ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ

إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ١٩٦ [ الأعراف : آية ١٩٦ ] وقد أجرى الله عادة الشياطين أنهم يخوفون الناس من أولياء الشياطين كما تقدم إيضاحه في تفسير قوله : إنما ذالكم الشيطان يخوف أولياءه الأصل : يخوفكم أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين [ آل عمران : آية ١٧٥ ] وأنواع تخويف الشيطان الناس من أوليائه مختلفة كما هو معروف ؛ ولذا قال هنا : فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون [ الأعراف : آية ١٩٥ ].
ثم قال ( صلوات الله وسلامه عليه ) : إن ولي الله الولي في لغة العرب : وهو المولي، وهو الذي انعقد بينك وبينه سبب ولاية يجعلك تواليه ويواليك. والله ( جل وعلا ) انعقد بينه وبين رسوله موجب الولاية، الرسول يوالي ربه بالطاعات، والله يوالي نبيه بالإعانة والنصر والثواب الجزيل، والرسول ولي المؤمنين، والمؤمنون أولياءه النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم [ الأحزاب : آية ٦ ] والله ولي المؤمنين، والرسول ولي المؤمنين إنما وليكم الله ورسوله [ المائدة : آية ٥٥ ] والمؤمنون المتقون أولياء الله ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ٦٢ الذين آمنوا وكانوا يتقون ٦٣ [ يونس : الآيتان ٦٢، ٦٣ ].
قوله : نزل الكتاب [ الأعراف : آية ١٩٦ ] هو هذا القرآن العظيم. وقال بعض العلماء : المراد جنس الكتاب. فالمعنى : أنه نزل جميع الكتب المنزلة، فيها هذا الكتاب الذي هو الأخير منها، الذي جمع الله فيه علوم الأولين والآخرين، وهذا القرآن سمي كتابا، وهو ( فعال ) بمعنى ( فعال ) بمعنى ( مفعول ) أي : مكتوب ؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى : بل هو قرآن مجيد ٢١ في لوح محفوظ ٢٢ [ البروج : الآيتان ٢١، ٢٢ ] ومكتوب في صحف عند الملائكة، كما قال تعالى : في صحف مكرمة ١٣ مرفوعة مطهرة ١٤ بأيدي سفرة ١٥ كرام بررة ١٦ [ عبس : الآيات ١٣-١٦ ] وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا أن مادة الكاف، والتاء، والباء. ( كتب ) معناها في لغة العرب : الضم والجمع، فكل شيء ضممت بعضه إلى بعض وجمعته فقد كتبته. ومنه سميت الكتيبة كتيبة، وهي القطعة العظيمة من الجيش ؛ لأنها انضم بعضها إلى بعض واجتمع بعضها على بعض، ومنه قول نابغة دبيان :

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
ولذلك أطلقت الكتابة على الخياطة ؛ لأن الخياطة يضم فيها طرف الثواب أو طرف الأديم يضم بعضها إلى بعض ويجمعان بالخيط الذي يخيط به الخائط كما هو معروف، وفي ألغاز الحريري :
وكاتبين وما خطت أناملهم حرفا ولا قرؤوا ما خط في الكتب
يعني الخياطين ؛ ولذلك سمت العرب الرقعة التي تكون في السقاء، والسير التي تخاط به سمتهما ( كتبة ) لأنه شيء يلصق بشيء ويضم إليه، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول غيلان ذي الرمة :
ما بال عينيك منها الماء ينسكب كأنه من كلي مفرية سرب
وفراء غرفية أثأى خوارزها مشلشل ضيعته بينها الكتب
ومن هذا قيل للخياط : كاتب، ومنه قول الشاعر يهجو بني فزارة وبعيرهم بأنهم يفعلون الفاحشة مع إناث الإبل :
لا تأمنن فزاريا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار
فقوله :( واكتبها بأسيار ) يعني : خط ثفرها بأسيار لئلا يفعل بها الفزاري الفاحشة. هذا أصل هذه المادة في لغة العرب. والكتابة مصدر سيال معناه أنك تجمع نقوشا وتضم بعضها إلى بعض، وتجمع بعضها مع بعض، هي هذه الحروف، حتى تصير دالة على المعاني. هذا معنى الكتاب، وهو ( فعال ) بمعنى ( مفعول ) مكتوب. وهذا معنى قوله : الذي نزل الكتاب .
وهو يتولى الصالحين وهو ( جل وعلا ) يتولى الصالحين، وسيدهم وخيرهم هو النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تولاه، ولا يضره شيء مع كلاءة الله وحفظه له والله يعصمك من الناس [ المائدة : آية ٦٧ ] ومعنى كونه يتولاهم أي : يتولاهم بالنصر والحفظ والكلاءة والجزاء ونحو ذلك.
والصالحون جمع صالح، وهو ضد الطالح، وهو الذي يطيع الله ( جل وعلا ) فيما أمره به ونهاه عنه. وهذا معنى قوله : الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير