ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

فأكلتها، وإذا حاضت المرأة لم يقربوها، وإذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضة، وروي: وجلد أحدهم، فأحل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغنائم، وأباح مجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها، ورخص بغسل البول، وشرع الدية، وقيّد القصاص في القتل العمد، وجعل التوبة باللسان والقلب مع الله. ودلت الآية على أن من آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأيده وحماه وعظمه واتبع القرآن فهو من المفلحين أي الفائزين بالمطلوب في الدنيا والآخرة.
عموم الرسالة الإسلامية
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٨]
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)
المفردات اللغوية:
قُلْ خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وَكَلِماتِهِ القرآن. تَهْتَدُونَ ترشدون.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى وجود صفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة والإنجيل، وذكر أن من يتبعه، فله سعادة الدنيا والآخرة، أوضح مزية الرسالة الإسلامية وهي أنها عامة شاملة، وأن بعثته صلى الله عليه وآله وسلم للناس كافة، يدعوهم فيها إلى الإيمان به وبرسالته، وأن كل من يتبعه تشمله تلك السعادة.

صفحة رقم 127

التفسير والبيان:
قل يا محمد لجميع البشر من عرب وغيرهم، بيض أو سود: إني رسول الله إليكم جميعا، لا إلى قومي العرب خاصة، وإلى كل وقت وزمن إلى يوم القيامة، وهذا يقتضي أن يكون مبعوثا إلى جميع الناس، كما قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء ٢١/ ١٠٧] وقال: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ ٣٤/ ٢٨] وقال: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام ٦/ ١٩] أي وأنذر كل من بلغه. ومطلع سورة الفرقان يؤكد عالمية الرسالة.
وجاءت الأحاديث الثابتة مؤكدة عموم الرسالة النبوية،
مثل حديث الصحيحين والنسائي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأحلّت لي الغناء ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة».
إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ الذي له الملك التام والتصرف الكامل في السموات وفي الأرضين جميعها، وله القدرة التامة على الإحياء والإماتة.
وقد تضمنت هذه الآية عناصر العقيدة الثلاثة: وهي توحيد الربوبية بالإيمان، وتوحيد الألوهية بالإيمان والعمل، أي بعبادة الله وحده، ثم الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم الإيمان بالبعث بعد الموت، وذلك معنى الإحياء والإماتة.
ورتب على ما سبق الدعوة إلى الإيمان فقال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ... أي فصدقوا أيها الناس قاطبة بالله الواحد الأحد الفرد الصمد في ربوبيته وألوهيته، وآمنوا برسوله النبي الأمي الذي بعثه إلى الخلق أجمعين.

صفحة رقم 128

وهو النبي الذي يؤمن بوحدانية الله وكلماته التشريعية التي أنزلها الله لهداية البشر، وكلماته التكوينية الدالة على قدرته وإرادته وحكمته، ويصدق قوله عمله، ويؤمن بما أنزل إليه من ربه. فالمراد من كلماته: ما تضمنته كتبه من التوراة والإنجيل والقرآن من أحكام وإرشادات وأدلة على وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته.
وهذا أمر بالإيمان أتبعه بالأمر بالإسلام، أي اتبعوا منهج هذا النبي، واسلكوا طريقه في كل ما جاء به، لتهتدوا إلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه، أو رجاء أن تهتدوا بالإيمان واتباع الشرع إلى ما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة.
والحق أنه لأهدي صحيحا ثابتا إلا في القرآن، ولا خير إلا في الدين، ولا سعادة إلا باتباع شريعة خاتم النبيين، وبمقدار الالتزام بالشريعة يكون النجاح في الدنيا والآخرة.
روى مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن محمد صلى الله عليه وآله وسلم مبعوث إلى جميع الخلق، وأن رسالته عامة للناس أجمعين، بل لكل العالمين من الإنس والجن.
والمراد بالناس: هم المكلفون أي البالغون العقلاء
لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن علي وعمر: «رفع القلم عن ثلاث:
عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق»
.

صفحة رقم 129

والمقصود بالناس أيضا كل من وصل إليه خبر وجوده وخبر معجزاته وشرائعه، وقلّ أن تجد قوما لم يبلغهم خبر ظهور محمد عليه الصلاة والسلام.
ودلت الآية أيضا على ما يثبت كونه عليه الصلاة والسلام رسولا إلى الناس جميعا، وهو أنه مرسل من خالق العالم المتصف بالحياة والعلم والقدرة والوحدانية، المنزه عن الشريك والوالد والولد، القادر على الحشر والنشر والبعث والقيامة، مالك السموات والأرضين، المتصرف في الكون كيفما يشاء، وأن الخلق كلهم عبيده، وهو المنعم عليهم بأعظم النعم، وأنه المجازي لهم بعد موتهم، مما يقتضي تكليف الخلق بما يريد.
وما على الخلق إلا الإيمان بوحدانية الله وبربوبيته، واتباع كلماته أي تشريعاته، وليس من التشريع أمور الدنيا العادية من تدبير شؤون الزراعة والصناعة والتجارة المباحة والعلوم النافعة، فتلك متروكة لعقول الناس ومعارفهم وخبراتهم،
لما ورد في الحديث الصحيح عند الشيخين: «أنتم أعلم بأمور دنياكم».
ومن كلمات الله: المعجزات الدالة على كونه نبيا حقا لأن كل شيء غريب يسمى كلمة، والمعجزات نوعان:
معجزات ظهرت في ذاته عليه الصلاة والسلام، وأشرفها وأهمها كونه رجلا أميا، لم يتعلم من أستاذ، ولم يطالع كتابا، ولم يجالس أحدا من العلماء.
ومعجزات صدرت عنه مثل انشقاق القمر، ونبوع الماء من بين أصابعه.
وبه يكون المراد بقوله: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ أي يؤمن بالله وبجميع المعجزات التي أظهرها الله عليه، وبما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من كتبه ووحيه.

صفحة رقم 130

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية