وقد رأى بعض المفسرين في هذه الآية أن المراد: خلقكم يا بنى آدم من نفس واحدة هي آدم وجعل منها زوجها وهي حواء، وأن الشرك كان من بعض أولادهما ككفار مكة واليهود والنصارى وقد نسب إليهما، والمراد أولادهما بدليل: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ وفي الكشاف أن المراد بالزوجين الجنس لا فردان معينان.
ثم أخذ القرآن في نقاش هؤلاء المشركين، أيشركون بالله شيئا لا يخلق أبدا أى شيء؟ بل إنه لا يملك نفعا ولا ضرا لنفسه ولا لغيره، والحال أن ما يشركون به من صنم أو وثن هو مخلوق ضعيف إن يسلبه الذباب شيئا لا يستطيع إنقاذه منه ولا يستطيع لهؤلاء المشركين نصرا في أى ميدان، وإن تدعوهم إلى هدايتكم لا يستجيبون لكم وكيف يستجيبون؟
وكيف يداوى القلب... من لا له قلب
يستوي عندهم دعاؤكم وبقاؤكم صامتين، والإله المعبود، والرب الموجود لا يكون بهذا الوضع أبدا فهو السميع البصير، العليم الخبير الناصر القادر- سبحانه وتعالى-!!
حقيقة الأصنام والأوثان [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩٤ الى ١٩٨]
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)
المفردات:
تَدْعُونَ الدعاء: النداء، وغالبا يكون لدفع ضر أو جلب خير، والمراد:
تعبدون. يَبْطِشُونَ: يصولون بها. فَلا تُنْظِرُونِ أى: تمهلون.
هذا تمام للكلام السابق وهكذا شأن القرآن في إثبات التوحيد ونفى الشرك.
المعنى:
هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله هم مخلوقون مثلكم، فلا يصح أن يكون المخلوق محل عبادة وتقديس من مخلوق مثله.
وإن تعجبوا فعجب حالكم تستكثرون الرسالة على بشر منكم خصه الله بالعلم والمعرفة، وقوة اليقين ونور البصيرة ثم تعبدون من دون الله حجارة!! وإن كنتم صادقين فادعوهم، وإن كانوا كذلك فليستجيبوا لكم، ولكن كيف يكون ذلك؟
وهم أحط درجة ممن يعبدونهم، فليس لهم أرجل يمشون بها، وليس لهم أيد يصولون بها، وليس لهم أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها إذ هم حجارة صماء، أو صنيع من طين وماء، أو من عجوة أو حلاوة كصنم بنى حنيفة.
أكلت حنيفة ربها... عام التقحم والمجاعة
على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بأن يتحداهم ويدعوهم لأمر عملي فقيل له: قل لهم يا محمد:
ادعوا شركاءكم وآلهتكم من دون الله ثم تعاونوا معهم على أن يكيدوا لي ويوقعوا بي المكروه بأى شيء كان، ولا تمهلون، ومع هذا لم يعملوا شيئا فيه.
وهذا رد عليهم في قولهم: إنا نخاف عليك من آلهتنا!!
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي