ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون [ الأعراف : ١٥٨ ].
الإيضاح : بعد أن حكى عز اسمه ما في التوراة والإنجيل من نعوته صلى الله عليه وسلم وذكر شرف من يتبعه من أهلهما ونيلهما سعادة الدنيا والآخرة قفى على ذلك ببيان عموم بعثته صلى الله عليه وسلم ودعوة الناس كافة إلى الإيمان به وأمره بتبليغهم دعوته فقال :
قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا أي قل لجميع البشر من عرب وعجم إني رسول الله إليكم كافة لا إلى قومي خاصة فهو بمعنى قوله تعالى : وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا [ سبأ : ٢٨ ] وقوله وأوحي إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ [ الأنعام : ١٩ ]. أي وأنذر به كل من بلغه من النقلين، وقوله : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ الأنبياء ١٠٧ ].
وجاءت أحاديث صحيحة ناطقة باختصاصه صلى الله عليه وسلم بالرسالة العامة كحديث جاء في الصحيحين وغيرهما من قوله صلى الله عليه وسلم :( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي، وأعطيت لي الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة ).
ثم وصف الله تعالى نفسه بتوحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والإماتة فقال :
الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت أي إن الله الذي أنا رسوله هو من له التصرف في السماوات والأرض وتدبير العالم كله، إذ وحدة النظام في جملة المخلوقات وعدم التفاوت فيها دليل على وحدة مصدرها وتدبيرها، فهو المعبود وحده لا إله إلا هو.
وتوحيد الربوبية بالإيمان وتوحيد الألوهية والعمل أي بعبادة الله وحده هما أصل الدين، والركن الأول : في العقيدة. والركن الثاني : الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، والركن الثالث : عقيدة البعث بعد الموت وهي تتضمن الإحياء والإماتة وتصرف الرب في خلقه.
وقد بنى على تقرر هذه الأمور الثلاثة الدعوة إلى الإيمان فقال :
فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي أي فآمنوا أيها الناس جميعا بالله الواحد في ربوبيته وألوهيته الذي يحيي كل ما تحله الحياة ويميت كل ما يعرض له الموت بعد الحياة، وهذا أمر مشاهد كل يوم.
وآمنوا برسوله النبي الأمي الذي بعثه في الأميين رسولا إلى الخلق أجمعين، يعلمهم الكتاب والحكمة ويطهرهم من خرافات الشرك والجهل والتفرق والتعادي ليكونوا بهدايته أمة واحدة يتحقق بها الإخاء البشري العام، وقد بشر بهذا النبي الأنبياء صلوات الله عليهم، لأنه المتمم لما بعثوا به من هداية الناس.
الذي يؤمن بالله وكلماته أي يؤمن بتوحيد الله وكلماته التشريعية التي أنزلها لهداية خلقه على ألسنة رسله وهي مظهر علمه ورحمته، وكلماته التكوينية التي هي مظهر إرادته وقدرته وحكمته.
وبعد أن أمرهم سبحانه بالإيمان أمرهم بالإسلام فقال :
واتبعوه لعلكم تهتدون أي واسلكوا طريقه، واقتفوا أثره في كل ما يأتي وما يذر من أمور الدين رجاء اهتدائكم بالإيمان وبإتباعه إلى ما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة وتلك هي الثمرة التي تجنى منهما، فما آمن قوم بنبي إلا كانوا بعد الإيمان به خيرا مما كانوا قبله من العزة والكرامة في دنياهم وسعادتهم في آخرتهم بنيل رضوان ربهم والحظوة بالقرب منه.
وليس من التشريع الذي يجب فيه امتثال الأمر واجتناب النهي ما لا تعلق له بحق الله ولا حق خلقه من جلب مصلحة أو دفع مفسدة كمسائل العادات والزراعات والصناعات والعلوم والفنون المبنية على التجارب وما جاء فيها من أمر ونهي فهو إرشاد لا تشريع وقد ظن بعض الصحابة أن إنكار النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الأمور الدنيوية المبنية على التجارب من قبيل التشريع كامتناعهم عن تلقيح النخل حين نهاهم عنه فأشاص : أي خرج ثمره شيصا رديئا، فراجعوه فأخبرهم أن ما قاله كان عن ظن ورأي، لا عن تشريع ووحي، وقال لهم :( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) والحكمة في ذلك تنبيه الناس إلى أن مثل هذه الأمور الدنيوية والمعاشية متروكة لمعارف الناس وتجاربهم.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير