هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها١ حملت حملا خفيفا٢ فمرت به فلما أثقلت٣ دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين١٨٩ فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون١٩٠ أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون١٩١ ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون١٩٢ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون١٩٣ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم٤ فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين١٩٤ ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون٥ فلا تنظرون١٩٥٦ إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين١٩٦ والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسكم ينصرون١٩٧ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون١٩٨ [ ١٨٩-١٩٨ ].
لم يرو المفسرون مناسبة خاصة لنزول الآيات. والمتبادر أنها استمرار في السياق مع التفات في الخطاب للسامعين. وفيها تنديد بالجاحدين لنعمة الله والناقضين لعهودهم معه والمشركين به، وتهوين لشأن الشركاء الذين يتخذونهم من دون الله والذين لا يملكون لهم ولا لأنفسهم نصرا ولا يخلقون شيئا ولا يسمعون ولا يبصرون، وتحد لهم في صدهم وسخرية بهم، وإعلان بلسان النبي صلى الله عليه وسلم أن وليه الله الذي نزل الكتاب وأنه ولي كل مؤمن صالح. وعبارتها واضحة. وأسلوبها قوي نافذ شديد الإفحام شأنه أن يسد منفذ أي منطق للمشركين ويحبط أي حجة لهم في إشراك أي شيء من موجودات الكون وقواه مع الله في الدعاء والعبادة والاتجاه والشكر، وفي أمل جلب الخير لهم ودفع الشر عنهم ونصرهم في الملمات، وقوة الإفحام مستحكمة بنوع خاص بسبب ما احتوته الآية الأولى من حكاية اعترافهم بالله على أنه ربهم الأكبر خالقهم ورازقهم ومدبر الأكوان. وقد احتوت تحديا لاذعا وتبكيتا قارعا يزيدان في قوة الإفحام أيضا. فالذين يشركونهم مع الله مخلوقون كسائر مخلوقات الله وعاجزون عن خلق أي شيء كما أنهم عاجزون عن حماية أنفسهم من أي طارئ فضلا عن عجزهم عن نصر الذين يتخذونهم شركاء. كذلك في أسلوب الآيات القوي المتحدي اللاذع ما يبعث الثقة والطمأنينة في نفس النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ؛ لأنه أسلوب الواثق بقوة موقفه المستعلي على مجادله. وهذا مما استهدفته الآيات فيما هو المتبادر أيضا.
تعليق على الآية
هو الذي خلقكم من نفس واحدة
والآيات التسع التالية لها وما فيها من صور وتلقين.
لقد روى الطبري وغيره عن أهل التأويل روايات مختلفة الصيغ متفقة المدى تفيد أن جملة نفس واحدة تعني آدم الذي كان أول من خلقه الله من البشر وجملة وجعل منها زوجها تعني حواء التي خلقها الله منه وأنهما كانا يسميان أولادهما بأسماء غير منسوبة إلى الله مثل عبد الرحمن وعبد الله فيموتون فوسوس لهما إبليس بتسميتهم بأسماء غير منسوبة إلى الله مثل عبد الحرث ففعلا فعاشوا. وهناك حديث رواه الترمذي والحاكم وصححه عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال : سميه عبد الحرث، فسمته عبد الحرث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره )١. غير أن هناك من توقف في هذه الروايات وفي الحديث ونعته بالمرفوع أو الموقوف بل وهناك من قال إنه مروي عن إسرائيليين ولا يجوز الأخذ به٢. وروي عن الحسن أن الآيات هي في صدد رجل وامرأة من كفار بني آدم ومشركيهم٣ وهناك من روى أنها في صدد عربي وعربية من قريش من ولد قصي٤. ولقد قال الذين تمسكوا بصحة الحديث إن الكلام في الآية الأولى فقط في صدد آدم وحواء. واستشكلوا في نسبة الشرك إليهما فقالوا : إنه ليس شرك عبادة، وإنما هو شرك طاعة ؛ لأن هناك قاعدة عند أهل السنة من المفسرين وهي التقيد بالحديث النبوي إذا صح عندهم في تفسير الآيات وهذا حق. غير أن الحالة هنا هي غير ذلك ؛ لأن الحديث ليس مجمعا عليه بل ومتوقفا فيه. وإذا أمعنا في الآيات نراها أولا : وحدة تامة منسجمة برغم انتقال الضمائر فيها من الجمع الغائب إلى الجمع المخاطب الذي هو مألوف في النظم القرآني٥ ونراها ثانيا : مصبوبة على المشركين وأوثانهم وفيها تنديد بهم وتحدّ لهم. ونرى وفي صرفها أو صرف بعضها إلى بعضها إلى آدم وحواء مشكلا وفي ما حاولوه من صرف نسبة الشرك إليهما تكلفا. وضمير الجمع المخاطب الذي انتقل إليه الكلام يجعلنا نرى القول إنها في صدد مشركين عرب هو الأوجه. بل وإنها موجهة إلى المشركين السامعين.
ولقد قال المؤولون والمفسرون الذين صرفوها إلى المشركين العرب : إن ما عنته الآية الأولى هو ما كانوا يطلقونه على أولادهم من أسماء معبوداتهم مثل عبد اللاة وعبد مناة وعبد العزى وعبد يغوث وعبد ود. ومع احتمال الصواب في هذا ووجاهته فإنه يتبادر لنا أن الإشارة أعم شمولا، وأنها تعني أيضا تسفيه عقيدتهم في كون شركائهم ذوي أثر فيما يتم لهم من نعمة الولد وسلامته. وفيما يأخذون به من إشراك شركائهم مع الله بالشكر والدعاء والاتجاه.
وفي الآيات كما هو المتبادر صورة أوضح مما سبق لعقيدة الشرك عند العرب قبل الإسلام وشمولها وهدفها الدنيوي. ولقد علقنا على هذه العقيدة وهدفها في سياق تفسير سورة المدثر، فلا نرى ضرورة للإعادة.
والوصف الذي احتوته الآيات للشركاء قد يدل على أن موضوع الكلام هو الأوثان الجامدة التي كان العرب يتخذونها رموزا لآلهتهم السماوية وبخاصة للملائكة، ويقيمون عندها طقوسهم، ويقربون قرابينهم على ما شرحناه في سياق سورة [ النجم ]، وفي الآية [ ١٩٨ ] بخاصة دليل أو قرينة على أن هذه الأوثان كانت مخلقة. أي على صورة إنسان أو حيوان له عينان ولكن لا تبصران وأذنان ولكن لا تسمعان.
ويبدو من الوصف مع ذلك أن المشركين كانوا يعتقدون أن للأوثان تأثيرا مباشرا في جلب النافع ودفع الضار عنهم أيضا. ومن هنا تبدو قوة التبكيت اللاذع الذي احتوته الآيات.
هذا، ونقف عند الآية الأولى لنقول : إنها في ما قررته من كون الذكر والأنثى من نفس واحدة يلمح كون الجنسين زوجا واحدا جعل كل منهما مكملا للآخر وكونهما بناء على ذلك في مرتبة واحدة من حيث الحياة الإنسانية ووظائفها. وكل ما في الأمر أن لكل منهما وظيفة تناسلية مختلفة عن وظيفة الآخر وحسب. وفي هذا تدعيم لما نبهنا عليه من مبدأ التساوي بين الذكر والأنثى في سياق تفسير سورة الليل.
التفسير الحديث
دروزة