نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٥٧:( ١٨ ) الأمي : نسبة إلى أمة في قول، وإلى أم في قول على ما جاء في كتب التفسير واللغة. وقد استعمل جمعها [ الأميين ] في القرآن حكاية بني إسرائيل في معنى غيرهم من الأمم كما جاء في آية سورة آل عمران هذه : ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل [ ٧٥ ] واستعمل جمعها في معنى غير أهل الكتاب كما جاء في آية سورة آل عمران هذه : فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم [ ٢٠ ] واستعمل جمعها للدلالة على عدم إحسان الكتابة والقراءة كما جاء في آية سورة البقرة هذه : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون [ ٧٨ ] واستعمل جمعها للدلالة على العرب كما جاء في آية سورة الجمعة هذه : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [ ٢ ] والمتبادر أن الكلمة هنا هي من هذا المعنى الأخير. وربما أطلق هذا المعنى على العرب لأنهم غير أهل الكتاب.
( ١٩ ) الخبائث : ضد كل ما هو طيب حلال.
( ٢٠ ) إصرهم : الشدة التي تثقلهم.
( ٢١ ) الأغلال : القيود.
( ٢٢ ) عزروه : وقروه وأيدوه.
م١٣٨
تعليق على الآية
{ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا
عندهم في التوراة والإنجيل }
والآية التالية لها وما
فيهما من خطورة ودلالة في صدد الرسالة المحمدية
وفي هذه الحلقة آيتان في صدد الدعوة إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه وشمول دعوته وتنويه بالذين اتبعوه وهما الآيتان [ ١٥٧-١٥٨ ].
ولقد روى الطبري عن قتادة والهذلي من علماء التابعين أنه لما نزلت عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء وهي الآية السابقة للآيتين، قال إبليس : أنا من ذلك الشيء، فأنزل الله : فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون فقال النصارى واليهود : نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات الله وتمنوا أن تكون الآية فيهم، فأنزل الله : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي إلخ الآية. وروى كذلك عن نوف البكالي وهو يهودي الأصل : أن موسى لما انطلق بوفد بني إسرائيل كلمه الله فقال : إني بسطت لهم الأرض طهورا ومساجد يصلون فيها حيث أدركتهم الصلاة إلا عند مرحاض أو قبر أو حمام. وجعلت السكينة في قلوبهم، وجعلتهم يقرأون التوراة عن ظهر ألسنتهم. فذكر موسى ذلك لبني إسرائيل فقالوا : لا نستطيع أن نحمل السكينة في قلوبنا فاجعلها لنا في التابوت، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة إلا نظرا، ولا نصلي إلا في الكنيسة فقال الله : فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة حتى بلغ أولئك هم المفلحون. فقال موسى عليه السلام : يا رب اجعلني نبيهم، قال : نبيهم منهم. قال : اجعلني منهم، قال : لن تدركهم.
والتفكك والغرابة باديتان على الروايتين. وينقض الأخيرة منها نص الآية الثانية التي تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهتاف بالناس بأنه رسول الله إليهم جميعا. وليس شيء منها واردا في كتب الأحاديث المعتبرة.
والذي يتبادر لنا أن الآيتين قد جاءتا استطرادا بعد الآية السابقة لتبين الأولى منهما هوية الذين وعدتهم الآية السابقة برحمة الله الواسعة أو لتكون بدلا بيانيا عنها، وهم اليهود والنصارى الذين يتبعون الرسول النبي الذي يجدون صفاته في التوراة والإنجيل الذي من صفاته ورسالته أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإباحة الطيبات لهم وتحريم الخبائث عنهم وتحريرهم من القيود والتكاليف الشديدة التي كانت مفروضة عليهم ولم تعد حكمة الله تقتضي دوامها في عهد هذا النبي. ولتأمر الثانية النبي صلى الله عليه وسلم بالهتاف بأنه رسول الله إلى الناس جميعا، وأنه مؤمن بالله وبكلماته أي كتبه المنزلة السابقة، وأنه يدعوهم إلى اتباعه، كأنما أريده بهذا توجيه الخطاب لأهل التوراة والإنجيل بخاصة وإعلانهم بأن رسالته ليست خاصة بالعرب الأميين [ غير الكتابيين ] الذين هو منهم، وإنما هي شاملة لهم ولغيرهم من جميع الأجناس والألوان والأديان.
وتعد الآيتان بما احتوتاه من أهم جوامع الكلم القرآنية كما تعد الأهداف التي تقررانها جماع أهداف الدين الإسلامي ومبادئه، وخير ما يمكن أن تستهدفه الشرائع والأديان لتحقيق السعادة والفوز والنجاح في الدنيا والآخرة. وقد جاءتا في ذات الوقت لتمهد السبيل لإقبال اليهود والنصارى على الإيمان بالرسالة المحمدية ولفتح الباب على مصراعيه لتكوين وحدة أخوية إنسانية عامة في دين واحد يحتوي أسس الأديان السماوية ويعترف بكتبها وأنبيائها ويرفع الإصر والأغلال عن الناس ويزيل من بينهم المبهمات والمشكلات والخلافات، ويقوم على أساس الأمر بكل ما عرف أنه خير وصلاح والنهي عن كل ما عرف أنه منكر وفساد وإباحة كل ما عرف أنه طيب وتحريم كل ما عرف أنه خبيث.
ولما كانت هذه الآيات مكية ومبكرة في النزول، فإن فيها دلالة على أن الرسالة المحمدية حملت منذ بدئها المهام العظمى التي ذكرتها الآية الأولى، وعلى أن صفات النبي صلى الله عليه وسلم كانت موجودة في التوراة والإنجيل يجدها اليهود والنصارى فيهما، وعلى أن فريقا منهم اعترفوا بمطابقة صفاته على ما في أيديهم من الكتب وآمنوا به في وقت مبكر من العهد المكي. وعلى أن هذه الرسالة كانت منذ البدء رسالة عامة لجميع الناس والملل، وردا على الذين يزعمون غير ذلك استدلالا من بعض آيات وجهت للعرب خاصة، وغير مدركين ما يمكن أن يكون في ذلك من حكمة وخصوصية اقتضتها ظروف الخطاب والدعوة والأساليب مما سوف نشرحه في مناسباته. وهذا التعميم قد أكدته إشارات وآيات عديدة منها ما سبق ونبهنا عليه فضلا عما في القرآن المدني من مؤيداته الكثيرة.
ولقد كان ما احتوته الآية [ ١٥٧ ] من إشارة إلى أن اليهود والنصارى يجدون صفات النبي صلى الله عليه وسلم وأهداف دعوته فيما بين أيديهم من التوراة والإنجيل موضوع جدل وتشاد في مجال الإنكار والإثبات بين المسلمين وأهل الكتاب.
ونقول : إن الآية تقول هذا بصراحة، وتوجه الخطاب بخاصة إلى اليهود والنصارى، ومنهم من كان يسمعه وجاها ومنهم من آمن به نتيجة لذلك. فليس مما يعقل- ونقول هذا من باب المساجلة- أن يكون ما تقوله الآية جزافا لا يستند إلى حقيقة ما أو أساس ما فيها كان في أيدي اليهود والنصارى من أسفار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يستطيع أحد أن ينفي ذلك أو يجزم بأن ما كان في أيديهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو نفسه الذي يتداولونه اليوم بدون نقص أو زيادة في النصوص وأسماء الأسفار.
والتوراة والإنجيل اللذان تذكرهما الآية هما كتابان منزلان من الله عز وجل على موسى وعيسى عليهما السلام. وهذا هو المقصود بهما على ما تفيده آيات كثيرة سيأتي إيرادها في تعليق آخر يأتي بعد هذا على التوراة والإنجيل. والمتداول في أيدي اليهود والنصارى اليوم أسفار كثيرة العدد كتبت بعد موسى وعيسى بأقلام بشرية شابها كثير من المبالغة والمناقضة والإغراب. وفي القرآن دلائل تفيد أنه كان في أيدي اليهود والنصارى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم توراة وإنجيل يصح عليهما وصف القرآن على ما سوف نورده في التعليق الآتي. وفي أسفار العدد والخروج والتثنية والملوك وعزرا من أسفار العهد القديم ما يفيد : أن كتابا باسم التوراة كتبه موسى بيده، وفيه ما تلقاه عن الله من وصايا وتعاليم وشرائع. والمتبادر من العبارة القرآنية أن هذا هو الذي كان فيه صفة النبي صلى الله عليه وسلم. وهو مفقود. وهناك إنجيل معروف باسم إنجيل برنابا أحد الرسل الذين حملوا راية التبشير عقب وفاة عيسى عليه السلام(١) فيه نصوص متفقة مع نصوص القرآن عن عيسى عليه السلام وولادته وحياته ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصفاته. ومهما تكن المآخذ التي يوجهها رجال الدين النصراني إلى هذا الإنجيل، فإن نصوص القرآن الذي لا يشك أحد في أنه يرجع تاريخيا إلى أربعة عشر قرنا دليل قاطع على أن في ما كان متداولا في أيدي اليهود والنصارى من أسفار إشارات إلى صفة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته. فقد جاء في سورة الصف مثلا : وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد [ ٦ ] وهناك آيات تذكر : أن أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ويعرفون أن الكتاب المنزل عليه هو حق من الله، وأن ما أنزل إليه هو حق كما يعرفون أبناءهم مثل آية سورة البقرة هذه الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون١٤٦ وآية سورة الأنعام هذه : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون٢٠ وهذه أفغير الله أبتغي حكما وهو الذين أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين١١٤ مما لا يمكن أن يكون إلا بسبب ما رأوه من مطابقة تامة بين صفاته وبين ما في أيديهم من كتب.
على أن في أسفار العهد القديم والعهد الجديد المتداولة اليوم إشارات عديدة يمكن أن تكون من جملة ما يدل على بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته. ومن ذلك مثلا عبارة مجيء المعزى بعد انطلاق عيسى عليه السلام حيث جاء في الإصحاح الخامس عشر من إنجيل يوحنا هذه العبارة :[ ومتى جاء المعزى(٢) الذي أرسله إليكم من عند الآب روح الحق الذي من الآب ينبثق فهو يشهد لي ]. وفي الإصحاح السادس عشر هذه العبارة :[ إن في انطلاقي خيرا لكم لأني إن لم أنطلق لم يأتكم المعزى ولكني إذا مضيت أرسلته إليكم. ومتى جاء يبكت العالم على الخطيئة وعلى البر وعلى الدينونة ]. وقد أوردنا العبارة على علاتها ونعتقد أن السيد المسيح الذي ورد في القرآن عن لسانه أنه عبد الله ورسوله، لا يمكن أن يقول قولا يشتم منه أنه غير ذلك. وفي إنجيل برنابا نصوص كثيرة تماثل ما ذكره القرآن عن عيسى وأقواله عن بعثة النبي ومن جملتها : ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد . وإنكار النصارى له لا يقدم ولا يؤخر ؛ لأن هذه الحقائق قد ذكرت في القرآن الذي ذكر أن من أهل الكتاب اليهود والنصارى من آمن بالنبي وصدق بالقرآن، وأعلن أنه مطابق لما عندهم من الحق. مما سوف نورد نصوصه بعد.
وبعض المبشرين يقولون : إن البارقليط أو المعزى هو روح القدس. وروح القدس هو جزء من الله في عقائدهم والعبارة الإنجيلية تفيد أن الذي سيأتي هو شخص مرسل من الله لينذر ويبكت ويأمر بالبر والتقوى. وكل هذا صفات رسول إلهي وليست صفات الله...
ولقد عقد رشيد رضا في الجزء التاسع من تفسيره في سياق تفسير سورة الأعراف وهذه الآيات فصلا طويلا على هذا الأمر نبّه فيه إلى أمور عديدة ليثبت أنه لا يمكن إلا أن يكون الأنبياء السابقون للنبي صلى الله عليه وسلم قد نبهوا إلى رسالته وظهوره وأن يكون ذلك مذكورا في ما نزل عليهم من كتب الله وعلى أن عدم ذكر ذلك بصراحة لا ينفي هذا وإنما يثبت التحريف والإخفاء، ثم أورد بعد ذلك ثاني عشرة بشارة مستمدة من نصوص أسفار العهد القديم والأناجيل، وناقش الشبهات التي يوردها بخاصة المبشرون. وأورد من الحجج والأقو
٢ - هذه العبارة مأخوذة من النسخة الكاثوليكية وقد جاء بدلها في النسخة البروتستانية [كلمة البارقليط]..
التفسير الحديث
دروزة