارة عادية لا يعرف قيمتها، فيضيع رأس ماله وأيام عمره في قال وقيل، وفيما لا يجدي، حتى تضيع، وربما أعملها فيما لا يرضي خالقه ( جل وعلا ) حتى ينتهي العمر المحدد له، وينفذ رأس ماله، فيذهب به إلى القبر وهو مفلس لا رأس مال عنده، فإذا عدم رأس المال فالربح معدوم ! ! والآخرة – أيها الإخوان - دار لا تصلح للمفاليس ؛ لأنها ليس فيها إرفاق وليس فيها بيع ولا شراء ولا هبة، ليس فيها للإنسان إلا ما قدم أيام حياته.
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
فعلى العاقل أن يتجر مع الله، ولا يضيع رأس ماله، والعمر كما جعله الله رأس مال فمن ضيعه فقد خسر الخسران الأعظم، كذلك جعله حجة على العبد ؛ ولذا عده مع النذير في قوله في سورة فاطر : أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير [ فاطر : آية ٣٧ ] فجعل تعمير الإنسان عمرا يتذكر فيه وينيب إلى ربه حجة عليه كالرسول، فعلينا جميعا ألا نضيع أعمارنا، ونعرف قدر قيمتها، ونعملها فيما نتمتع به بعد الموت مما يرضي خالقنا ؛ لأن رأس المال إن ضاع خسر الإنسان كل شيء وندم حيث لا ينفع الندم.
المثل الثاني الذي ضربه العلماء لهذا الخسران : هو حديث جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى جعل لكل إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أطلع أهل الجنة على مساكنهم في النار لو أنهم كفروا وعصوا ؛ لتزداد غبطتهم وسرورهم بما هم فيه، وعند ذلك يقول الواحد منهم : الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله [ الأعراف : آية ٤٣ ] ثم يطلع أهل النار على منازلهم في الجنة لو أنهم آمنوا وأطاعوا ؛ لتزداد ندامتهم وحسرتهم وعند ذلك يقول الواحد منهم : لو أن الله هداني لكنت من المتقين [ الزمر : آية ٥٧ ] ثم إن الله يجعل منازل أهل الجنة في النار لأهل النار، ومنازل أهل النار في الجنة لأهل الجنة، ومن عوض منزل غيره في النار بمنزله في الجنة فصفقته صفقة خاسرة، وهو من الخاسرين كما لا يخفى.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير