ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

وإنه سيأتي البشر من كل جهة :( من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ).. للحيلولة بينهم وبين الإيمان والطاعة.. وهو مشهد حي شاخص متحرك لإطباق إبليس على البشر في محاولته الدائبة لإغوائهم، فلا يعرفون الله ولا يشكرونه، اللهم إلا القليل الذي يفلت ويستجيب :
( ولا تجد أكثرهم شاكرين )..
ويجيء ذكر الشكر، تنسيقا مع ما سبق في مطلع السورة :( قليلاً ما تشكرون ).. لبيان السبب في قلة الشكر ؛ وكشف الدافع الحقيقي الخفي، من حيلولة إبليس دونه، وقعوده على الطريق إليه ! ليستيقظ البشر للعدو الكامن الذي يدفعهم عن الهدى ؛ وليأخذوا حذرهم حين يعرفون من أين هذه الآفة التي لا تجعل أكثرهم شاكرين !
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال


في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير