المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه عباده في الآية السابقة بنعمه عليهم بالتمكين في الأرض وخلق أنواع المعايش فيها ـ قفى على ذلك ببيان أنه خلق النوع الإنساني مستعدا للكمال وأنه قد تعرض له وسوسة من الشيطان تحول بينه وبين هذا الكمال الذي يبتغيه.
الإيضاح : ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم أي ثم لا أدع جهة من الجهات الأربع إلا هاجمتهم منها مترصدا لهم كما يقعد قطاع الطريق للسابلة.
وخلاصة ذلك : لأسولن لهم ولأصلنهم قدر المستطاع، وقد ضرب لذلك المثل بحال العدو يأتي عدوه من أي جهة أمكنته ويفترص الفرصة إذا سنحت له.
ولا تجد أكثرهم شاكرين أي ولا تجد أكثرهم مطيعين لك، شاكرين لنعمك عليهم، في عقولهم ومشاعرهم ومعايشهم وفي كل ما يهديهم إلى تكميل فطرتهم من تعاليم رسلك لهم، بل الأقلون منهم هم الذين يتبعون ذلك، وقد قال إبليس ذلك عن ظن فأصاب لقوله تعالى : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين [ سبأ : ٢٠ ].
وروي عن ابن عباس في تفسير الجهات الأربع : من بين أيديهم : أي أشككهم في آخرتهم، ومن خلفهم : أي أرغبهم في دنياهم، وعن أيمانهم : أي أشبه عليهم أمر دينهم، وعن شمائلهم : أي أستنّ لهم المعاصي، ولا تجد أكثرهم شاكرين : أي موحدين ؛ وفي رواية أخرى عنه من بين أيديهم أي من قبل الدنيا، ومن خلفهم : أي من قبل الآخرة، وعن أيمانهم : أي من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم : أي من قبل سيئاتهم.
والرواية الثانية تخالف الأولى في تفسير ما بين الأيدي : هل المراد منه ما هو حاضر أو ما هو مستقبل، وفي تفسير الخلف : هل المراد منه ما يتركه المرء ويتخلف عنه وهو الدنيا، أو هو ما وراء حياته الحاضرة وهو الآخرة، واللفظ محتمل لكلا التأويلين.
روى أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن عمر قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات :( اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بك أن أغتال من تحتي ).
تفسير المراغي
المراغي