عَلَى أَعْظَمِ الْوُجُوهِ لِإِبْلِيسَ؟ وَإِنْ لَمْ تُوجِبِ الشَّرَفَ الْعَظِيمَ فَكَيْفَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ التَّشْرِيفِ الْكَامِلِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِإِبْلِيسَ عَلَى لِسَانِ مَنْ يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ؟ وَلَمْ يُسَلَّمْ أنه تعالى تكلم مع إبليس بلا واسطة. قَالُوا: لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُخَاطِبُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا بِوَاسِطَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى تَكَلَّمَ مَعَ إِبْلِيسَ بِلَا وَاسِطَةٍ وَلَكِنْ عَلَى وَجْهِ الْإِهَانَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لَهُ: فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ وَتَكَلَّمَ مَعَ مُوسَى وَمَعَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ عَلَى سَبِيلِ الْإِكْرَامِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ طه: ١٣ وَقَالَ لَهُ: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه: ٤١] وَهَذَا نِهَايَةُ الْإِكْرَامِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاهْبِطْ مِنْها قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَكَانُوا فِي جَنَّةِ عَدْنٍ وَفِيهَا خُلِقَ آدَمُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: إِنَّهُ إِنَّمَا أُمِرَ بِالْهُبُوطِ مِنَ السَّمَاءِ وَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها أَيْ فِي السَّمَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يريد ان اهل السموات مَلَائِكَةٌ مُتَوَاضِعُونَ خَاشِعُونَ فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ وَالصَّغَارُ الذِّلَّةُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّ إِبْلِيسَ طَلَبَ التَّكَبُّرَ فَابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ تَنْبِيهًا عَلَى صِحَّةِ مَا
قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وآله وَسَلَّمَ: «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللَّهُ»
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا أَظْهَرَ الاستكبار البس الصغار. والله اعلم.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤ الى ١٧]
قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧)
[قَوْلُهُ تَعَالَى قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ إلى قوله صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ] فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ طَلَبَ الْإِنْظَارَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى وَقْتِ الْبَعْثِ وَهُوَ وَقْتُ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ حِينَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَقْصُودُهُ أَنَّهُ لَا يَذُوقُ الْمَوْتَ فَلَمْ يُعْطِهِ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بل قال انك من المنظرين ثم هاهنا قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى أَنْظَرَهُ إِلَى النَّفْخَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الْحِجْرِ: ٣٧ ٣٨] وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْيَوْمُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ الْأَحْيَاءُ كُلُّهُمْ وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يُوَقِّتِ اللَّهُ لَهُ أَجَلًا بَلْ قَالَ: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ وقوله في الاخرى: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ الْمُرَادُ مِنْهُ الْوَقْتُ الْمَعْلُومُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مُكَلَّفًا وَالْمُكَلَّفُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَّرَ أَجَلَهُ إِلَى الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُكَلَّفَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَتَى تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ وَقْتَ مَوْتِهِ هُوَ الْوَقْتُ الْفُلَانِيُّ أَقْدَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِقَلْبٍ فَارِغٍ فَإِذَا قَرُبَ وَقْتُ أَجَلِهِ تَابَ عَنْ تِلْكَ الْمَعَاصِي فَثَبَتَ أَنَّ تَعْرِيفَ وَقْتِ الْمَوْتِ بِعَيْنِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْإِغْرَاءِ بِالْقَبِيحِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ: بِأَنَّ تَعْرِيفَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَوْنَهُ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَقْتَضِي إِغْرَاءَهُ بِالْقَبِيحِ لِأَنَّهُ
تَعَالَى كَانَ يَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى أَقْبَحِ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ سَوَاءٌ أَعْلَمَهُ بِوَقْتِ مَوْتِهِ أَوْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْإِعْلَامُ مُوجِبًا إِغْرَاءَهُ بِالْقَبِيحِ وَمِثَالُهُ أَنَّهُ تَعَالَى عَرَّفَ أَنْبِيَاءَهُ أَنَّهُمْ يَمُوتُونَ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالْعِصْمَةِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا إِغْرَاءَهُمْ بِالْقَبِيحِ لِأَجْلِ أَنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ مِنْهُمْ سَوَاءٌ عَرَّفَهُمْ تِلْكَ الْحَالَةَ أَوْ لَمْ يُعَرِّفْهُمْ هَذِهِ الْحَالَةَ أَنَّهُمْ يَمُوتُونَ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالْعِصْمَةِ فَلَمَّا كَانَ/ لَا يَتَفَاوَتُ حَالُهُمْ بِسَبَبِ هَذَا التَّعْرِيفِ لَا جَرَمَ مَا كَانَ ذَلِكَ التَّعْرِيفُ إِغْرَاءً بِالْقَبِيحِ فكذا هاهنا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُ إِبْلِيسَ: فَبِما أَغْوَيْتَنِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَضَافَ إِغْوَاءَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَوْلُهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٢] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَضَافَ إِغْوَاءَ الْعِبَادِ إِلَى نَفْسِهِ. فَالْأَوَّلُ: يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْجَبْرِ. وَالثَّانِي: يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْقَدَرِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَحَيِّرًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَوْ يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِغْوَاءَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْمُغْوِي فَجَعَلَ نَفْسَهُ مُغْوِيًا لِغَيْرِهِ مِنَ الْغَاوِينَ ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ الْمُغْوِيَ لَهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ في تفسيره هَذِهِ الْكَلِمَةِ أَمَّا أَصْحَابُنَا فَقَالُوا:
الْإِغْوَاءُ إِيقَاعُ الْغَيِّ فِي الْقَلْبِ وَالْغَيُّ هُوَ الِاعْتِقَادُ الْبَاطِلُ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ مِنَ الله تعالى. اما المعتزلة فلهم هاهنا مَقَامَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُفَسِّرُوا الْغَيَّ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَذْكُرُوا فِي تَفْسِيرِهِ وَجْهًا آخَرَ.
أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فَلَهُمْ فِيهِ أَعْذَارٌ. الْأَوَّلُ: إِنْ قَالُوا هَذَا قَوْلُ إِبْلِيسَ فَهَبْ أَنَّ إِبْلِيسَ اعْتَقَدَ أَنَّ خَالِقَ الْغَيِّ وَالْجَهْلِ وَالْكُفْرِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. الثَّانِي: قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ غَيُّهُ وَكُفْرُهُ فَجَازَ أَنْ يُضِيفَ ذَلِكَ الْغَيَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهَذَا الْمَعْنَى وَقَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ: لَا تَحْمِلْنِي عَلَى ضَرْبِكَ أَيْ لَا تَفْعَلْ مَا أَضْرِبُكَ عِنْدَهُ. الثَّالِثُ: قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ وَالْمَعْنَى: إِنَّكَ بِمَا لَعَنْتَنِي بِسَبَبِ آدَمَ فَأَنَا لِأَجْلِ هَذِهِ الْعَدَاوَةِ أُلْقِي الْوَسَاوِسَ في قلوبهم. الرابع: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي [الحجر: ٣٩] أَيْ خَيَّبْتَنِي مِنْ جَنَّتِكَ عُقُوبَةً عَلَى عَمَلِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي تَفْسِيرِ الْإِغْوَاءِ- الْإِهْلَاكُ- وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مَرْيَمَ: ٥٩] أَيْ هَلَاكًا وَوَيْلًا وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُهُمْ: غَوَى الْفَصِيلُ يَغْوِي غَوًى إِذَا أَكْثَرَ مِنَ اللَّبَنِ حَتَّى يَفْسُدَ جَوْفُهُ وَيُشَارِفَ الْهَلَاكَ وَالْعَطَبَ وَفَسَّرُوا قَوْلَهُ: إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هُودٍ: ٣٤] إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يهلككم بعنادكم الحق فَهَذِهِ جُمْلَةُ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّا لَا نُبَالِغُ فِي بَيَانِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْإِغْوَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْإِضْلَالُ لِأَنَّ حَاصِلَهُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ إِبْلِيسَ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إِلَّا أَنَّا نُقِيمُ الْبُرْهَانَ الْيَقِينِيَّ عَلَى أَنَّ الْمُغْوِيَ لِإِبْلِيسَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَاوِيَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُغْوٍ كَمَا أَنَّ الْمُتَحَرِّكَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحَرِّكٍ وَالسَّاكِنَ لَا بُدَّ لَهُ مَنْ مُسَكِّنٍ وَالْمُهْتَدِيَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ هَادٍ. فَلَمَّا كَانَ إِبْلِيسُ غاويا فلا بد له من مغوي وَالْمُغْوِي لَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْسَهُ أَوْ مَخْلُوقًا آخَرَ أَوِ اللَّهَ تَعَالَى وَالْأَوَّلُ:
بَاطِلٌ لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَخْتَارُ الْغَوَايَةَ مَعَ/ الْعِلْمِ بِكَوْنِهَا غَوَايَةً. وَالثَّانِي: بَاطِلٌ وَإِلَّا لَزِمَ إِمَّا التَّسَلْسُلُ وَإِمَّا الدَّوْرُ.
وَالثَّالِثُ: هُوَ الْمَقْصُودُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَبِما أَغْوَيْتَنِي فِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ بَاءُ الْقَسَمِ أَيْ بِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أَيْ بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ وَنَفَاذِ سُلْطَانِكَ فِيَّ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي يَسْلُكُونَهُ
إِلَى الْجَنَّةِ بِأَنْ أُزَيِّنَ لَهُمُ الْبَاطِلَ وَمَا يُكْسِبُهُمُ الْمَآثِمَ وَلَمَّا كَانَتِ (الْبَاءُ) بَاءَ الْقَسَمِ كَانَتِ (اللَّامُ) جَوَابَ الْقَسَمِ (وَمَا) بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ واغويتني صِلَتُهَا. وَالثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ: فَبِما أَغْوَيْتَنِي أَيْ فَبِسَبَبِ إِغْوَائِكَ إِيَّايَ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ وَالْمُرَادُ أَنَّكَ لَمَّا أَغْوَيْتَنِي فَأَنَا أَيْضًا أَسْعَى فِي إِغْوَائِهِمْ الثَّالِثُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: (مَا) فِي قَوْلِهِ: فَبِما أَغْوَيْتَنِي لِلِاسْتِفْهَامِ كَأَنَّهُ قِيلَ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَغْوَيْتَنِي ثُمَّ ابْتَدَأَ وَقَالَ: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ وَفِيهِ إِشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ إِثْبَاتَ الْأَلِفِ إِذَا أُدْخِلَ حَرْفُ الْجَرِّ عَلَى «مَا» الِاسْتِفْهَامِيَّةِ قَلِيلٌ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ لَا خِلَافَ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ أَنَّ «عَلَى» مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ عَلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ. قَالَ الزَّجَّاجُ. مِثَالُهُ قَوْلُكَ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ وَالْمَعْنَى عَلَى الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَإِلْقَاءُ كَلِمَةِ «عَلَى» جَائِزٌ لِأَنَّ الصِّرَاطَ ظَرْفٌ فِي الْمَعْنَى: فَاحْتَمَلَ مَا يَحْتَمِلُهُ لِلْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فِي قَوْلِكَ آتِيكَ غَدًا وَفِي غَدٍ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ فِيهِ أَبْحَاثٌ.
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ يُوَاظِبُ عَلَى الْإِفْسَادِ مُوَاظَبَةً لَا يَفْتُرُ عَنْهَا وَلِهَذَا الْمَعْنَى ذَكَرَ الْقُعُودَ لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُبَالِغَ فِي تَكْمِيلِ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ قَعَدَ حَتَّى يَصِيرَ فَارِغَ الْبَالِ فَيُمْكِنُهُ إِتْمَامُ الْمَقْصُودِ وَمُوَاظَبَتُهُ عَلَى الْإِفْسَادِ هي مواظبة عَلَى الْوَسْوَسَةِ حَتَّى لَا يَفْتُرَ عَنْهَا.
وَالْبَحْثُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالدِّينِ الْحَقِّ وَالْمَنْهَجِ الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ قَالَ: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ وَصِرَاطُ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ دِينُهُ الْحَقُّ.
الْبَحْثُ الثَّالِثُ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالِاعْتِقَادِ هُوَ مَحْضُ الْغَوَايَةِ وَالضَّلَالِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كذلك لما قال: فَبِما أَغْوَيْتَنِي وَأَيْضًا كَانَ عَالِمًا بِالدِّينِ الْحَقِّ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا قَالَ: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَكَيْفَ يُمْكِنُ: أَنْ يَرْضَى إِبْلِيسُ بِذَلِكَ الْمَذْهَبِ مَعَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ ضَلَالًا وَغَوَايَةً وَبِكَوْنِهِ مُضَادًّا لِلدِّينِ الْحَقِّ وَمُنَافِيًا لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فَإِنَّ الْمَرْءَ إِنَّمَا يَعْتَقِدُ الْفَاسِدَ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَوْنُهُ حَقًّا فَأَمَّا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ بَاطِلٌ وَضَلَالٌ وَغَوَايَةٌ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَخْتَارَهُ وَيَرْضَى بِهِ وَيَعْتَقِدَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ إِنَّ كُفْرَ إِبْلِيسَ كُفْرُ عِنَادٍ لَا كُفْرُ جَهْلٍ لِأَنَّهُ مَتَى عَلِمَ أَنَّ مَذْهَبَهُ ضَلَالٌ وَغَوَايَةٌ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ ضِدَّهُ هُوَ الْحَقُّ فَكَانَ إِنْكَارُهُ إِنْكَارًا بِمَحْضِ اللِّسَانِ فَكَانَ ذَلِكَ كُفْرَ عِنَادٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا بَلْ كُفْرُهُ كُفْرُ جَهْلٍ وَقَوْلُهُ: فَبِما أَغْوَيْتَنِي وَقَوْلُهُ: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ يُرِيدُ بِهِ فِي زَعْمِ الْخَصْمِ وَفِي اعْتِقَادِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي بَيَانِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ رِعَايَةُ مَصَالِحِ الْعَبْدِ فِي دِينِهِ وَلَا فِي دُنْيَاهُ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ إِبْلِيسَ اسْتَمْهَلَ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ فَأَمْهَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَمْهَلَهُ لِإِغْوَاءِ الْخَلْقِ وَإِضْلَالِهِمْ وَإِلْقَاءِ الْوَسَاوِسِ فِي قُلُوبِهِمْ وَكَانَ تَعَالَى عَالِمًا بِأَنَّ أَكْثَرَ الْخَلْقِ يُطِيعُونَهُ وَيَقْبَلُونَ وَسْوَسَتَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سَبَأٍ: ٢٠] فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ إِنْظَارَ إِبْلِيسَ وَإِمْهَالَهُ هَذِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ يَقْتَضِي حُصُولَ الْمَفَاسِدِ الْعَظِيمَةِ وَالْكُفْرَ الْكَبِيرَ فَلَوْ كَانَ تَعَالَى مُرَاعِيًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ
لَامْتَنَعَ أَنْ يُمْهِلَهُ وَأَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ فَحَيْثُ أَنْظَرَهُ وَأَمْهَلَهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ أَصْلًا وَمِمَّا يُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى بَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ دُعَاةً إِلَى الْخَلْقِ وَعَلِمَ مِنْ حَالِ إِبْلِيسَ أَنَّهُ لَا يَدْعُو إِلَّا إِلَى الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَمَاتَ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ هُمُ الدُّعَاةُ لِلْخَلْقِ وَأَبْقَى إِبْلِيسَ وَسَائِرَ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ هُمُ الدُّعَاةُ لِلْخَلْقِ إِلَى الْكُفْرِ وَالْبَاطِلِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ مَصَالِحَ الْعِبَادِ امْتَنَعَ مِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: اخْتَلَفَ شُيُوخُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَقَالَ الْجُبَّائِيُّ: إِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِسَبَبِ وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ وَلَا يَضِلُّ بِقَوْلِهِ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ لَوْ فَرَضْنَا عَدَمَ إِبْلِيسَ لَكَانَ يَضِلُّ أَيْضًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ [الصَّافَّاتِ: ١٦٢ ١٦٣] وَلِأَنَّهُ لَوْ ضَلَّ بِهِ أَحَدٌ لَكَانَ بَقَاؤُهُ مَفْسَدَةً: وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ يَجُوزُ أَنْ يَضِلَّ بِهِ قَوْمٌ وَيَكُونُ خَلْقُهُ جَارِيًا مَجْرَى خَلْقِ زِيَادَةِ الشَّهْوَةِ فَإِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنَ الشَّهْوَةِ لَا تُوجِبُ فِعْلَ الْقَبِيحِ إِلَّا أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْهَا يَصِيرُ أَشَقَّ وَلِأَجْلِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ مِنَ الْمَشَقَّةِ تَحْصُلُ الزِّيَادَةُ فِي الثَّوَابِ فكذا هاهنا بِسَبَبِ إِبْقَاءِ إِبْلِيسَ يَصِيرُ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْقَبَائِحِ أَشَدَّ وَأَشَقَّ وَلَكِنَّهُ لَا يَنْتَهِي إِلَى حَدِّ الْإِلْجَاءِ وَالْإِكْرَاهِ.
وَالْجَوَابُ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ فَضَعِيفٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا بُدَّ وَأَنْ يُزَيِّنَ الْقَبَائِحَ فِي قَلْبِ الْكَافِرِ وَيُحَسِّنَهَا إِلَيْهِ وَيُذَكِّرَهُ مَا فِي الْقَبَائِحِ مِنْ أَنْوَاعِ اللَّذَّاتِ وَالطَّيِّبَاتِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ حَالَ الْإِنْسَانِ مَعَ حُصُولِ هَذَا التَّذْكِيرِ وَالتَّزْيِينِ لَا يَكُونُ مُسَاوِيًا لِحَالِهِ عِنْدَ عَدَمِ هَذَا التَّذْكِيرِ وَهَذَا التَّزْيِينِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْعُرْفُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا حَصَلَ لَهُ جُلَسَاءُ يُرَغِّبُونَهُ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ وَيُحَسِّنُونَهُ فِي عَيْنِهِ وَيُسَهِّلُونَ طَرِيقَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ وَيُوَاظِبُونَ عَلَى دَعْوَتِهِ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ حَالُهُ فِي/ الْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ كَحَالِهِ إذا لم يوجد هذا التذكير والتزيين وَالتَّزْيِينُ وَالْعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي هَاشِمٍ فَضَعِيفٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ إِذَا صَارَ حُصُولُ هَذَا التَّذْكِيرِ وَالتَّزْيِينِ حَاصِلًا لِلْمَرْءِ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ الْقَبِيحِ كَانَ ذَلِكَ سَعْيًا فِي إِلْقَائِهِ فِي الْمَفْسَدَةِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ خَلْقِ الزِّيَادَةِ فِي الشَّهْوَةِ فَهُوَ حُجَّةٌ أُخْرَى لَنَا فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُرَاعِي الْمَصْلَحَةَ فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ؟ وَالَّذِي يُقَرِّرُهُ غَايَةَ التَّقْرِيرِ: أَنَّ لِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ فِي الشَّهْوَةِ يَقَعُ فِي الْكُفْرِ وَعِقَابِ الْأَبَدِ وَلَوِ احْتَرَزَ عَنْ تِلْكَ الشَّهْوَةِ فَغَايَتُهُ أَنَّهُ يَزْدَادُ ثَوَابُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ زِيَادَةِ تِلْكَ الْمَشَقَّةِ وَحُصُولُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنَ الثَّوَابِ شَيْءٌ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ الْبَتَّةَ أَمَّا دَفْعُ الْعِقَابِ الْمُؤَبَّدِ فَإِلَيْهِ أَعْظَمُ الْحَاجَاتِ فَلَوْ كَانَ إِلَهُ الْعَالَمِ مُرَاعِيًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ لَاسْتَحَالَ أَنْ يُهْمِلَ الْأَهَمَّ الْأَكْمَلَ الْأَعْظَمَ لِطَلَبِ الزِّيَادَةِ الَّتِي لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا وَلَا ضَرُورَةَ فَثَبَتَ فَسَادُ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ أَصْلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ قَوْلَانِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُخْتَصٌّ بِنَوْعٍ مِنَ الْآفَةِ فِي الدِّينِ. وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أَحَدُهَا: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يَعْنِي أُشَكِّكُهُمْ فِي صِحَّةِ الْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أُلْقِي إِلَيْهِمْ أَنَّ الدُّنْيَا قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ. وَثَانِيهَا: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَالْمَعْنَى أُفَتِّرُهُمْ عَنِ الرَّغْبَةِ فِي سَعَادَاتِ الْآخِرَةِ وَمِنْ خَلْفِهِمْ يَعْنِي أُقَوِّي رَغْبَتَهُمْ فِي لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَطَيِّبَاتِهَا وَأُحَسِّنُهَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الْآخِرَةُ لِأَنَّهُمْ يَرِدُونَ عَلَيْهَا وَيَصِلُونَ إِلَيْهَا فَهِيَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَإِذَا كَانَتِ الْآخِرَةُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
كَانَتِ الدُّنْيَا خَلْفَهُمْ لِأَنَّهُمْ يَخْلُفُونَهَا. وَثَالِثُهَا: وَهُوَ قَوْلُ الْحَاكِمِ وَالسُّدِّيِّ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يَعْنِي الدُّنْيَا وَمِنْ خَلْفِهِمْ الْآخِرَةَ وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا بَيْنِ أَيْدِيهِمْ بِالدُّنْيَا لِأَنَّهَا بَيْنَ يَدَيِ الْإِنْسَانِ يَسْعَى فِيهَا وَيُشَاهِدُهَا وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَهِيَ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ وَرَابِعُهَا: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ فِي تَكْذِيبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ الَّذِينَ يَكُونُونَ حَاضِرِينَ وَمِنْ خَلْفِهِمْ فِي تَكْذِيبِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ فَفِيهِ وجوه: أحدها: عَنْ أَيْمانِهِمْ فِي الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ فِي انواع المعاصي وثانيها: عَنْ أَيْمانِهِمْ فِي الصَّرْفِ عَنِ الْحَقِّ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ في الترغيب في الباطل وثالثها: عَنْ أَيْمانِهِمْ يعني افترهم عَنِ الْحَسَنَاتِ/ وَالشَّمَائِلُ عَنِ السَّيِّئَاتِ قَوْلٌ حَسَنٌ لان قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَقَوْلُ مَنْ قَالَ الْأَيْمَانُ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَسَنَاتِ/ وَالشَّمَائِلُ عَنِ السَّيِّئَاتِ قَوْلٌ حَسَنٌ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: اجْعَلْنِي فِي يَمِينِكَ وَلَا تَجْعَلْنِي فِي شِمَالِكَ يُرِيدُ اجْعَلْنِي مِنَ الْمُقَدَّمِينَ عِنْدَكَ وَلَا تَجْعَلْنِي مِنَ الْمُؤَخَّرِينَ وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ يُقَالُ: هُوَ عِنْدَنَا بِالْيَمِينِ أَيْ بِمَنْزِلَةٍ حَسَنَةٍ وَإِذَا خَبُثَتْ مَنْزِلَتُهُ قَالَ:
أَنْتَ عِنْدِي بِالشِّمَالِ فَهَذَا تَلْخِيصُ مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ أَمَّا حُكَمَاءُ الْإِسْلَامِ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهَا وُجُوهًا أُخْرَى أَوَّلُهَا: وَهُوَ الْأَقْوَى الْأَشْرَفُ أَنَّ فِي الْبَدَنِ قُوًى أَرْبَعًا هِيَ الْمُوجِبَةُ لِقُوَّاتِ السعادات الروحانية فإحداها: القوة الخالية الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا مِثْلُ الْمَحْسُوسَاتِ وَصُوَرِهَا وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ فِي الْبَطْنِ الْمُقَدَّمِ مِنَ الدِّمَاغِ وَصُوَرُ الْمَحْسُوسَاتِ إِنَّمَا تَرِدُ عَلَيْهَا مِنْ مُقَدَّمِهَا وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ.
وَالْقُوَّةُ الثَّانِيَةُ: الْقُوَّةُ الْوَهْمِيَّةُ الَّتِي تَحْكُمُ فِي غَيْرِ الْمَحْسُوسَاتِ بِالْأَحْكَامِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْمَحْسُوسَاتِ وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ فِي الْبَطْنِ الْمُؤَخَّرِ مِنَ الدِّمَاغِ وَإِلَيْهَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: وَمِنْ خَلْفِهِمْ.
وَالْقُوَّةُ الثَّالِثَةُ: الشَّهْوَةُ وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ فِي الْكَبِدِ وَهِيَ مِنْ يَمِينِ الْبَدَنِ.
وَالْقُوَّةُ الرَّابِعَةُ: الْغَضَبُ وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي الْبَطْنِ الْأَيْسَرِ مِنَ الْقَلْبِ فَهَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعُ هِيَ الَّتِي تَتَوَلَّدُ عَنْهَا أَحْوَالٌ تُوجِبُ زَوَالَ السَّعَادَاتِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالشَّيَاطِينُ الْخَارِجَةُ مَا لَمْ تَسْتَعِنْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعِ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى إِلْقَاءِ الْوَسْوَسَةِ فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي تَعْيِينِ هَذِهِ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ وَهُوَ وَجْهٌ حَقِيقِيٌّ شَرِيفٌ وَثَانِيهَا: إِنَّ قَوْلَهُ: لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الْمُرَادُ مِنْهُ الشُّبُهَاتُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى التَّشْبِيهِ إِمَّا فِي الذَّاتِ والصفات مثل شبه المجسمة واما الْأَفْعَالِ: مِثْلُ شُبَهِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّخْوِيفِ وَالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ وَمِنْ خَلْفِهِمْ الْمُرَادُ مِنْهُ الشُّبُهَاتُ النَّاشِئَةُ عَنِ التَّعْطِيلِ وَإِنَّمَا جَعَلْنَا قَوْلَهُ: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ لِشُبُهَاتِ التَّشْبِيهِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُشَاهِدُ هَذِهِ الْجِسْمَانِيَّاتِ وَأَحْوَالَهَا فَهِيَ حَاضِرَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَعْتَقِدُ أَنَّ الْغَائِبَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِهَذَا الشَّاهِدِ وَإِنَّمَا جَعَلْنَا قَوْلَهُ: وَمِنْ خَلْفِهِمْ كِنَايَةً عَنِ التَّعْطِيلِ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ عَيْنُ التَّعْطِيلِ فَلَمَّا جَعَلْنَا قَوْلَهُ: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ كِنَايَةً عَنِ التَّشْبِيهِ وَجَبَ أَنْ نَجْعَلَ قَوْلَهُ: وَمِنْ خَلْفِهِمْ كِنَايَةً عَنِ التَّعْطِيلِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ فَالْمُرَادُ مِنْهُ التَّرْغِيبُ فِي تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ التَّرْغِيبُ فِي فِعْلِ الْمَنْهِيَّاتِ وَثَالِثُهَا: نُقِلَ عَنْ شَقِيقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ صَبَاحٍ إِلَّا وَيَأْتِينِي الشَّيْطَانُ مِنَ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي أَمَّا مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ فَيَقُولُ: لَا تَخَفْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَأَقْرَأُ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً [طه: ٨٢] وَأَمَّا مِنْ خَلْفِي: فَيُخَوِّفُنِي مِنْ وُقُوعِ أَوْلَادِي فِي الْفَقْرِ فَأَقْرَأُ وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هُودٍ: ٦] وَأَمَّا مِنْ قِبَلِ يَمِينِي فَيَأْتِينِي من قبل الثناء فاقرأ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:
وَأَمَّا مِنْ قِبَلِ شَمَالِي: فَيَأْتِينِي مِنْ قِبَلِ الشَّهَوَاتِ فَأَقْرَأُ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ [سَبَأٍ: ٥٤] وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنِ الشَّيْطَانِ ذِكْرَ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّهُ يُبَالِغُ فِي إِلْقَاءِ الْوَسْوَسَةِ وَلَا يُقَصِّرُ فِي وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ الْمُمْكِنَةِ الْبَتَّةَ وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ الْمُمْكِنَةِ بِجَمِيعِ الِاعْتِبَارَاتِ الْمُمْكِنَةِ
وَعَنْ رسول الله صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ: تَدَعُ دِينَ آبَائِكَ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الهجرة فقال له: تدع ديارك وتتغارب فَعَصَاهُ وَهَاجَرَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ لَهُ: تُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ وَيُقَسَّمُ مَالُكَ وَتُنْكَحُ امْرَأَتُكَ فَعَصَاهُ فَقَاتَلَ»
وَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتْرُكُ جِهَةً مِنْ جِهَاتِ الْوَسْوَسَةِ إِلَّا وَيُلْقِيهَا فِي الْقَلْبِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَذْكُرْ مَعَ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِهِمْ.
قُلْنَا: أَمَّا فِي التَّحْقِيقِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْقُوَى الَّتِي يَتَوَلَّدُ مِنْهَا مَا يُوجِبُ تَفْوِيتَ السَّعَادَاتِ الرُّوحَانِيَّةِ فَهِيَ مَوْضُوعَةٌ فِي هَذِهِ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ مِنَ الْبَدَنِ وَأَمَّا فِي الظَّاهِرِ:
فَيُرْوَى أَنَّ الشَّيْطَانَ لَمَّا قَالَ هَذَا الْكَلَامَ رَقَّتْ قُلُوبُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ فَقَالُوا: يَا إِلَهَنَا كَيْفَ يَتَخَلَّصُ الْإِنْسَانُ مِنَ الشَّيْطَانِ مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ أَنَّهُ بَقِيَ لِلْإِنْسَانِ جِهَتَانِ: الْفَوْقُ وَالتَّحْتُ فَإِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى فَوْقُ فِي الدُّعَاءِ عَلَى سَبِيلِ الْخُضُوعِ أَوْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ عَلَى سَبِيلِ الْخُشُوعِ غَفَرْتُ لَهُ ذَنْبَ سَبْعِينَ سَنَةً
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ قَالَ: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ فَذَكَرَ هَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ بِكَلِمَةِ (مِنْ) ثُمَّ قَالَ: وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ فَذَكَرَ هَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ بِكَلِمَةِ (عَنْ) وَلَا بُدَّ فِي هَذَا الْفَرْقِ مِنْ فَائِدَةٍ فَنَقُولُ: إِذَا قَالَ الْقَائِلُ جَلَسَ عَنْ يَمِينِهِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ جَلَسَ مُتَجَافِيًا عَنْ صَاحِبِ الْيَمِينِ غَيْرَ مُلْتَصِقٍ بِهِ قَالَ تَعَالَى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ [ق: ١٧] فَبَيَّنَ أَنَّهُ حَضَرَ عَلَى هَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ مَلَكَانِ وَلَمْ يَحْضُرْ فِي الْقُدَّامِ وَالْخَلْفِ مَلَكَانِ وَالشَّيْطَانُ يَتَبَاعَدُ عَنِ الْمَلَكِ فَلِهَذَا الْمَعْنَى خَصَّ الْيَمِينَ وَالشِّمَالَ بِكَلِمَةِ (عَنْ) لِأَجْلِ أَنَّهَا تُفِيدُ الْبُعْدَ وَالْمُبَايَنَةَ وَأَيْضًا فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ الْخَيَالُ وَالْوَهْمُ وَالضَّرَرُ النَّاشِئُ مِنْهُمَا هُوَ حُصُولُ الْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ وَذَلِكَ هُوَ حُصُولُ الْكُفْرِ وَقَوْلِهِ: وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ الشَّهْوَةُ والغضب والضرر الناشي مِنْهُمَا هُوَ حُصُولُ الْأَعْمَالِ الشَّهْوَانِيَّةِ وَالْغَضَبِيَّةِ وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْصِيَةُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الضَّرَرَ الْحَاصِلَ مِنَ الْكُفْرِ لَازِمٌ لِأَنَّ عِقَابَهُ دَائِمٌ أَمَّا الضرر الحاصل من المعصية فسهل لأنه عِقَابَهُ مُنْقَطِعٌ فَلِهَذَا السَّبَبِ خَصَّ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ بِكَلِمَةِ (عَنْ) تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ فِي اللُّزُومِ وَالِاتِّصَالِ دُونَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الْقَوْلُ مِنْ إِبْلِيسَ كَالدَّلَالَةِ عَلَى بُطْلَانِ مَا يُقَالُ: إِنَّهُ يَدْخُلُ فِي بَدَنِ ابْنِ آدَمَ وَيُخَالِطُهُ لِأَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ لَكَانَ بِأَنْ يَذْكُرَهُ فِي بَابِ الْمُبَالَغَةِ أَحَقَّ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْلِيسَ أَنَّهُ قَالَ: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ وَفِيهِ سُؤَالٌ: وَهُوَ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْغَيْبِ فَكَيْفَ عَرَفَ إِبْلِيسُ ذَلِكَ فَلِهَذَا السَّبَبِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَ قَدْ رَآهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَقَالَ لَهُ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ لِأَنَّهُ كَانَ عَازِمًا عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي تَزْيِينِ الشَّهَوَاتِ وَتَحْسِينِ الطَّيِّبَاتِ وَعَلِمَ أَنَّهَا أَشْيَاءُ يَرْغَبُ فِيهَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمْ يَقْبَلُونَ قَوْلَهُ فِيهَا عَلَى سَبِيلِ الْأَكْثَرِ
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي