وقد ذكر الحق الأوصاف ومهّد الأذهان إلى مجيء رسالة محمد صلى الله عليه وسلمن ليضع عنهم الأغلال بالنور الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فالرسالة المحمدية هي الجامعة المانعة، ولذلك يقول الحق بعد ذلك : قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( ١٥٨ ) .
هنا يأمر الحق رسوله بالآتي : قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا في رسالة تعم الزمان، وتعم المكان. وفي ذلك يقول رسول الله :" أعطيت خمسا لم يُعْطَهن أحد من الأنبياء قبلي.. نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة وأعطيت الشفاعة " ١، ثم بعد ذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يثبت عمومية الرسالة بعمومية تسخير الكون للخلق ؛ لذلك كان الحديث موجها إلى كافة الناس : قل يا أيها الناس . وكل من يطلق عليهم ناس فالرسول مرسل إليهم : إني رسول الله إليكم جميعا وأراد سبحانه أن يعطينا الحيثيات التي تجعل لله رسولا يبلغ قومه وكافة الأقوام منهج الله في حركة حياتهم، فقال : الذي له ملك السماوات والأرض .
ومادام هو الذي يملك السماوات والأرض، ولم يدّع أحد من خلقه أنه يملكها، وفي السماوات والأرض وما بينهما حياتنا ومقومات وجودنا فهو سبحانه أولى وأحق أن يعبد. ولو أن السماء لواحد، والهواء لواحد، والأرض لواحد، وما بينهما لواحد لكان من الممكن أن يكون إله هنا، وإله هناك وإله هنالك. وفي هذا يقول الحق : إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ( من الآية ٩١ سورة المؤمنين ) : إذن فمادان الوجود كله من السماوات والأرض وما سواهما لله، فهو الأوْلى أن يعبد، وأول قمة العبادة أن تشهد بأنه لا إله إلا الله، وحيثية ألوهيته الأولى أن له ملك السماوات والأرض. ومادام إلها فلابد أن يطاع إلا بمنهج، ولا منهج إلا بافعل ولا تفعل. وأول المنهج القمة العقدية إنه هو التوحيد. وجعل الله للتوحيد حيثية من واقع الحياة فقال : يحيي ويميت . وهذا أمر لم يدعه أحد أبدا ؛ لأن الله هو الذي له ملك السماوات والأرض، ولأنه يحي ويميت. ولذلك نجد من حاجّ إبراهيم في ربه يقول الحق عنه : أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ( من الآية ٢٥٨ سورة البقرة ) : وحاول هذا الملك أن يدير حوارا سفسطائيا مضللا ليفحم ويسكت إبراهيم عليه السلام فقال : قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ( من الآية ٢٥٨ سورة البقرة ) : وذلك بأن يأمر بقتل إنسان ثم يعفو عنه، وهو بذلك لا يميته بل يحييه في منطق السفسطائيين. لكن هل الأمر بالقتل هو الموت ؟. طبعا لا ؛ لأن هناك فارقا بين الموت والقتل، فقد يقتل إنسان إنسانا آخر، لكنه لا يمكن أن يميته ؛ لأن الموت يأتي بدون هدم بنيته بشيء ؛ برصاصة أو بحجر أو بقنبلة. ولا أحد قادر على أن يميت أحدا إذا رغب في أن يميته، فالموت هو الحادث بدون سبب. لكن أن يقتل إنسان إنسانا آخر فهذا ممكن، ولذلك يقول الحق سبحانه عن نفسه : يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ( من الآية ١٥٧ سورة الأعراف ).
وانظروا إلى الدقة في الأداء ؛ فمادام قد أمر الحق رسوله أن يقول : إني رسول الله إليكم جميعا، وحيثية الإيمان هي الإقرار والاعتقاد بوحدانية الإله الذي له ملك السماوات والأرض، وهو لا إله إلا هو، وهو يحي ويميت ؛ لذلك يدعوهم إلى الإيمان بالخالق الأعلى : فآمنوا بالله ورسوله .
لم يقل محمد وآمنوا بي ؛ لأنها ليست مسألة ذاتية في شخصك يا محمد، إنما هو تكريم لرسالتك إلى الناس، فالإيمان لا بذاتك وشخصك، ولكن لأنك رسول الله، فجاء بالحيثية الأصيلة فآمنوا بالله ورسوله ، والرسول قد يكون محمدا أو غير محمد. وبعد ذلك قال في وصف النبي : النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته . والأمية كما علمنا من قبل شرف في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم يؤمن بكلمات الله، وهي إما بما بلغنا عنه من أسلوب القرآن، وإما بالذي قاله موسى لقومه : واجعل كلامي في فيه .
ويقول فيه عيسى الذي لا يتكلم من قبل نفسه، وإنما تأتي له كلمات ربنا في فمه، والقول الشامل في وصف كلمات محمد صلى الله عليه وسلم : ما بيّنه الحق في قوله : وما ينطق عن الهوى٣ ( سورة النجم )، أو أن الإيمان بالكلمات هو أن يؤمن بأن كل كون الله مخلوق بكلمة منه : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( ٨٢ ) ( سورة يس ).
ولقائل أن يقول : كيف يخاطب الله شيئا وهو لم يكن بعد ؟ ونقول : إنه سبحانه قد علمه أزلا، ووجده ثابت وحاصل، ولكن الله يريد أن يبرز هذا الموجود للناس، فوجود أي شيء هو أزلي في علم الله، وكأنه يقول للشيء : اظهر يا كائن للوجود ليراك الناس بعد أن كنت مطمورا في طيّ قدرتي.
وسواك أكانت الكلمة بخلق الأسباب، مثل خلق الشمس والقمر أم بخلق شيء بلا أسباب، كعيسى عليه السلام فإنه " كلمة منه " أي كلمة تخطت نطاق الأسباب ؛ بأن ولدت سيدتنا مريم من غير رجل. وفي هذا تخطٍ للأسباب، ولذلك قال الحق سبحانه : بكلمة منه . ونعلم أن كل شيء لا يكون إلا بكلمة منه سبحانه، ولكن بكلمة لها أسباب، أو بكلمة لا أسباب لها. والكلمات هي أيضا الآيات التي فيها منهج الأحكام، ولذلك يأتي قوله الحق : قُولُوا آمنّا بِاللّهِ وما أُنْزِل إِليْنا وما أُنْزِل إِلى إِبْراهِيم وإِسْماعِيل وإِسْحاق ويعْقُوب والْأسْباطِ وما أُوتِي مُوسى وعِيسى وما أُوتِي النّبِيُّون مِنْ ربِّهِمْ لا نُفرِّقُ بيْن أحدٍ مِنْهُمْ ونحْنُ لهُ مُسْلِمُون ( ١٣٦ ) ( سورة البقرة ).
ويروي لنا الأثر أن سيدنا موسى عليه السلام قال لربه :" إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد " ٢.
وقول موسى آمنوا بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، هو الذي يدل عليه قول الحق سبحانه :
قُولُوا آمنّا بِاللّهِ وما أُنْزِل إِليْنا وما أُنْزِل إِلى إِبْراهِيم وإِسْماعِيل وإِسْحاق ويعْقُوب والْأسْباطِ ( من الآية ( ١٣٦ ) سورة البقرة ).
ويذيل الحق الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله :
واتبعوه لعلكم تهتدون . و " لعل " رجاء وطلب. ونعلم أن كل طلب يتعلق بأحد أمرين : إما طلب لمحال لكنك تطلبه لتدل بذلك على أنك تحبه، وهو لون من التمني مثل قول من قال : ليت الشباب يعود يوما، إنه يعلم أن الشباب لا يعود لكنه يقول ذلك ليشعرك بأنه يحب الشباب. أو كقول إنسان : ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح، وهذا طلب لمحال، إلا أنه يريد أن يشعرك بأن هذا أمر يحبه، وإما طلب ممكن التحقيق. وهو ما يسمى بالرجاء. وله مراحل : فأنت حين ترجو لإنسان كذا، تقول : لعل فلانا يعطيك كذا، والإدخال في باب الرجاء أن تقول : لعلي أعطيك ؛ لأن الرجاء منك أنت، وأنت الذي تقوله، ومع ذلك قد لا تستطيع تحقيقه، والأقوى أن تقول : لعل الله يعطيك. ولكنها من كلامك أنت فقد يستجيب الله لك وقد لا يستجيب، أما إذا قال الله : لعلكم، فهذا أرجى الرجاءات، ولابد أن يتحقق.
٢ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ولما سكت عن موسى الغضب.. الخ..
تفسير الشعراوي
الشعراوي