معنى قوله : قل يأيها الناس قل يا نبي الله يأيها الناس ( أي ) هنا نودي ليتوصل به إلى نداء الاسم المقترن ب( أل ) ؛ لأن ياء النداء لا تجتمع مع ( أل ) فجعلت ( أل ) متصلة بالياء مناداة ليكون ذلك اتصالا إلى نداء ما فيه الألف واللام ؛ لأن ياء النداء والألف واللام لا يجتمعان. و( الهاء ) هاء تنبيه.
يأيها الناس إني رسول الله أي : مرسل من الله إليكم جميعا ولم يرسل قبله نبي لعامة الخلق، إنما كان يرسل النبي لقومه ونحو ذلك، وهو صلى الله عليه وسلم أرسل للأسود والأحمر، وهذه من الأشياء التي فضله الله بها على جميع الرسل. إني رسول الله مرسل من الله إليكم أبين لكم ما يأمركم به ربكم من عقائد وحلال وحرام وغير ذلك.
وقوله : جميعا يعرب حالا، ويفسر بأنه توكيد، أي : إني رسول الله إليكم في حال كونكم جميعا مجتمعين لم يتخلف منكم أحدا إني رسول الله إليكم جميعا .
الذي له ملك السموات والأرض قال بعض العلماء : هو في محل خفض نعت لله، إني رسول الله الذي. وهذا على هذا القول لم يمنع من تبعيته له الفصل بينهما بقوله : إني رسول الله إليكم جميعا .
وقال بعض العلماء : الفصل بينهما بقوله : إليكم جميعا يمنع من الإتباع و الذي في محل نصب منصوبا على المدح، أو محل رفع خبر مبتدأ محذوف : كما لا يخفى، وهذا معنى قوله : الذي له ملك السموات والأرض هذا الذي جئتكم مرسلا منه ينبغي أن يهاب، وأن يخاف منه، وأن تحترم رسله، وتطاع أوامره، وتجتنب نواهيه لشدة عظمته، وشدة الخوف من بأسه، وشدة الرغبة فيما عنده، فلا ينبغي أن يعصى، فهذا الذي أرسلني ؛ لأن هذه صفاته الذي له ملك السموات والأرض هو ملك السموات والأرض وهو المعبود وحده.
لا إله إلا هو أي : لا معبود يعبد بحق لا في السماء ولا في الأرض ولا في غيرهما إلا هو وحده جل وعلا.
يحي ويميت هو الذي يحييكم ويميتكم. والكفار كانوا يقرون بإماتتين وإحياءة وينكرون إحياءة، ويوم القيامة أقروا بالإحياءتين والإماتتين فقالوا : ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا [ غافر : آية ١١ ] فالإماتتان : الأولى منهما : هي أطوارك أيها الإنسان قبل أن تحيا، فالذي تمكث وأنت نطفة كأنك ميت، والذي تمكثه في بطن أمك وأنت علقة كأنك ميت، والذي تمكثه وأنت مضغة كذلك، فإذا نفخ الله فيك الروح فقد أحياك الإحياءة الأولى بعد الإماتة الأولى. ثم إذا أماتك المرة الثانية وصرت إلى القبر فقد مت الموتة الثانية، ثم يحييك حياة البعث، وهي الإحياءة الثانية التي كانوا ينكرون ؛ ولذا قالوا لما أحياهم الإحياءة الثانية وعاينوها وبعثوا : ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا [ غافر : آية ١١ ] وقد أوضح الله هاتين الإحياءتين والإماتنين في سورة البقرة في قوله : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم الآية [ البقرة : آية ٢٨ ] هذا معنى قوله : له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت ومن كان يحيي ويميت فهو الذي يخاف منه غاية الخوف ؛ لأنه لا يقع على الإنسان في هذه الدار الدنيا حادث أعظم من الموت الذي يقطعه عن كل شيء.
والموت أعظم حادث *** فيما يمر على الجبلة
ولا شيء أعظم – من التصرفات - من إحياء الإنسان بعد موته والإتيان به حيا بعد أن صار عظاما رميما- سبحان ربنا وخالقنا ما أعظمه، وما أعظم قدرته ( جل وعلا ) وما أظهر براهين توحيده – وهذا معنى قوله : يحي ويميت فآمنوا بالله أي : صدقوا به وبكل ما يجب له، وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
النبي الأمي [ الأعراف : آية ١٥٨ ] قرأ نافع هنا في الموضعين وفي جميع القرآن ( النبيء ) بالهمزة إلا في موضعين من سورة الأحزاب قرأ في رواية قالون بالإدغام موافقة للجمهور.
وعلى قراءة نافع فالنبيء من ( النبأ )، والنبأ : هو الخبر الذي له الشأن، فكل نبا خبر، وليس كل خبر نبأ.
وعلى قراءة الجمهور : فقيل هي كقراءة نافع، أصلها من ( النبأ ) إلا أن الهمزة أبدلت ياء، وأدغمت فيها الياء التي بعد الباء. وقال بعض العلماء :( النبي ) في قراءة الجمهور من النبوة وهي الارتفاع ؛ لارتفاع شان الأنبياء ومكانتهم بالوحي الذي فضلهم الله به. وهذا معنى قوله : ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله ويؤمن بكلمات الله، ومن كلمات الله : كتبه المنزلة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يؤمن بكتب الله كما شهد الله له بذلك في قوله : آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله [ البقرة : آية ٢٨٥ ] وقراءة الجمهور : وكلمته وفي بعض القراءات الشاذة : يؤمن بالله وكلمته ، قال بعض العلماء : كلمته هي عيسى ؛ لأن الله قال لمريم : إن الله يبشركم بكلمة منه [ آل عمران : آية ٤٥ ] كما قال عن زكريا : مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين [ آل عمران : آية ٣٩ ] هذا معنى قوله :{ يؤمن بالله وكلمته.
واتبعوه لعلكم تهتدون [ الأعراف : آية ١٥٨ ] أمر الله هذه الأمة أن تتبع سيد الخلق ( صلوات الله وسلامه عليه ) ومعنى اتباعه : هو الاقتداء به فيما جاء به من عقائد وأفعال وأقوال، هذا هو معنى الاتباع. لعلكم تهتدون أي : لأجل أن تهتدوا، أو على رجائكم الهداية باتباعه صلى الله عليه وسلم، وهذا معنى قوله : واتبعوه لعلكم تهتدون .
يقول الله جل وعلا : قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلمته واتبعوه لعلكم تهتدون ١٥٨ .
أمر الله ( جل وعلا ) نبينا صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف أن يقول لجميع الناس أسودهم وأحمرهم : إنه رسول إليهم من رب السموات والأرض، وهذه من المسائل التي فضله الله بها ( صلوات الله وسلامه عليه ) على جميع الرسل ؛ لأنه فضل بخصال لم يعطها أحد قبله من الرسل ( صلوات الله وسلامه عليهم )، كما جاء مبينا في الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم، فقد أحلت له الغنائم ولم تحل لأحد قبله، وكانوا يحرقونها بالنار، وقد جعلت له الأرض مسجدا وطهورا، وقد نصره الله بالرعب مسيرة شهر، وأرسله إلى كافة الناس ( صلوات الله وسلامه عليه ) فهم ( صلوات الله وسلامه عليه ) أفضل الرسل، وخير العالمين صلى الله عليه وسلم، ومنذ بعثه الله لم تبلغ دعوته أحدا من الخلق، ولم يؤمن به إلا دخل النار، فالذين يقولون : إن محمدا صلى الله عليه وسلم أرسل إلى العرب ولم يرسل إلى غيرهم كفرة ملاحدة، كفرة بالله، مكذبون كتاب الله، مخالفون الضروري في دين الإسلام، فهو صلى الله عليه وسلم مرسل إلى جميع الخلائق كما صرحت به هذه الآية الكريمة قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا وجاء في آيات أخر من كتاب الله وأحاديث صحيحة معروفة، فمن الآيات الدالة على ذلك : قوله تعالى : تبارك الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ١ [ الفرقان : آية ١ ] فصرح بأنه نذير للعالمين، وكقوله تعالى : قل أي شيء اكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ [ الأنعام : آية ١٩ ] فكل من بلغه هذا القرآن فهو منذر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى : وما أرسلناك إلا كافة للناس [ سبأ : آية ٢٨ ] أي : إلا للناس كافة على التحقيق، خلافا لمن زعم من علماء العربية أن صاحب الحال إذا كان مجرورا باللام أنه لا تتقدم عليه الحال. والمتأخرون من علماء العربية قالوا : إن ذلك جائز وتدل عليه الآية التي ذكرنا، وهي قوله : وما أرسلناك إلا كافة للناس [ سبأ : آية ٢٨ ]. ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده [ هود : آية ١٧ ] وكل من سمع برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبلغته ولم يؤمن به دخل النار ؛ لأنه رسول الله إلى الأسود والأحمر، وإلى الخلق كافة ( صلوات الله وسلامه عليه )، مرسل إلى الجن والأنس، عام الرسالة، باقيها إلى يوم القيامة ؛ لأن الله لما أرسله رسالة عامة وجعلها باقية على مر العصور جعل معجزته – وهي هذا القرآن العظيم- قائمة باقية تتردد في آذان الخلق إلى يوم القيامة، محفوظة من رب العالمين، لو أراد إنسان أن يزيد حرفا او ينقصه، أو نقطا أو ينقص لرد عليه الآلاف من صبيان المسلمين في أقطار الدنيا ؛ لأن الله تولى حفظ هذا المنزل المحكم الذي هو أساس هذه الرسالة العامة الخالدة ( صلوات الله وسلامه على من جاء بها ). وهذا معنى قوله : قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا .
الرسول هنا ( فعول ) بمعنى ( مفعل ) إني مرسل من الله إليكم جميعا.
وقد قدمنا مرارا أن علماء العربية يقولون : إن أصل الرسول أصله مصدر وصف به فجيء به بمعنى اسم مفعول، وإتيان المصادر على وزن ( فعول ) مسموع في أوزان قليلة كالقبول والولوع والرسول، في أوزان قليلة. وفائدة ذكرنا أن أصل الرسول مصدر وصف به وجيء به بمعنى اسم المفعول : لنزيل بذلك إشكالا في كتاب الله، وإيضاح ذلك : أن المعروف عند علماء العربية أن المصادر إذا نعت بها – أعني أجريت مجاري الأوصاف- أنها تلزم الإفراد والتذكير باللغة الفصحى، فتقول : هذا رجل عدل، وهذه نساء عدل، وهذه امرأة عدل، وهؤلاء رجال عدل. وهذا في اللغة الفصحى، وربما تنوسي أصل المصدر وعومل معاملة الأوصاف نظرا إلى وصيفته الطارئة، فالرسول على هذا تارة في القرآن يلاحظ فيه أصله الذي هو المصدر، وتارة يلاحظ فيه الوصفية العارضة التي جعل بمعناها. وإيضاح هذا : أن الرسول على أن أصله مصدر يفرد عند حالة التثنية والجمع، تقول : هذان رسول، وهؤلاء رسول. وربما جمع الرسول نظرا إلى الوصفية وتناسيا لأصل المصدرية، فمن جمع الرسول اعتبارا بالوصيفة : تلك الرسل [ البقرة : آية ٢٥٣ ] رسلا مبشرين [ النساء : آية ١٦٥ ] ومن تثنيته : قوله في سورة طه : إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل [ طه : آية ٤٧ ] فقد ثنى الرسول اعتبارا بوصفيته، وفي سورة الشعراء أفرد الرسول مع أن المراد به اثنان نظرا إلى أصله الذي هو المصدر، وذلك في قوله : إنا رسول رب العالمين [ الشعراء : آية ١٦ ] ولم يقل : إنا رسولا. فنطقت العرب بلفظ الرسول مفردا مرادا به الجمع، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي :
ألكني إليها وخير الرسول *** أعلمهم بنواحي الخبر
فجمع الضمير في قوله :( أعلمهم ) وهو عائد إلى الرسول المفرد نظر إلى أصل مصدريته. والرسول مسموع في كلام العرب بمعنى المصدر، ومنه قول الشاعر :
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم *** بقول ولا أرسلتهم برسول
أي : برسالة. وقول الآخر :
ألا من مبلغ عمرا رسولا *** بأني عن فتاحتكم غني
أي : رسالة. وهذا معنى قوله : إني رسول الله إليكم جميعا أي : مرسل من الله إليكم أيها الناس جميعا. فقوله : جميعا يعرب حالا ويفسر توكيدا. إني رسول الله إليكم في حال كونكم مجتمعين لم يشذ أحد منكم، بل رسالتي عامة لجميعكم في حال كونها شاملة لكم مجتمعين فيها. هذا معنى قوله : إني رسول الله إليكم جميعا .
ولما بين أنه مرسل من الله ذكر الله ( جل وعلا ) من صفات هذا الرب المرسل ما يدعو خلقه إلى القبول والامتثال، فبين أن هذه
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير