ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫ

يقول الله ( جل وعلا ) : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون [ الأعراف : آية ١٥٩ ] موسى هو نبي الله موسى بن عمران ( عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ). وقومه : هم بنو إسرائيل.
وأصل ( القوم ) في لغة العرب : اسم جمع لا واحد له في لفظه، وضع للذكور دون الإناث، وربما دخلت الإناث فيه بحكم التبع. والدليل على أن لفظ القوم يختص بالوضع بالذكور دون الإناث قوله تعالى : لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ثم قال : ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن فلو دخل النساء في اسم القوم لما كان لقوله :( ولا نساء من نساء ) [ الحجرات : آية ١١ ] فائدة، وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول زهير بن أبي سلمى :

وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء
فدل على أن العرب تخص به الذكور، والدليل من القرآن على أن النساء ربما دخلن في اسم القوم بحكم التبع : قوله تعالى في ملكة اليمن : وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين ٤٣ [ النمل : آية ٤٣ ].
وقوله : أمة مبتدأ سوغ الابتداء به وهو نكرة اعتماده على المجرور قبله. والأمة : الطائفة الكثيرة المتفقة في دين ونحوه، وقد جاء في القرآن العظيم إطلاق الأمة على أربعة معان كلها صحيح موجود في كتاب الله، ومنه إطلاق الأمة على الطائفة المتفقة في دين ونحوه، وهذا أكثر إطلاقات الأمة، كقوله هنا : ومن قوم موسى أمة كان الناس أمة واحدة [ البقرة : آية ١٢٣ ] ونحو ذلك من الآيات.
الإطلاق الثاني : إطلاق الأمة على الرجل المقتدى به، كقوله في إبراهيم : إن إبراهيم كان أمة [ النحل : آية ١٢٠ ].
الإطلاق الثالث : إطلاق الأمة على القطعة والبرهة من الزمان، ومنه قوله تعالى : وقال الذي نجا منهما واذكر بعد أمة [ يوسف : آية ٣٥ ] أي : تذكر بعد برهة من الزمان وقطعة من الدهر. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى : ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة [ هود : آية ٨ ] أي : إلى مدة معينة في علمنا.
الإطلاق الرابع : إطلاق الأمة على الشريعة والدين، وهذا إطلاق مشهور في القرآن، كقوله وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة [ الزخرف : آية ٢٣ ] أي : على شريعة وملة ودين، ومنه بهذا المعنى قوله : إن هذه أمتكم أمة واحدة [ الأنبياء : آية ٩٢ ] أي : دينكم وشريعتكم شريعة واحدة. وهذا الإطلاق معروف مشهور في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان :
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع
يعني : أن من كان صاحب دين وشريعة لا يرتكب الإثم قاصدا أبدا، وهذا يقوله جاهلي، فكيف بالمسلم، فما ينبغي له أن يقول ؟ ! وهذا معنى قوله : وربه يعدلون .
يهدون بالحق أي : يهدون الناس بالحق، والمراد بالحق الذي يهدون به الناس : هو شرع الله ودينه الذي أنزله على رسله. وله أي : بالحق المذكور يعدلون يصيبون العدالة المتجافية عن طرفي الإفراط والتفريط. فالعدالة : المشي على الصواب وطريق القصد المتجافي عن طرف الإفراط والتفريط.
وهذه الآية الكريمة دلت على أن من قوم موسى أمة طيبة على الحق، وهذا المعنى جاء مصرحا به في آيات كثيرة كقوله تعالى : ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون ١١٣ يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ١١٤ [ آل عمران : الآيتان ١١٣، ١١٤ ] وكقوله جل وعلا : وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ١٩٩ [ أل عمران : آية ١٩٩ ] وكقوله تعالى : قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ١٠٧ ويقولون سبحان ربنا... الآية [ الإسراء : الآيتان ١٠٧، ١٠٨ ] وكقوله : يفرحون بما انزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه [ الرعد : آية ٣٢ ] في أهل الكتاب الذين يفرحون بما انزل إليه صلى الله عليه وسلم، وقد بين القرآن أن هذه الطائفة من أهل الكتاب –التي كانت متمسكة بشريعة موسى وبما في التوراة إذا كانت على ذلك حتى آمنت بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم- أنها تؤتى أجرها مرتين، أجر إيمانها الأول بموسى وكتابه، وإيمانها بمحمد وكتابه، نص الله على هذا في سورة القصص في قوله : ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ٥١ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به مؤمنون ٥٢ وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ٥٣ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا الآية [ القصص : الآيات ٥١- ٥٤ ]. وهذا معنى قوله : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ١٥٩ [ الأعراف : آية ١٥٩ ].
وقد قدمنا في سورة المائدة أن ظاهر القرآن أن هذه الأمة هي الأمة المقتصدة المذكورة في قوله : منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعلمون [ المائدة : آية ٦٦ ] وهذه الأمة غاية ما نوه الله به عنها أنها مقتصدة، وهذه الأمة الكريمة التي هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم لما نوه عنها وعن كتابها جعل فيها مرتبة أعظم من المقتصدة، وذلك في قوله : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ٣٢ [ فاطر : آية ٣٢ ] فجعل فيهم سابقا بالخيرات فوق المقتصد، ووعد الجميع ممن أورثوا هذا الكتاب بقوله : جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب الآية [ فاطر : آية ٣٣ ]. فآية فاطر هذه تدل دلالة عظيمة واضحة على عظيم هذه الآمة المحمدية، وعلى عظيم نعمة هذا الكتاب والرحمة والنور الذي أنزل الله إليها من السماء على لسان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله لما قال : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا بين أن إيراث هذا الكتاب علامة الاصطفاء – وهو الاختبار من الله- ثم قسم هذه الأمة التي اصطفاها الله بإيراث هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام : قال : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ثم نوه عن أن إيراث هذا الكتاب فضل عظيم من الله قال : ذالك أي : إيراثه إياكم ذلك الكتاب هو الفضل الكبير من الله عليكم. ثم وعد الجميع والأول منهم الظالم لنفسه بوعده الصادق إن الله لا يخالف الميعاد جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ٣٣ وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ٣٤ الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ٣٥ [ فاطر : الآيات ٣٣- ٣٥ ] ولم يبق عن الطوائف الثلاثة الموعودة بالجنة – ممن لا يخلف الميعاد- إلا الكفار ؛ لأن الله ذكر في مقابلتهم الكفار في قوله : والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ٣٦ [ فاطر : آية ٣٦ ].
وكان بعض العلماء يقول :( حق لهذه الواو – في سورة فاطر- أن تكتب بماء العنين ) يعني واو يدخلونها لأنها واو شاملة بالوعد الصادق من الله بجنات عدن لجميع هذه الأمة التي أورثت هذا الكتاب، وعلى رأسهم الظالم لنفسه.
وأصح التفسيرات في ( الظالم، والمقتصد، والسابق بالخيرات ) في آية فاطر هذه : أن الظالم : هو الذي يطيع الله تارة ويعصيه أخرى، وهو من الذين قال الله فيهم : خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم [ التوبة : آية ١٠٢ ] والمقتصد : هو الذي ينتهي عن المحرمات، ويأتي بالواجبات، ولا يتقرب بالنوافل التي هي غير ترك الحرام أو أداء الواجب. والسابق بالخيرات : هو الذي يمتثل الأوامر، ويجتنب النواهي، ويتقرب إلى الله بالنوافل.
وقد ذكرنا مرارا أن العلماء اختلفوا في السبب الذي قدم من أجله الظالم لنفسه في هذا الوعد العظيم من الله – الذي لا يخلف الميعاد- بجنات عدن وما فيها من النعيم، فمن أين للظالم لنفسه أن يقدم على السابق بالخيرات والمقتصد ؟.
فقال بعض العلماء : هذه الآية من سورة فاطر مقام إظهار كرم رب العالمين، وشدة رحمته ولطفه بعباده، فقدم الظالم لئلا يقنط، وأخر السابق بالخيرات لئلا يعجب بعمله فيحبط.
وقال بعض العلماء : قدم الظالم لنفسه لأن أكثر أهل الجنة الظالمون لأنفسهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ؛ لأن السابقين قليل، والمقتصدين أقل من الظالمين، وهذا معنى قوله : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ١٥٩ [ الأعراف : آية ١٥٩ ] وسيأتي حديث عند قوله : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ١٨١ [ الأعراف : آية ١٨١ ] فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :( هذه لكم وقد أعطي القوم مثلها ) يعني قوم موسى في قوله هنا : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ولكن آية فاطر هذه التي ذكرناها زادت بالسابق بالخيرات، وبالوعد بالجنات للجميع، ففيها من إظهار فضل هذه الأمة ما لم تتناوله إحدى الآيتين هنا في سورة الأعراف.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير